المثل العليا للمسيحية في العصور القديمة

Rebecca Denova
بقلم ، ترجمة Mahmoud Ismael
نُشر في
Translations 4
bookmark_addbookmark_addedحفظ المقال printطباعة picture_as_pdfPDF

إن المثل العليا للمسيحية هي رؤية تاريخية وسياسية يتحد فيها المجتمع والحكومة في إطار العقيدة المسيحية. تنقسم السلطة على الأرض وفقًا لهذه الرؤية، بين الكنيسة — عن طريق رجال الدين — والحكام العلمانيين، وكانت الكنيسة تشرف على الاحتياجات الروحية، في حين كان الحكام العلمانيون يفرضون آراءهم ويحمون الكنيسة، وكان يُفهم أن كلا الطرفين ينفذان وصايا إله إسرائيل.

Sermon on the Mount Fresco
فسيفساء موعظة الجبل Franz Xaver Kirchebner (Public Domain)

اليهودية وسفر اللاويين

لم يكن الدين كيانًا مستقلًا في العالم القديم؛ ففي العديد من الثقافات، شغل الملك منصب كبير الكهنة في الوقت نفسه، لكن في معظم الأحيان، كانت المهام تُفوض إلى الكهنة، الذين تميز كل منهم بمهام فردية، وكانت جميع المعابد القديمة، باعتبارها المقر الأرضي للآلهة، تُعتبر أماكن مقدسة وتخضع لقواعد الطهارة. مثّلت هذه الحالة نمطًا من الوجود يقوم على التمييز بين المقدس والسلوك الدنيوي.

سفر اللاويين هو الكتاب الثالث في الكتاب المقدس، وهو الذي يُفسر بالتفصيل شريعة موسى، التي نزلها الله وحيًا على جبل سيناء. يُعرف هذا الكتاب بـ«دليل الكهنة»، الذي حدد قواعد الطهارة الخاصة بالهيكل في القدس باعتباره مكانًا مقدسًا، وعرض وجهات نظر اللاويين، وهم نسل سبط موسى وهارون بعد هروبهم من مصر. كان اللاويون هم الكهنة المسؤولون عن الهيكل في القدس، الذي ضم الطائفتين اليهوديتين الصدوقيين والفريسيين.

رُوِّجَ لتعاليم يسوع الناصري باعتبارها التفسير الصحيح لليهودية وشرائع سفر اللاويين عن طريق قصص الأناجيل.

يورد سفر اللاويين نوعين من الطهارة: الطهارة الطقسية والطهارة/النجاسة الأخلاقية، وشمل أيضًا علامات الهُوِيَّة العرقية لليهودية المتمثلة في الختان، وقوانينهم الغذائية الخاصة التي اختلفت عن الطوائف المحلية، وعدم العمل يوم السبت، علاوة على ذلك كان لليهود قوانينهم الخاصة بشأن زنا المحارم، التي شملت الأعمام وأخوة الزوج وأخوات الزوج وأقارب الزوج، ولم تنطبق الطهارة الطقسية إلا على اليهود، أما الطهارة الأخلاقية فقد انطبقت على كل من اليهود وغير اليهود (الوثنيين) في سلوكهم وأسلوب حياتهم. كان الجميع آنذاك كما الآن، ينتقدون أنماط حياة الثقافات الأخرى.

فُسرَت قوانين سفر اللاويين في التقليد المسيحي، على أنها فصل تام بين اليهود وغير اليهود، وهذا خطأ واضح. كان مجمع الهيكل يحتوي على مناطق «مقدسة»، بدءًا من الساحات الداخلية المخصصة للكهنة فقط، ثم الرجال، ثم النساء، تليها «ساحة غير اليهود» الخارجية، وكان يُسمح لغير اليهود بتقديم الذبائح لإله إسرائيل، وقد فعلوا ذلك فعلًا.

كانت العبادة في العالم القديم تعني تقديم القرابين، وقد ألغى الرسول بولس تقديم القرابين في مجتمعاته، ولا نعرف سوى القليل جدًّا عن العبادة في تلك المجتمعات المبكرة. كان الانحناء أمام تماثيل الآلهة ممارسة معتادة فعلًا في الوثنية، وكلّما نعرفه هو أن المسيحيين كانوا يغنون ترانيم للمسيح، وأن المبشرين المسيحيين كانوا يطردون الشياطين ويعالجون الأسقام باسم المسيح.

الأناجيل المسيحية

رُوِّجَ لتعاليم يسوع الناصري باعتبارها التفسير الصحيح لليهودية وشرائع سفر اللاويين عن طريق قصص الأناجيل. تدعي التقاليد المسيحية أن يسوع كان معارضًا للآراء الدينية والأعراف الاجتماعية السائدة في كل من اليهودية والإمبراطورية الرومانية، وفي إنجيلَي متى ولوقا على وجه الخصوص، يظهر الصدوقيون والفريسيون كقوة معارضة لتعاليم يسوع، وفي خطاب تلو الآخر، يحث يسوع أتباعه على «ألا يفعلوا الأشياء» بالطريقة التي يفعلها الآخرون، ومن الغريب أن يسوع في الأناجيل لم يتطرق كثيرًا إلى غير اليهود.

كُتبت الأناجيل الأربعة: مرقس، ومتى، ولوقا، ويوحنا، بين عامي 70 و100 م. ولا توجد لدينا أي كتابات مسيحية معاصرة تعود إلى مدّة خدمة يسوع (26-36 م). لم يكتب يسوع ولا تلاميذه أي شيء، بل قام الكتّاب بتأليف الخطب في ضوء ما كان معروفًا عن الشخصية، وكذلك السياق التاريخي.

St. Matthew from the Ebbo Gospels
القديس متى - رسم من مخطوطة أناجيل إيبو Codrinb (Public Domain)

أدت الثورة اليهودية الكبرى عام 66 م ضد الإمبراطورية الرومانية إلى تدمير الهيكل في القدس، وكان تبرير مرقس أمام روما (تفسيره) محاولة لإقناعها بأن يهوده، أتباع يسوع، لم يكونوا متمردين. كان على المسيحيين أن يعيشوا في الإمبراطورية الرومانية، وفي قصة محاكمة وصلب يسوع الناصري، كان لابد من تفسير الصلب، وهو عقوبة للخيانة. قال مرقس إن بيلاطس البنطي أُجبر على ذلك بسبب اليهود. لكن في الواقع، لم يكن أي قاضٍ روماني ليسمح للسكان المحليين بإملاء أي إجراءات في حكمهم.

اليهود والأمم (غير اليهود)

أرسى إنجيل مرقس نمطًا مفاده أن الفريسيين كانوا يعارضون كلّما كان يسوع يبشر به ويفعله، وذلك عن طريق سلسلة من «الحوارات الصراعية»؛ ففي الهيكل، كان أحد الفريسيين (أو أحيانًا أحد الشيوخ أو الكتبة) يتحدى يسوع، ما سيما عندما كان يشفي أحدًا في يوم السبت، وكان رد يسوع هو تلاوة تعاليم من الكتب المقدسة اليهودية، يشير فيها إلى أنه إذا سقط خروف أو حيوان لأحد في حفرة يوم السبت، فسوف يخرجونه منها، وجادل بأن الإنسان أثمن بكثير من الحيوان. يلخص يسوع ذلك بالقول إن السبت خُلق للإنسان، وليس الإنسان للسبت، بمعنى أن اليوم خُلق كبركة لمساعدة الناس، وليس ليصبح عبئًا صارمًا. لم يُحدد في التوراة، التوقف عن فعل أنواعًا معينة من العمل في يوم السبت، لكن الفريسيين روجوا فعلًا لمفهوم إنقاذ حياة الإنسان في يوم السبت بحلول القرن الأول الميلادي.

تحدى الفريسيون في مرقس 18:7-19، يسوع بشكواهم من أن تلاميذه لا يغسلون أيديهم قبل الأكل. يشرح لهم يسوع أن الطعام الذي يدخل جسد الإنسان لا ينجسه لأنه يدخل المعدة ويُطرد منها، ولا يدخل القلب. ووفقًا لمرقس، أعلن يسوع بهذا أن جميع الأطعمة طاهرة، رافضًا بذلك قوانين الطعام الواردة في سفر اللاويين، والمغزى هو أن النجاسة الروحية تنبع من الشر الداخلي للإنسان (القلب) وليس من العناصر المادية الخارجية مثل الطعام.

Christ and the Pharisees, from Das Plenarium
المسيح والفريسيين من كتاب الصلوات الكامل Hans Schäufelein (Copyright)

تعد قصة بطرس وكُرينيليوس من القصص البارزة في سفر أعمال الرسل، وهي تروي كيف انتشرت تعاليم يسوع بين الأمم (أعمال الرسل 10). كان كُرينيليوس قائد مئة في الجيوش الرومانية، وكان يؤمن بإله إسرائيل، ورأى بطرس وكُرينيليوس رؤيا متزامنة تفيد بضرورة لقاء الاثنين. شاهد بطرس في رؤياه، ملاءة نزلت من السماء تحتوي على جميع الحيوانات والطيور الطاهرة والنجسة المذكورة في سفر اللاويين، ثم أمره صوت بأن يأكل. يُفسَّر هذا المقطع أيضًا على أنه قلب لقوانين الطعام اليهودية رأسًا على عقب.

عمد بطرس أهل بيت كُرينيليوس، قائلًا: «بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ.» (أعمال الرسل 34:10-35). كان هذا أساسًا لقبول الأمم في الجماعة، حيث تتحقق بذلك نبوءات الأنبياء بأن الأمم المؤمنة ستُشمل عندما يقيم الله ملكوته على الأرض. كان إعلان طهارة جميع الأطعمة تشبيهًا آخر على أن الاختلافات في الطعام وغيرها من الاختلافات العرقية لن تفصل الأمم عن اليهود في ملكوت الله الوشيك.

بولس الرسول

تعود رسائل بولس إلى المدّة ما بين 52 و64 م، أي قبل تدمير الرومان للهيكل. كان بولس فريسيًّا، اعترف على نفسه بأنه كان يضطهد أتباع المسيح، لكنه لم يذكر أبدًا أي تفاصيل عن ذلك، ثم رأى رؤيا للمسيح الذي أخبره أنه سيكون «رسول الأمم»، فاقتنع بولس بأن هذه هي مشيئة الله.

Apostle Paul
بولس الرسول Rembrandt (Public Domain)

«نَحْنُ بِالطَّبِيعَةِ يَهُودٌ وَلَسْنَا مِنَ الأُمَمِ خُطَاةً، إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (غلاطية 15:2-16). يُنسب غالبًا إلى بولس الفضل في إدخال مفهوم جديد، وهو «الإيمان»، الذي كان غائبًا عن كل من اليهودية والديانات المحلية، وبالطبع كانت جميع الثقافات القديمة تؤمن بمفاهيمها الخاصة، لكنها عبرت عنها بطرق مختلفة. غالبًا ما وُصِف الدين الروماني بأنه عقد؛ حيث تُقدَّم الذبائح للحصول على منافع للشخص. كان يُنظر إلى الدين الروماني واليهودية في التقليد المسيحي، على أنهما قانونيان، ويفتقران إلى التنوير الروحي؛ فاليهود والوثنيون لديهم شعائر، أما المسيحيون فلديهم الإيمان. إن «أعمال الناموس» بالنسبة لبولس، هي فقط تلك العناصر الجسدية والاجتماعية التي كانت تفرق بين مجتمعاته، مثل الختان، وكما كان بولس يبشر لم يكن للختان أي تأثير على معتقدات الشخص.

ظل بولس يهودياً، لكن بفهم جديد للعلاقات الإنسانية مع الله.

ابتكر بولس مفهوم «الخلاص» للمؤمنين في رسالة رومية 5، ووفقًا لهذا المفهوم، أخطأ آدم، الإنسان الأول، لعِصْيَانه الله وعوقب بفقدان الخلود. جلب المسيح الحياة من خلال تضحيته بالموت وقيامته اللاحقة بعد الموت، ومن خلال الإيمان المسيحي سيُبعث جميع المؤمنين وينتقلون إلى السماء في الآخرة.

أعتبر بولس لقرون عدّة، المؤسس الحقيقي للمسيحية، وهو الذي ألغى جميع مفاهيم شريعة موسى ومفاهيم اليهودية، لكن في العقود القليلة الماضية صححت تحليلات جديدة لشخصية بولس هذا المفهوم. ففي رسائله، كان دائمًا يؤكد على قدسية الهيكل في القدس، والإجماع هو أن بولس ظل يهوديًا، ولكن بفهم جديد للعلاقات الإنسانية بالله.

يسوع ومشاركة الطعام (المائدة المشتركة)

تُعدّ وجبات الطعام في كل من إنجيل متى ولوقا، مناسبات يفسر فيها يسوع جوانب من سفر اللاويين:

"وَبَيْنَمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْبَيْتِ، إِذَا عَشَّارُونَ وَخُطَاةٌ كَثِيرُونَ قَدْ جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ الْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: «لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟ فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ». (متى 10:9-13)

لا تزل هُوِيَّة هؤلاء العشارين موضع جدل فيمَا يتعلق بأصلهم العرقي، ولم يُنسب تأليف الأناجيل إلى مؤلفين محددين إلا في القرن الثاني الميلادي، وكان يُفهم أن «متى» هو عشار يهودي تبع يسوع، ومن هم «الْخُطَاةِ»؟ في الأناجيل، لم يُحَدَّدُ هُوِيَّة «الخطاة» بشكل دقيق.

دعا فريسي في إنجيل لوقا، يُدعى سمعان يسوع لتناول الطعام في بيته. (لوقا 36:7–50): دخلت امرأة محلية وُصفت بأنها «خاطئة» (غالبًا ما تُفسَّر على أنها عاهرة)، فبكت تحت قدمي يسوع، ومسحتهما بشعرها، وقبلتهما، وسكبت عليهما عطرًا باهظ الثمن. صُدم الفريسي، لكن يسوع وبخ سمعان بصفته فريسيًّا، لتركيزه على النظافة الخارجية وعدم تركيزه على العدالة الداخلية ومحبة الله، لكن النقطة المهمة هنا هي أنه سُمح لعاهرة بالدخول إلى البيت، وبصفتها من الأمم ووثنية، لم يكن بوجودها «عدوى» لتنقلها.

Christ and Sinner
المسيح والمرأة الزانية Henryk Siemiradzki (Public Domain)

ينص سفر اللاويين 20:20 على أنه يجب إعدام كل من الزاني والزانية. أحضر الفريسيون في يوحنا 1:8-11، امرأة أمام الجموع لإيقاع يسوع في فخ، وسألوا عما إذا كان ينبغي رجمها، فأجاب يسوع: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!»، مما دفع متهميها إلى الانصراف واحدًا تلو الآخر. لم يُذكر اسم المرأة في هذه الفقرة؛ ولم يُزعم أنها مريم المجدلية إلا في القرن السادس الميلادي.

الأمثال

كانت الأمثال قصصًا قصيرة وبسيطة تستعين بالحياة اليومية لتوضيح حقائق روحية أو أخلاقية عميقة. لم يبتكر يسوع الأمثال؛ حيث استخدمت الحضارات القديمة هذه الوسيلة لتقديم تفسيرات رمزية للأحداث المعاصرة. ركزت أمثال متى على «ملكوت الله» الوشيك، موضحةً من سيدخل إليه ومن لن يدخله عندما يقيم الله ملكوته على الأرض.

ولعل إحدى أشهر أمثال لوقا هي مثل الابن الضال، حيث كان لرجل ابنان. ساعد الابن الأكبر والده، أما الابن الثاني فطلب نصيبه من الميراث وغادر المنزل متوجهًا إلى أرض بعيدة، وهناك بدد ثروته، وعندما أنفق كل ما لديه حلّت مجاعة شديدة في تلك المنطقة، فبدأ يعاني من العوز. عاد إلى البيت وطلب فقط أن يُعامل كخادم، لكن والده أقام له وليمة عظيمة. غضب الأخ الأكبر، لكن الأبُ قال له إنه يجب أن يحتفلوا لأن أخاه كان ميتًا فعاد إلى الحياة، وهناك الرمز الذي يقول إن الأبُ هو الله، والابن الأصغر هو من يظهر التوبة.

موعظة الجبل

يوجد المقطع الرئيس الذي يلخص عَلاقة يسوع بشريعة موسى في «موعظة الجبل» التي وردت في إنجيل متى. يُقدِّم متى يسوع باعتباره موسى الجديد؛ حيث تُعرض العناصر التعليمية الرئيسة على جبل، في إشارة إلى جبل سيناء. يتناول يسوع في إنجيل متى عناصر من الكتب المقدسة، مثل: الغضب والزنا والانتقام، وما إلى ذلك، ولعل أحد أشهر عناصر هذه العظة هو «قانون القِصَاص»، أي قانون الانتقام، ومع ذلك فإن مبدأ «العين بالعين والسن بالسن» لم يكن عنصرًا حرفيًا في شريعة موسى. تحتوي التوراة على قوانين قديمة للتعويض عن الضرر المتصور الذي يلحق بممتلكات الشخص أو بسمعته، وكان مقدار التعويض يُصنف بحيث يظهر قيمة الضرر. يرتبط هذا القول بالسياق التاريخي للقرن الأول؛ فقد كانت الدعاوى القضائية متفشية في تلك الثقافة وبالمثل، فإن تقديم الخد الآخر لا يعني أن على المسيحيين أن يقفوا مكتوفي الأيدي ويتقبلوا الإهانة؛ بل كان ذلك نصحًا بعدم السعي للحصول على تعويض في المحاكم وترك التعويض لله.

Sermon on the Mount
موعظة الجبل Carl Bloch (Public Domain)

لم تُدوَّن العظة في ذلك الوقت، ولكن يبدو أن بعض هذه الأفكار سبقت الأناجيل. كُتِبت رسائل بولس بين منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر وعام 1962. وبصفته فريسيًا، كان بولس على دراية بقواعد التعويض. في رسالته إلى أهل كورنثوس، وبّخ المؤمنين على لجوئهم إلى المحاكم العامة بدلًا من حلّ قضاياهم داخل المجتمع. كما انتقدهم بشدة على اللجوء إلى القضاء أصلًا. فبالنسبة لبولس أيضًا، سيكون الله هو الحكم النهائي.

تدعي التقاليد المسيحية أن «موعظة الجبل» حلت محل «شريعة موسى» في ضوء الحركة الجديدة، لكن يسوع نفسه ينفي ذلك في المقطع التالي: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ» (متى 17:5). تظل شريعة موسى (بإعادة تفسيرها) سارية حتى قيام ملكوت الله الوشيك على الأرض، وبدلًا من تغيير شريعة موسى، شدد متى على القوانين؛ ليس فقط في شعائرهم وسلوكهم، بل في أفكارهم أيضًا.

أكد بولس مرارًا وتكرارًا أنه عندما يقيم الله الملكوت قريبًا، «لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.» (غلاطية 28:3)، بعبارة أخرى، ستُزال الاختلافات العرقية التقليدية، والطبقات الاجتماعية، والاختلافات بين الجنسين، وكل ما كان يفرق البشرية.

الملكية على الأرض

ارتبط الملوك القدماء دائمًا بالألوهية. ففي العديد من الثقافات، كان يُنظر إلى الملك على أنه سليل إله تزاوج مع امرأة بشرية. مُجِّدَ الملوك في اليهودية، عن طريق قصص داود وابنه سليمان، وعُرف ذلك بـ«عهد داود»، وهو الوعد بأن يظل سليل داود دائمًا على عرش إسرائيل.

ألغت الجمهورية الرومانية نظام الملوك، واستبدلتهم بالقضاة ومجلس الشيوخ الروماني (السناتو)، وأنشأ أول إمبراطور روماني، أوغسطس (حكم من عام 27 ق.م إلى عام 14 م)، «عبادة الأباطرة»، بدءًا بتأليه يوليوس قيصر المقتول، الذي أصبح من الممكن الآن عبادته كإله، وأُلِّهَ الأباطرة اللاحقين بعد وفاتهم.

Constantine's Conversion
معمودية قسطنطين Peter Paul Rubens (Public Domain)

أدى اعتناق قسطنطين للمسيحية ومرسوم ميلانو إلى جعل المسيحية دينًا شرعيًا، لكن الأساقفة في ذلك الوقت كانوا غارقين في الانشقاقات، وخلال الاضطهاد الأخير في عهد الإمبراطور دقلديانوس (حكم من 284 إلى 305)، قام العديد من الأساقفة، في الواقع، بتقديم القرابين للآلهة لتجنب الإعدام. انقسمت المجتمعات حول ما إذا كان يمكن أن يُغفر لهم أم أنهم محكوم عليهم تلقائيًا بالجحيم. ناشد الأساقفة قسطنطين الأول الذي أصبح مسيحيًا (حكم من 306 إلى 337م) لإصدار حكم في هذا الشأن. كان الشاغل الرئيس لقسطنطين هو الوحدة، ولذلك تقرر أن يُغفر لجميع المسيحيين الأوائل الذين كانوا يقدمون القرابين للآلهة، وكان هذا أيضًا هو الوقت الذي أصبح فيه قسطنطين رأس الكنيسة.

نيقية وما بعدها

أدت الجدالات حول العَلاقة بين الله ويسوع بحلول عام 325م، إلى اندلاع أعمال شغب، فدعا قسطنطين إلى عقد اجتماع في مدينة نيقية، الواقعة خارج العاصمة الجديدة «القسطنطينية» التي كان يبنيها آنذاك. دعا قسطنطين الأساقفة من جميع أنحاء الإمبراطورية، وتكفل بتغطية نفقات إقامتهم ووفودهم، وهنا نشأت العقيدة المعقدة للثالوث: وحدة الثلاث أقانيم الألهية، وهي الآب والابن والروح القدس. كان الإمبراطور الذي أصبح مسيحيًا آنذاك يمثل المسيح على الأرض في الفترة الانتقالية التي تسبق عودته. صورت الأيقونات المسيحية قسطنطين والأباطرة والأساقفة الذين تلاه وهالات تحيط برؤوسهم.

Holy Trinity
الثالوث المقدس Fr Lawrence Lew, O.P. (CC BY-NC-ND)

صاغ قسطنطين «عقيدة نيقية» - أثناء وجود الوفود هناك - التي يجب على جميع المسيحيين الإيمان بها وممارستها. أصبح «العقيدة الأرثوذكسية» (المعتقدات والمفاهيم الصحيحة) و«الهرطقة»، المشتقة من وصف المدارس الفلسفية التي كانت تُدرّس مفاهيم مختلفة) تُحدَّدان الآن بالالتزام بالعقيدة. كان أي انحراف يُفسَّر على أنه عدم رغبة في ازدهار الإمبراطورية الرومانية، وهو ما يعادل الخيانة، وكانت الخيانة تُعاقب دائمًا بعقوبة بالإعدام؛ التي أصبحت تُنفذ في الساحات على الهراطقة، لكنهم حُرموا من لقب ومكانة الشهداء.

كانت هناك العشرات من الأناجيل المختلفة المتداولة بحلول القرن الرابع، وكان العديد منها غنوصيًا؛ فالغنوصية كانت طائفة مسيحية له آراء مختلفة حول طبيعة المسيح، ويُزعم أن قسطنطين أمر بنسخ 50 نسخة مما أصبح الأناجيل القانونية للعهد الجديد، وهي إنجيل مرقس ومتى ولوقا ويوحنا، التي نُسخت مرة أخرى ووُزعت في أنحاء الإمبراطورية باعتبارها الأناجيل الشرعية الوحيدة، وأصبح هذا الأساس للعهد الجديد في الأناجيل المسيحية.

كان ثيودوسيوس الأول (حكم من 379 إلى 395م) من أشد المدافعين عن العقيدة الأرثوذكسية، وهو الذي أصدر مرسوم تسالونيكي عام 380م، الذي شكّل النهاية الرسمية لجميع أشكال الوثنية. حظر ثيودوسيوس الأول جميع الشعائر والمهرجانات الوثنية، كما حظر الألعاب الأولمبية، المكرسة لزيوس والإله أبولو، ولم تُستأنف الألعاب الأولمبية إلا في عام 1896م في أثينا.

استخدم الأباطرة المسيحيون اللاحقون - بفضل اندماج الدولة والكنيسة - جيوشهم لإجبار الجميع على الانصياع للدين المسيحي، وبُرر العنف من أجل إقناع جميع الأمم بـ«الإيمان الحقيقي». أدت قرون من الحروب الدينية إلى إضفاء صفة القداسة على العديد من الحكام، وبذلك، كان يُعتقد أنهم سيكافئون بالجنة في الحياة الآخرة.

قائمة المصادر والمراجع

موسوعة التاريخ العالمي هي شركة تابعة لشركة أمازون وتحصل على عمولة على مشتريات الكتب المؤهلة.

نبذة عن المترجم

نبذة عن الكاتب

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Denova, R. (2026, November 02). المثل العليا للمسيحية في العصور القديمة. (M. Ismael, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2997/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Denova, Rebecca. "المثل العليا للمسيحية في العصور القديمة." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, November 02, 2026. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2997/.

التوثيق بنمط MLA

Denova, Rebecca. "المثل العليا للمسيحية في العصور القديمة." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, 02 Nov 2026, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2997/.

إزالة الإعلانات