الإسكندر الأكبر

احتفلوا معنا بالذكرى السنوية من خلال مسابقة الأسئلة!

انضموا إلينا يوم 23 أغسطس في حفلة مسابقات افتراضية مجانية تتضمن أسئلة حول الحضارات القديمة، وتاريخ الولايات المتحدة، وحقائق تاريخية غير معروفة، والثقافة الشعبية، وغير ذلك الكثير.

$194 / $5000
Joshua J. Mark
بقلم ، ترجمة Khadija Ashinawy
نُشر في
Translations 13
bookmark_addbookmark_addedحفظ المقال printطباعة picture_as_pdfPDF
Alexander the Great & Bucephalus Mosaic (by Ruthven, Public Domain)
فسفياء الإسكندر الأكبر Ruthven (Public Domain)

يُعد الإسكندر الثالث المقدوني، المعروف على نطاق أوسع باسم الإسكندر الأكبر (عاش بين 21 يوليو 356 ق.م – 10 أو 11 يونيو 323 ق.م، وحكم بين 336-323 ق.م)، ابن الملك فيليب الثاني المقدوني (حكم 359-336 ق.م)، وقد ارتقى العرش عقب وفاة والده عام 336 ق.م، ليمضي بعدها في غزو معظم العالم المعروف في عصره.

نال لقب "الأكبر" بفضل عبقريته العسكرية الفذة ومهاراته الدبلوماسية في التعامل مع الشعوب المتباينة في المناطق التي فتحها. ويُعرف كذلك بدوره في نشر الثقافة واللغة والفكر اليوناني من بلاد اليونان عبر آسيا الصغرى ومصر وبلاد الرافدين وصولاً إلى الهند، مطلقاً بذلك شرارة العصر الهلنستي (323-31 ق.م)؛ وهو العصر الذي واصل فيه أربعة من قادته (خلفاؤه المعروفون باسم "الديادوخي")، رغم حروبهم المريرة على السيادة، سياساته في دمج الثقافة اليونانية (الهلنستية) مع ثقافات الشرق الأدنى. توفي الإسكندر لأسباب مجهولة عام 323 ق.م دون أن يسمّي خلفاً له بشكل قاطع (أو وفقاً لبعض الروايات، تم تجاهل اختياره للقائد بيرديكاس)، مما أدى إلى تقسيم الإمبراطورية التي بناها بين قادة "الديادوخي".

أصبحت حملات الإسكندر أسطورة حية بعد وفاته، فألهمت تكتيكات وسير كبار القادة اليونانيين والرومان لاحقاً، كما حفزت كتابة سير ذاتية لا حصر لها أضفت عليه مكانة تقارب الآلهة. أما المؤرخون المعاصرون، فقد اتخذوا نهجاً أكثر نقداً لحياته ومسيرته مقارنة بالروايات القديمة، ويتجلى ذلك في انتقاد تدميره لمدينة "برسبوليس" وطريقة تعامله مع سكان "صور"، بيد أن الإجماع العام بشأن إرثه بين العلماء الغربيين يظل إيجابياً في مجمله، ولا يزال واحداً من أكثر الشخصيات شعبية وحضوراً في التاريخ العالمي.

Alexander the Great (Artistic Facial Reconstruction)
الإسكندر الأكبر (إعادة بناء الوجه) Arienne King (CC BY-NC-SA)

شباب الإسكندر

تلقى الإسكندر في صباه فنون القتال والفروسية على يد "ليونيداس الإبيري"، وهو من أقارب والدته "أوليمبياس"، كما تعلم الصمود أمام الصعاب مثل المسيرات القسرية. كان والده فيليب مهتماً بصقل شخصية ملك مستقبلي مثقف، لذا استأجر "ليسيماتخوس الأكارناني" لتعليم الصبي القراءة والكتابة وعزف القيثارة؛ هذه التنشئة غرست في الإسكندر شغفاً دائماً بالقراءة والموسيقى. وفي سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، قُدم الإسكندر إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو (384-322 ق.م) الذي عينه فيليب معلماً خاصاً له. درس الإسكندر مع أرسطو حتى سن السادسة عشرة، ويُقال إن المراسلات ظلت قائمة بينهما طوال حملات الإسكندر اللاحقة، وإن كانت الأدلة على ذلك تظل في إطار القصص المتواترة.

انعكس تأثير أرسطو بشكل مباشر على تعاملات الإسكندر اللاحقة مع الشعوب التي غزاها، إذ لم يفرض الثقافة اليونانية قسراً على سكان الأقاليم المختلفة، بل اكتفى بتقديمها بنفس الأسلوب الذي كان يتبعه أرسطو في تدريس طلابه. أما تأثير ليونيداس، فيظهر بوضوح في مرونة الإسكندر وقوة تحمله البدني طوال حياته، فضلاً عن مهارته الفائقة مع الخيول؛ إذ يُروى أن الإسكندر روّض الحصان "بوسيفالوس" الذي "لا يُروض" وهو لا يزال في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمره.

ورغم أن تأثيرات معلميه تركت بصمة عميقة في نفسه، يبدو أن الإسكندر كان مقدراً له المجد منذ ولادته. فقد حظي، أولاً وقبل كل شيء، بوالد أرست إنجازاته أساساً متيناً لنجاحاته اللاحقة. يلاحظ المؤرخ ديودورس الصقلي ذلك قائلاً:

"خلال أربعة وعشرين عاماً من حكمه ملكاً لمقدونيا، بدأها بأقل الموارد، استطاع فيليب بناء مملكته لتصبح القوة العظمى في أوروبا... خطط للإطاحة بالإمبراطورية الفارسية، وأنزل قواته في آسيا وكان في صدد تحرير المجتمعات الهيلينية عندما باغته القدر؛ ورغم ذلك، ترك خلفه مؤسسة عسكرية ضخمة وعالية الجودة مكنت ابنه الإسكندر من الإطاحة بالإمبراطورية الفارسية دون الحاجة لمساعدة الحلفاء. هذه الإنجازات لم تكن وليدة الحظ، بل نتاج قوة شخصيته، فهذا الملك يبرز فوق الآخرين جميعاً بفطنته العسكرية وشجاعته الشخصية وذكائه المتوقد." (الكتاب السادس عشر، الفصل الأول)

وبينما كان تأثير والده جلياً، اختار الإسكندر نفسه أن يرى نجاحه بوصفه قدراً أقرته قوى إلهية. فقد نصب نفسه ابناً لزيوس، مدعياً مكانة "نصف إله"، وربط سلالته ببطليه المفضلين من العصور القديمة؛ أخيل وهرقل، متخذاً من سيرتهما نموذجاً يحتذى به. غرست فيه "أوليمبياس" هذا الاعتقاد بألوهيته، إذ أخبرته أن ولادته كانت "عذرية" بعد أن حملت به بمعجزة من زيوس نفسه. وارتبطت ولادته بعلامات وعجائب عظيمة، مثل نجم ساطع تلألأ فوق مقدونيا تلك الليلة، وتدمير معبد أرتميس في أفسس. يكتب بلوتارخ:

"وُلد الإسكندر في السادس من شهر هكاتومبايون، الذي يسميه المقدونيون ’لوس‘، وهو نفس اليوم الذي احترق فيه معبد ديانا (أرتميس) في أفسس؛ الأمر الذي دفع هيجيسياس الماغنيزي إلى قول دعابة فاترة مفادها أن المعبد اشتعلت فيه النيران بينما كانت سيدته غائبة تساعد في ولادة الإسكندر. أما العرافون الشرقيون الذين تصادف وجودهم في أفسس آنذاك، فقد رأوا في خراب هذا المعبد نذيراً بكارثة كبرى، فشرعوا يركضون في أرجاء المدينة يلطمون وجوههم ويصرخون بأن هذا اليوم قد أتى بشيء سيثبت أنه وبال ودمار على كل آسيا." (بلوتارخ، حياة الإسكندر، الجزء الأول)

وعند وحي سيوة، أُعلن ابناً للإله زيوس-آمون.

ورغم أن ولادته موثقة جيداً لدى المؤرخين، إلا أن المعلومات عن شبابه قليلة، باستثناء قصص نبوغه المبكر (يُزعم أنه حاور دبلوماسيين زائرين حول حدود فارس وقوتها وهو في السابعة من عمره)، وعن معلميه وأصدقاء طفولته. أصبح أصدقاء الإسكندر: كاساندر (355-297 ق.م)، وبطليموس (367-282 ق.م)، وهيفايستيون (356-324 ق.م)، رفاق دربه وقادة في جيشه طوال حياته.

أما كاليستنيس (360-327 ق.م)، وهو صديق آخر وابن أخت أرسطو، فقد جاء إلى البلاط المقدوني مع الفيلسوف، وأصبح مؤرخ البلاط ورافق الإسكندر في حملاته. وظل هيفايستيون أعز أصدقائه وأقربهم إليه طوال حياته والرجل الثاني في قيادة الجيش. وعن شباب الإسكندر، يكتب المؤرخ "ورثينجتون" أن الإسكندر "تلقى تعليمه في منزله كما كانت العادة في مقدونيا، واعتاد على مشاهدة (ثم المشاركة في) مسابقات الشرب التي كانت جزءاً من حياة البلاط المقدوني"، ولكن بخلاف ذلك "نحن نعرف القليل بشكل مفاجئ عن صباه" (33).

معركة خيرونيا والحملات الأولى

لوحظت براعة الإسكندر العسكرية لأول مرة في معركة "خيرونيا" عام 338 ق.م. فرغم أنه كان في الثامنة عشرة من عمره فقط، إلا أنه ساعد في قلب موازين المعركة وتحقيق النصر المقدوني الحاسم الذي هزم المدن اليونانية المتحالفة. وعندما اغتيل فيليب الثاني عام 336 ق.م، اعتلى الإسكندر العرش، ومع توحد المدن اليونانية تحت الحكم المقدوني بعد خيرونيا، انطلق في الحملة الكبرى التي كان والده يخطط لها: غزو الإمبراطورية الفارسية العظيمة. ويذكر ورثينجتون:

"كانت ملحمة هوميروس بمثابة 'إنجيل' الإسكندر، وقد اصطحب معه نسخة أرسطو إلى آسيا... وخلال حملاته، كان الإسكندر عازماً دائماً على معرفة كل شيء عن المناطق التي يمر بها. فصحب معه حاشية من العلماء لتسجيل وتحليل المعلومات، من علم النبات والأحياء والحيوان والأرصاد الجوية إلى الطبوغرافيا. إن رغبته في التعلم وتسجيل المعلومات بأكبر قدر ممكن من العلمية نبعت على الأرجح من تعاليم أرسطو وحماسه." (34-35)

بجيش مقدوني قوامه 32,000 جندي مشاة و5,100 خيال، عبر الإسكندر إلى آسيا الصغرى عام 334 ق.م ليبدأ غزوه للإمبراطورية الفارسية الأخمينية، وهزم الجيش الفارسي بقيادة المرازبة في معركة "غرانيكوس" في مايو. ثم قام بـ "تحرير" (كما صاغ غزوه) مدينتي ساردس وأفسس من الحكم الفارسي في العام نفسه قبل الانتقال إلى مدن أخرى في آسيا الصغرى. وفي أفسس، عرض إعادة بناء معبد أرتميس، الذي دُمّر بفعل حريق متعمد في ليلة ولادته، لكن المدينة رفضت عرضه. وفي عام 333 ق.م، هزم الإسكندر وقواته الجيش الأكبر للملك داريوس الثالث (حكم 336-330 ق.م) في معركة "إيسوس". ومضى الإسكندر لينهب مدينتي بعلبك وصيدا الفينيقيتين (اللتين استسلمتا) في عام 332 ق.م، ثم ضرب حصاراً على مدينة صور الجزيرية.

كان عازماً على فتح مدينة صور القديمة لدرجة أنه أنشأ جسراً بحرياً (سداً) من اليابسة إلى الجزيرة لينصب عليه آلات الحصار. هذا الجسر، مع مرور الوقت، تراكمت عليه الرواسب والأتربة، وهو السبب في أن صور أصبحت جزءاً من اليابسة في لبنان اليوم. وبسبب مقاومتهم العنيدة، ذُبح سكان المدينة وبيع الناجون في سوق النخاسة. ويستشهد المؤرخون القدامى والمعاصرون بسياسته تجاه مواطني صور كمثال صارخ على قسوته.

وفي عام 331 ق.م، غزا مصر حيث أسس مدينة الإسكندرية. وفي وحي سيوة، بتلك الواحة المصرية التي تحمل الاسم نفسه، أُعلن ابناً للإله زيوس-آمون.

Alexander the Great, Bronze Head
إلكسندر العظيم، رأس برونزي Mark Cartwright (CC BY-NC-SA)

ورغم غزو مصر، لم يكن الإسكندر مهتماً بفرض أفكاره الخاصة حول الحقيقة أو الدين أو السلوك على الناس طالما ظلوا يمدون جيشه بالمؤن والعتاد (وهو جانب مهم من قدرته على حكم مناطق شاسعة، أهمله خلفاؤه لاحقاً). ومع ذلك، هذا لا يعني أنه لم يقمع الانتفاضات بقسوة أو يتردد في إبادة من عارضه بضراوة. وبعد وضع مخطط مدينة الإسكندرية، غادر مصر متجهاً إلى سوريا وشمال بلاد الرافدين لمواصلة حملاته ضد فارس.

الحملات الفارسية

في عام 331 ق.م، التقى الإسكندر بالملك داريوس الثالث مجدداً في ساحة معركة "غوغميلا" (وتُسمى أيضاً معركة أربيل)، حيث واجه مرة أخرى أعداداً هائلة، وهزم داريوس الثالث هزيمة نكراء فرّ على إثرها من الميدان. ثم مضى الإسكندر ليفتح بابل وسوسة اللتين استسلمتا دون قيد أو شرط أو مقاومة. وفي شتاء 330 ق.م، زحف الإسكندر نحو "برسبوليس"، وواجه مقاومة في معركة "البوابات الفارسية" التي دافع عنها البطل أريوبارزين (386-330 ق.م) وأخته يوتاي أريوبارزان (توفيت 330 ق.م) على رأس القوات الفارسية. هزم الإسكندر هذه القوة واستولى على برسبوليس، التي أحرقها لاحقاً.

وفقاً للمؤرخ القديم ديودورس الصقلي (ومصادر قديمة أخرى)، فقد أشعل النار التي دمرت القصر الرئيسي ومعظم المدينة انتقاماً لإحراق "الأكروبوليس" أثناء الغزو الفارسي لليونان بقيادة خشايارشا عام 480 ق.م. وقيل إن هذا الفعل حرضت عليه، خلال حفلة صاخبة، "تايس" الأثينية عشيقة القائد بطليموس، زاعمة أنه سيكون انتقاماً مناسباً أن تُحرق المدينة "بأيدي النساء"، ويُقال إنها ألقت شعلتها مباشرة بعد أن ألقى الإسكندر شعلته الأولى.

وفي صيف عام 330 ق.م، اغتيل داريوس الثالث على يد قائده وابن عمه "بيسوس"، وهو فعل قيل إن الإسكندر استنكره بشدة. عوملت جثة داريوس الثالث بأقصى درجات الاحترام، كما عومل أفراد عائلته الناجون بالمثل. أعلن الإسكندر نفسه ملكاً لآسيا وواصل غزوه، زاحفاً نحو منطقة أفغانستان الحالية. وفي عام 329 ق.م، أسس مدينة الإسكندرية القصوى على نهر ياكسارتس، ودمر مدينة سايروبوليس، وهزم السكثيين عند الحدود الشمالية للإمبراطورية. وبين خريف 330 ق.م وربيع 327 ق.م، شن حملات ضد باكتريا وسوغديانا، وهي معارك شاقة انتصر فيها كما فعل في كل اشتباك خاضه حتى ذلك الحين. أُلقي القبض على بيسوس وأُعدم لخيانته لملكه السابق، لإيصال رسالة مفادها أن الغدر من هذا النوع لن يُكافأ أبداً.

أسس الإسكندر العديد من المدن التي تحمل اسمه خلال هذه الفترة لتعزيز صورته العامة ليس فقط كـ "محرر" بل كإله، واتخذ لقب "شاهنشاه" (ملك الملوك) الذي كان يستخدمه حكام الإمبراطورية الفارسية الأولى. وتماشياً مع هذه المكانة، أدخل الإسكندر ممارسة "بروسكينيسيس" (السجود) الفارسية إلى الجيش، مجبراً من يخاطبه على الركوع أولاً وتقبيل يده.

بدأ الجنود المقدونيون يشعرون بعدم الارتياح المتزايد تجاه "تأليه" الإسكندر الواضح وتبنيه للعادات الفارسية. حيكت مؤامرات لاغتياله (لاسيما في عام 327 ق.م) لكنها كُشفت وأُعدم المتآمرون، حتى لو كانوا أصدقاء قدامى. وأصبح كاليستنيس واحداً منهم عندما تورط في إحدى المؤامرات. أما كليتوس، السياسي المخضرم الذي أنقذ حياة الإسكندر في معركة غرانيكوس، فقد جلب الهلاك لنفسه بطريقة مماثلة. ففي حوالي عام 327 ق.م، تخلص الإسكندر من كاليستنيس وكليتوس، في حادثتين منفصلتين، بتهمة الخيانة والتشكيك في سلطته على التوالي.

كانت عادة الإسكندر في الإفراط في الشرب معروفة جيداً، ومما لا شك فيه أنها أثرت بشكل كبير في جريمة مقتل كليتوس. فقد أصبح كل من كليتوس وكاليستنيس صريحين للغاية في انتقادهما لتبني الإسكندر للعادات الفارسية. ورغم قدرته على الدبلوماسية والبراعة في التعامل مع الشعوب المفتوحة وحكامها، لم يُعرف عن الإسكندر تسامحه مع الآراء الشخصية التي تتعارض مع رأيه، وقد تفاقم هذا التعصب بسبب الشرب. كان موت كليتوس سريعاً برمحه ألقاه الإسكندر عليه، بينما سُجن كاليستنيس وتوفي في محبسه.

Map of Alexander the Great's Conquests
خريطة فتوحات الإسكندر الأكبر US Military Academy (Public Domain)

الهند والتمرد

في عام 327 ق.م، وبعد أن أصبحت الإمبراطورية الفارسية تحت سيطرته وبات متزوجاً حديثاً من النبيلة الباكتيرية "روكسانا" (340-310 ق.م تقريباً)، وجه الإسكندر انتباهه إلى الهند. ولما سمع الملك الهندي "أومفيس" ملك تاكسيلا ببطولات القائد المقدوني العظيم، خضع لسلطته دون قتال، لكن قبائل "أسباسيو" و"أساكينوي" قاومت بشدة. وفي معارك طوال عام 327 ق.م وحتى 326 ق.م، أخضع الإسكندر هذه القبائل، ليلتقي أخيراً بالملك "بوروس" ملك باورا في معركة نهر هيداسبس عام 326 ق.م.

هاجم بوروس قوات الإسكندر بالفيلة وقاتل بشجاعة فائقة مع جنوده، لدرجة أن الإسكندر، بعد هزيمته لبوروس، ثبته حاكماً على منطقة أكبر مما كان يمتلكه سابقاً. قُتل حصان الإسكندر "بوسيفالوس" في هذه المعركة، وأطلق الإسكندر اسم "بوسيفالا" على إحدى المدينتين اللتين أسسهما بعد المعركة تخليداً له.

نوى الإسكندر الزحف وعبور نهر الغانج نحو فتوحات أبعد، لكن قواته التي أنهكتها المعركة الضارية مع بوروس (والتي فقد فيها الإسكندر 1000 رجل وفقاً لأريان)، تمردت في عام 326 ق.م ورفضت المضي قدماً. حاول الإسكندر إقناع رجاله بالاستمرار لكنه فشل في كسب ودهم، فنزل أخيراً عند رغبتهم. قسّم جيشه إلى نصفين، أرسل نصفاً إلى سوسة بحراً تحت قيادة الأدميرال "نيارخوس" عبر الخليج العربي، وزحف بالنصف الآخر عبر صحراء "جيدروسيا" في عام 325 ق.م، بعد عام كامل تقريباً من تمرد قواته.

لا يزال السبب وراء قراره هذا، سواء التأخر في الانسحاب بعد التمرد أو المسلك الذي اتخذه، غامضاً ومحل نقاش بين المؤرخين. ورغم أنه تخلى عن غزو الهند، إلا أنه توقف في مسيرته لإخضاع القبائل المعادية التي واجهها في الطريق. وقد ألحقت التضاريس القاسية للصحراء والاشتباكات العسكرية خسائر فادحة بقواته، وبحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى سوسة عام 324 ق.م، كان الإسكندر قد تكبد خسائر بشرية جسيمة.

عند عودته، وجد أن العديد من المرازبة الذين ائتمنهم على الحكم قد أساؤوا استخدام سلطتهم، فأعدمهم وأعدم أيضاً من خربوا ضريح كورش الكبير (حكم 550-530 ق.م تقريباً) في العاصمة القديمة "باسارغاد". وأمر بترميم العاصمة القديمة والضريح واتخذ تدابير أخرى لدمج جيشه مع شعب المنطقة ودمج ثقافتي فارس ومقدونيا.

أقام الإسكندر حفل زواج جماعي في سوسة عام 324 ق.م، زوّج فيه كبار موظفيه من أميرات ونبيلات فارسيات، بينما تزوج هو نفسه من ابنة داريوس الثالث ليوحد نفسه أكثر بالملكية الفارسية. اعترض العديد من جنوده على هذا الاندماج الثقافي وانتقدوا بشكل متزايد تبنيه للزي والمظهر الفارسي الذي أثر فيه منذ عام 329 ق.م. كما اعترضوا على ترقية الفرس على حساب المقدونيين في الجيش وعلى أمر الإسكندر بدمج الوحدات الفارسية والمقدونية. ورد الإسكندر بتعيين الفرس في مناصب بارزة في الجيش ومنح ألقاباً وأوسمة مقدونية تقليدية للوحدات الفارسية.

تراجع جنوده وخضعوا لرغبات الإسكندر، وفي بادرة حسن نية، أعاد الألقاب للمقدونيين وأمر بإقامة وليمة عامة كبرى تناول فيها الطعام والشراب مع الجيش. وكان قد تخلى بالفعل عن عادة "بروسكينيسيس" مراعاة لرجاله، لكنه استمر في التصرف كملك فارسي لا مقدوني.

في ذلك الوقت تقريباً، عام 324 ق.م، توفي صديق عمره، وربما عشيقه، والرجل الثاني في قيادته، هيفايستيون، بسبب الحمى، وإن كانت بعض التقارير تشير إلى احتمال تسميمه. الادعاء بأن الإسكندر كان مثلياً أو ثنائي الجنس تدعمه السير الذاتية المكتوبة بعد وفاته، ويُذكر هيفايستيون بانتظام كعشيقه وصديقه المقرب. وتتفق روايات المؤرخين عن رد فعل الإسكندر تجاه هذا الحدث عالمياً على أن حزنه كان لا يطاق.

يزعم بلوتارخ أن الإسكندر ذبح الكوسيين في بلدة مجاورة كقربان لصديقه، ويكتب أريان أنه أعدم طبيب هيفايستيون لفشله في علاجه. وقُصت أعراف الخيول وذيولها كعلامة على الحداد، ورفض الإسكندر ترقية أي شخص آخر لمنصب هيفايستيون كقائد للفرسان. وامتنع عن الطعام والشراب وأعلن فترة حداد في جميع أنحاء إمبراطورية وطقوس جنائزية كانت تُخصص عادة للملوك.

وفاة الإسكندر

بينما كان لا يزال يعالج حزنه على وفاة هيفايستيون، عاد الإسكندر إلى بابل في عام 323 ق.م بخطط لتوسيع إمبراطوريته، لكنه لم يحققها أبداً. توفي في بابل عن عمر يناهز 32 عاماً في 10 أو 11 يونيو 323 ق.م بعد معاناة استمرت عشرة أيام مع حمى شديدة. تراوحت النظريات المتعلقة بآلية وفاته من التسمم إلى الملاريا إلى التهاب السحايا إلى العدوى البكتيرية الناتجة عن شرب مياه ملوثة (من بين أسباب أخرى).

يقول بلوتارخ إنه قبل 14 يوماً من وفاته، استضاف الإسكندر أميراله "نيارخوس" وصديقه "ميديوس اللاريسي" في جلسة شرب طويلة، سقط بعدها في حمى لم يتعافَ منها أبداً. وعندما سُئل من يجب أن يخلفه، قال الإسكندر: "للأقوى"، وهي الإجابة التي أدت إلى تقسيم إمبراطوريته بين أربعة من قادته: كاساندر، وبطليموس، وأنتيغونوس، وسلوقس (المعروفين باسم الديادوخي أو الخلفاء).

Alexander Sarcophagus (detail)
تابوت الإسكندر (تفصيل) Carole Raddato (CC BY-SA)

ومع ذلك، يزعم بلوتارخ وأريان أنه سلم الحكم لبيرديكاس، صديق هيفايستيون الذي حمل معه جثمان صديقهما إلى جنازته في بابل. كان بيرديكاس أيضاً صديق الإسكندر وحارسه الشخصي وزميله في سلاح الفرسان، ومن المنطقي، بالنظر إلى عادة الإسكندر في مكافأة المقربين منه بالهبات، أن يختار بيرديكاس دون غيره. وأياً كان الأمر، فبعد وفاة الإسكندر، تجاهل القادة رغباته واغتيل بيرديكاس عام 321 ق.م.

الديادوخي

أمر رفيقه القديم، كاساندر، بإعدام زوجة الإسكندر روكسانا وابن الإسكندر منها ووالدته أوليمبياس لتعزيز سلطته كملك جديد لمقدونيا (وهو لقب فقده لاحقاً لصالح أنتيغونوس الأول وورثته). ويُقال إن بطليموس الأول سرق جثمان الإسكندر بينما كان في طريقه إلى مقدونيا ونقله سراً إلى مصر على أمل تحقيق النبوءة القائلة بأن الأرض التي يُدفن فيها ستكون مزدهرة ولا تُقهر. وأسس الأسرة البطلمية في مصر التي استمرت حتى عام 30 ق.م، وانتهت بوفاة حفيدته كليوباترا السابعة (69-30 ق.م).

أما سلوقس فقد أسس الإمبراطورية السلوقية (312-63 ق.م)، التي ضمت بلاد الرافدين والأناضول وأجزاء من الهند، وكان آخر الباقين من "الديادوخي" بعد 40 عاماً من الحروب المتواصلة بينهم وبين ورثتهم. وعُرف باسم سلوقس الأول نيكاتور (المنتصر، حكم 305-281 ق.م). لم يمتلك أي من قادة الإسكندر ذكاءه الفطري أو بصيرته أو عبقريته العسكرية، ومع ذلك، أسسوا سلالات حكمت أقاليمها، مع بعض الاستثناءات، حتى مجيء روما.

لقد خلق نفوذهم في المناطق التي سيطروا عليها ما يسميه المؤرخون "العصر الهلنستي"، حيث تشابك الفكر والثقافة اليونانية مع ثقافة السكان الأصليين. ووفقاً لديودورس الصقلي، كان أحد شروط وصية الإسكندر هو إنشاء إمبراطورية موحدة بين الأعداء السابقين؛ إذ كان سيتم تشجيع شعوب الشرق الأدنى على التزاوج مع شعوب أوروبا والعكس صحيح؛ وبذلك، سيعتنق الجميع ثقافة هلنستية جديدة. ورغم فشل "الديادوخي" في تحقيق رغباته سلمياً، إلا أنهم من خلال "هلننة" إمبراطورياتهم ساهموا في تحقيق حلم الإسكندر بالوحدة الثقافية؛ حتى وإن لم تتحقق تلك الوحدة بشكل كامل أبداً.

نبذة عن المترجم

نبذة عن الكاتب

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Mark, J. J. (2026, August 11). الإسكندر الأكبر. (K. Ashinawy, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-265/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Mark, Joshua J.. "الإسكندر الأكبر." تمت ترجمته من قبل Khadija Ashinawy. World History Encyclopedia, August 11, 2026. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-265/.

التوثيق بنمط MLA

Mark, Joshua J.. "الإسكندر الأكبر." تمت ترجمته من قبل Khadija Ashinawy. World History Encyclopedia, 11 Aug 2026, https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-265/.

إزالة الإعلانات