عُدّ نوح أحد الآباء المؤسسين في الكتب اليهودية، أو أحد الآباء المؤسسين لما أصبح لاحقًا الديانة اليهودية. تبدأ قصته في سفر التكوين الإصحاح السادس، وتتكون من ثلاثة عناصر: شر الأرض؛ قصة الطوفان؛ وذرية نوح في قائمة أمم العالم. كان نوح ابنًا للامك، وعاش حتى بلغ من العمر 500 سنة.
شرّ العالم
"وَحَدَثَ لَمَّا ابْتَدَأَ النَّاسُ يَكْثُرُونَ عَلَى الأَرْضِ، وَوُلِدَ لَهُمْ بَنَاتٌ، أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا. فَقَالَ الرَّبُّ: «لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ، لِزَيَغَانِهِ، هُوَ بَشَرٌ. وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً». كَانَ فِي الأَرْضِ طُغَاةٌ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا إِذْ دَخَلَ بَنُو اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ أَوْلاَدًا، هَؤُلاَءِ هُمُ الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ." (تكوين 6: 1-4)
يصعب ترجمة كلمة "נפלים" العبرية، ومن جذر هذه الكلمة، غالبًا ما تُرجمت إلى "الذين يرتكبون العنف"، وجاءت في نسخة الملك جيمس بمعنى " العمالقة". كان لدى العديد من الثقافات القديمة حكايات شعبية عن العمالقة في الماضي البعيد، وادعت التقاليد اليهودية اللاحقة أن أبناء الله كانوا ملائكة، وعندما تزاوج هؤلاء الملائكة الساقطون مع النساء، علموا البشر أيضًا حرفة التعدين. أدى ذلك إلى شرين: سك النقود، وصناعة أسلحة الحرب، وفي الأدب الرؤيوي لرؤى أخنوخ، يُطلق عليهم اسم "الحراس"، وادعى هذا النص أن الله عاقبهم بأن قُيدوا في أعمق حفر شيول، وهو مفهوم يهودي مبكر للجحيم.
"وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ». وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ." (تكوين 6: 5-8)
نقرأ أن نوح كان "رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ. وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ. وَوَلَدَ نُوحٌ ثَلاَثَةَ بَنِينَ: سَامًا، وَحَامًا، وَيَافَثَ." (سفر التكوين 6: 9-10). أخبر الله نوحاً أنه سيجعل "نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ" (سفر التكوين 13:6). حُلِّلَت هذه الأية لقرون عديدة، لفهم طبيعة الله؛ فإذا كان الله كلي العلم (يعلم كل شيء)، ألم يكن يعلم أن البشر سيرتكبون الشر؟ كيف يمكن لله أن يغير رأيه بشأن خليقته؟ ومع ذلك، لم تكن هذه القصة فريدة من نوعها، حيث كان لدى ثقافات أخرى قصص عن إله، أو آلهة يعاقبون البشر على شرهم، ففي الأساطير المصرية، أرسل إله الشمس رع ابنته سخمت (الإلهة اللبؤة) لذبح البشر، ثم اضطر إلى إبطال دمارها عندما بدا أن جميع البشر سيبادون، فجعلها تسكر بالجعة التي تشبه الدم ليوقف المذبحة، وفي الأساطير اليونانية، أراد الإله زيوس أيضاً معاقبة البشر (انظر أدناه).
الْفُلْكُ
"اِصْنَعْ لِنَفْسِكَ فُلْكًا مِنْ خَشَبِ جُفْرٍ. تَجْعَلُ الْفُلْكَ مَسَاكِنَ، وَتَطْلِيهِ مِنْ دَاخِلٍ وَمِنْ خَارِجٍ بِالْقَارِ. وَهَكَذَا تَصْنَعُهُ: ثَلاَثَ مِئَةِ ذِرَاعٍ يَكُونُ طُولُ الْفُلْكِ، وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ، وَثَلاَثِينَ ذِرَاعًا ارْتِفَاعُهُ. وَتَصْنَعُ كَوًّا لِلْفُلْكِ، وَتُكَمِّلُهُ إِلَى حَدِّ ذِرَاعٍ مِنْ فَوْقُ. وَتَضَعُ بَابَ الْفُلْكِ فِي جَانِبِهِ. مَسَاكِنَ سُفْلِيَّةً وَمُتَوَسِّطَةً وَعُلْوِيَّةً تَجْعَلُهُ. فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ لأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الأَرْضِ يَمُوتُ. وَلكِنْ أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكَ، فَتَدْخُلُ الْفُلْكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَامْرَأَتُكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ. وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، اثْنَيْنِ مِنْ كُلٍّ تُدْخِلُ إِلَى الْفُلْكِ لاسْتِبْقَائِهَا مَعَكَ. تَكُونُ ذَكَرًا وَأُنْثَى. مِنَ الطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنَ الْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنْ كُلِّ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. اثْنَيْنِ مِنْ كُلٍّ تُدْخِلُ إِلَيْكَ لاسْتِبْقَائِهَا. وَأَنْتَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ وَاجْمَعْهُ عِنْدَكَ، فَيَكُونَ لَكَ وَلَهَا طَعَامًا." (تكوين 6: 14-21)
إذا كان مقياس الذراع هو الذراع الملكي (من طرف الإصبع الأطول إلى الكوع)، فإن أبعاد الْفُلْكَ ستكون 450 قدماً طولاً، و75 قدماً عرضاً، و45 قدماً ارتفاعاً، أو حوالي 135 متراً طولاً، و23 متراً عرضاً، و14 متراً ارتفاعاً. تخيل طول ملعب كرة القدم؛ كان هذا قارباً كبيراً جداً، أما الإشارة إلى "اثنين من كل الكائنات الحية" فلكي تتمكن الحيوانات، من إعادة إعمار الأرض بعد الطوفان، لهذا السبب يأخذ نوح وأسرته زوجاتهم معهم. لدينا كما هو الحال في أماكن أخرى في الكتب المقدسة، قصتان. الأولي نتيجة تحرير لاحق من مصادر مختلفة، والثانية تذكر أن نوح أخذ سبعة من الحيوانات الطاهرة، والنجسة، ويُرجح أن هذه القصة جاءت من مصدر كهنوتي لأن الكهنة كانوا يهتمون بقضايا الطهارة.
الطوفان
انفتحت السماء، وهطلت الأمطار لمدة أربعين يومًا، وليلة، في السياق غالبًا ما يشير الرَّقْم "أربعون" إلى جيل. ومع ذلك، في هذه القصة، يعني ببساطة مدة كبيرة جدًا. وجدنا قصص الطوفان في الثقافات القديمة حول العالم؛ فعندما بدأ علماء الآثار حفائرهم في الشرق الأوسط في العصر الفيكتوري، اكتشفوا ألواحًا مسمارية، ونجحوا في فك رموزها، وفوجئوا عندما وجدوا ملحمة جلجامش، وهي قصة طوفان قديمة من بلاد ما بين النهرين تقع في الهلال الخصيب بين نهري دجلة والفرات. (هذه الأنهار كانت تفيض كل عام، وكما هو الحال مع نهر النيل، تترك طميًا خصبًا للزراعة.) التفاصيل متشابهة جدًا لدرجة أن العديد من العلماء يعتقدون أن هذه القصة كانت مصدر إلهام لقصة الطوفان في سفر التكوين.
كان لدى الإغريق أسطورة ديوكاليون، ابن بروميثيوس، عندما قرر زيوس معاقبة البشر بسبب غرورهم، وقلة احترامهم، نصح بروميثيوس ابنه ببناء قارب، وملئه بالحيوانات. ومرة أخرى، مع تفاصيل مشابهة في قصة نوح، ادعى كتّاب يهود لاحقون أن هذا يثبت وجود نوح، وادعى الزرادشتيون في بلاد فارس القديمة أن إلههم الأعلى، أهورا مزدا، حذر من عاصفة شديدة تحتوي على ثلج ذائب. وفي هذه الحالة، كان يجب بناء ملجأ يضم فقط أصلح الرجال، والنساء، واثنين من كل نوع من الحيوانات، لإعادة إعمار الأرض.
أرسل نوح طيوراً للبحث عن أرض يابسة، عندما توقفت الأمطار، فعادت حمامة بغصن زيتون في فمها (والذي أصبح رمزاً شهيراً للسلام).
"وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُلِّ الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ، فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَالَ الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: «لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ، لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلَا أَعُودُ أَيْضًا أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ. مُدَّةَ كُلِّ أَيَّامِ الأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَنَهَارٌ وَلَيْلٌ، لَا تَزَالُ." (تكوين 8: 20 -22)
العهد بين الله ونوح
كانت العهود في العالم القديم أساسًا للاتفاقيات بين الآلهة والبشر، وكانت تحتوي على معايير يجب أن يتبعها البشر، للحصول على حماية الآلهة. كان إبراهيم أول من عقد عهدًا مع إله إسرائيل، وسيكون لنوح عهده الخاص، مع بعض الشروط الإضافية:
"وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ. وَلْتَكُنْ خَشْيَتُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى كُلِّ حَيَوَانَاتِ الأَرْضِ وَكُلِّ طُيُورِ السَّمَاءِ، مَعَ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، وَكُلِّ أَسْمَاكِ الْبَحْرِ. قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ. كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. غَيْرَ أَنَّ لَحْمًا بِحَيَاتِهِ، دَمِهِ، لَا تَأْكُلُوهُ. وَأَطْلُبُ أَنَا دَمَكُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَقَطْ. مِنْ يَدِ كُلِّ حَيَوَانٍ أَطْلُبُهُ. وَمِنْ يَدِ الإِنْسَانِ أَطْلُبُ نَفْسَ الإِنْسَانِ، مِنْ يَدِ الإِنْسَانِ أَخِيهِ. سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ. لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ. فَأَثْمِرُوا أَنْتُمْ وَاكْثُرُوا وَتَوَالَدُوا فِي الأَرْضِ وَتَكَاثَرُوا فِيهَا». وَكَلَّمَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ مَعَهُ قَائِلًا: وَهَا أَنَا مُقِيمٌ مِيثَاقِي مَعَكُمْ وَمَعَ نَسْلِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ،وَمَعَ كُلِّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحَيَّةِ الَّتِي مَعَكُمِ: الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَكُلِّ وُحُوشِ الأَرْضِ الَّتِي مَعَكُمْ، مِنْ جَمِيعِ الْخَارِجِينَ مِنَ الْفُلْكِ حَتَّى كُلُّ حَيَوَانِ الأَرْضِ. أُقِيمُ مِيثَاقِي مَعَكُمْ فَلَا يَنْقَرِضُ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَيْضًا بِمِيَاهِ الطُّوفَانِ. وَلَا يَكُونُ أَيْضًا طُوفَانٌ لِيُخْرِبَ الأَرْضَ." (تكوين 9: 1-8)
يصبح مهمًا هنا، فهم ليس فقط المصادر المختلفة للكتب اليهودية المقدسة، بل أيضًا عملية تحريرها. فالكتب كما نعرفها اليوم حُرِّرَتْ عدة مرات عبر القرون. شرح سفر اللاويين اللاحق، كيفية تقديم الذبائح، وقوانين الطهارة الشعائرية، وسرد وصايا إضافية، وفي هذا الوقت على الأرجح، أُدرج الحظر على "لاَ تَأْكُلُوا بِالدَّمِ" (لاويين 19:26) في قصة نوح لتعزيز مصداقيتها، باعتبارها من عند الله، فالدم، مصدر الحياة، كان يخص الله، ولذلك كان مقدسًا، وكانت المجتمعات اليهودية تملك جزارين خاصين بها يقومون بتصفية الدَّم من اللحم - وهي عملية لا تزل متبعة حتى اليوم.
تلقى نوح علامته الخاصة، كما كان لإبراهيم علامة للعهد مع شرط الختان:
"وَقَالَ اللهُ: «هَذِهِ عَلاَمَةُ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَنَا وَاضِعُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَبَيْنَ كُلِّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحَيَّةِ الَّتِي مَعَكُمْ إِلَى أَجْيَالِ الدَّهْرِ: وَضَعْتُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ فَتَكُونُ عَلاَمَةَ مِيثَاقٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الأَرْضِ. فَيَكُونُ مَتَى أَنْشُرْ سَحَابًا عَلَى الأَرْضِ، وَتَظْهَرِ الْقَوْسُ فِي السَّحَابِ،أَنِّي أَذْكُرُ مِيثَاقِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ. فَلَا تَكُونُ أَيْضًا الْمِيَاهُ طُوفَانًا لِتُهْلِكَ كُلَّ ذِي جَسَدٍ. فَمَتَى كَانَتِ الْقَوْسُ فِي السَّحَابِ، أُبْصِرُهَا لأَذْكُرَ مِيثَاقًا أَبَدِيًّا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ عَلَى الأَرْضِ." (تكوين 9: 12-16)
نوح، الكَرْم، وحام
يُنسب إلى نوح (أو يُنتقد) كونه أول من زرع الكرم، لكن ذلك ورد في قصة تحمل بعض الصعوبة:
"وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فَقَالَ: «مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ."
عُلِّقَ على هذه القصة، ونُوقِشَتْ منذ القدم، ولا تزال هناك أسئلة لم تُجب بعد. كيف أخطأ حام بالتحديد؟ وإذا كان حام أخطأ، فلماذا لُعن ابنه كنعان بدلًا منه؟ اُقْتُرِحَت عدة نظريات، وغالبًا ما تأثرت الآراء بحكم لاحق في سفر اللاويين، الذي يذكر قواعد المحارم. إحداها: "عَوْرَةَ أَبِيكَ وَعَوْرَةَ أُمِّكَ لَا تَكْشِفْ." (اللاويين 18:7)، وهي كناية عن الجماع الجنسي، لذلك عدّ كثيرون أن خطيئة حام كانت انتهاكًا لوالده وهو في حالة سكر، واقترحت تعليقات لاحقة أن الخطيئة كانت في الإهانة، حيث سخر حام من والده بعدم تغطيته كما فعل إخوته.
كانعان هو ابن حام، فبعد قصة الطوفان، يحتوي سفر التكوين 10 على قائمة بالأمم، حيث نُسِّقَ نسل أبناء نوح مع المناطق الجغرافية. "وَبَعْدَ ذَلِكَ تَفَرَّقَتْ قَبَائِلُ الْكَنْعَانِيِّ. وَكَانَتْ تُخُومُ الْكَنْعَانِيِّ مِنْ صَيْدُونَ، حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ جَرَارَ إِلَى غَزَّةَ، وَحِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَأَدْمَةَ وَصَبُويِيمَ إِلَى لاَشَعَ." (التكوين 10:18-19). تعكس هذه القصة أحداثًا في التاريخ اللاحق لإسرائيل. روى سفر يشوع غزو كنعان. شكلت العديد من أسماء القبائل، المنطقة من لبنان (فينيقيا) حتى غزة. هناك إجماع على أن قصة لعنة كنعان، أضيفت لاحقًا لتبرير اضطهاد، وغزو الكنعانيين، الذين يأمر الله بقتلهم.
خُصِّصَ نسل حام في تفرق أبناء نوح، لـ "كوش، ومصر، وفُوطُ، وكنعان" (التكوين 10:6). قد تشير كوش، وفُوطُ إلى إثيوبيا وربما الصومال، أو مراكز التجارة على حدود البحر الأحمر. أصبح نسل حام مرتبطًا بأصحاب البَشَرَة الداكنة في هذه المناطق، أما ابن نوح الثاني، يافث، خُصِّصَ هو ونسله للمناطق المتوسطية، ونسب إليهم لاحقًا فنون الحضارة، والقدرة الفكرية، وبحلول العصور الوسطى، اعتُبر يافث سلف الأوروبيين.
استُخدمَت قصة لعنة حام، لتبرير تجارة الرقيق، عندما واجه المستعمرون الأوروبيون لاحقًا الشعوب الأفريقية، وادعى مناهضو إلغاء العبودية في جَنُوب الولايات المتحدة أن لعنة حام جعلت الأشخاص السود، أدنى عرقيًا، وذهنيًا، وسلوكيًا من الأشخاص البيض. لم تعد تُعلّم معظم الطوائف المسيحية الحديثة هذا المفهوم.
صلاح نوح
أضاف الكُتّاب على مر القرون مزيدًا من التفاصيل عن نوح؛ ففي سِفْرَي اليوبيلات، وأخنوخ، نجد ادعاءات بأن الملائكة علمت نوح فنون الشفاء، ليتمكن أبناؤه من التغلب على شر الساهرين، وبحلول العصور الوسطى، قيل إن نوح تعمد أن يستغرق بناء الفلك ١٢٠ عامًا، حتى يكون هناك متسع من الوقت لتوبة البشر. بالإضافة إلى ذلك، فإن إنشاء نوح للكروم أزال نتيجة خطيئة آدم، عندما أصبحت الأرض لا تنتج إلا الشوك، وفي هذا الإصدار الأحدث، يُقال إن نوح هو من اخترع المحراث.
قارن يسوع المسيح في إنجيلي متى ولوقا، طوفان نوح بيوم الدينونة القادم: "وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ." (متى 24:37؛ لوقا 17:28). كان "ابْنِ الإِنْسَانِ" كائنًا ملائكيًا موجودًا قبل الخلق سيحكم على جميع البشر، عندما يُقام ملكوت الله على الأرض. ادعت المسيحية أن "ابن الإنسان" هو يسوع الموجود قبل الخلق. وصفت رسالة بطرس الأولى طقس المعمودية بأنه نفس الخلاص، الذي وجده البشر في سفينة نوح، بمعنى آخر، كانت الكنيسة تعمل كالفلك الجديد؛ فخارج الكنيسة، يُدان الجميع. تظهر أهمية نوح في المسيحية المبكرة في فن سراديب الموتى الرومانية؛ حيث يُصوَّر نوح على أحد القبور، رافعًا يديه في الصلاة عند عودة الحمامة.
يذكر النص المقدس للإسلام، القرآن، نوح 43 مرة، مع الموضوع الرئيس للنبوة في القرآن، أصبح نوح نموذجاً كواحد من أوائل الرسل "إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ" (سورة الشعراء: الأية 107)، في الوقت نفسه، قدمت الروايات نموذج "النبي المرفوض". هناك قصص عن كيف سخر الناس من نوح ولم يصدقوه، لأنه كان مجرد إنسان، ومع كفرهم، قرر نوح بناء الفلك لينقذ عددًا كافيًا من الناس لإعادة إعمار الأرض.
البحث عن سفينة نوح
بحث الناس عن سفينة نوح منذ العصور القديمة حتى الآن، مثل تابوت العهد. أدعي العديد من الأفراد على مر القرون، أنهم عثروا على بقايا من السفينة، ولا سيما قطع الخشب التي أصبحت بَقَايَا أَثَرِيَّة في بعض المجتمعات. بدأ البحث الحديث بجدية في نهاية القرن التاسع عشر، مع ظهور علم الآثار كعلم جديد. بدأت العديد من هذه الحفائر في محاولة لإثبات تاريخية الكتاب المقدس. هذه هي الفترة التي شهدت أيضًا تحليلًا مفصلًا للقصة. كيف يمكن لأربعة رجال (نوح وأبناؤه) أن يبنوا سفينة بهذا الحجم؟ يضع التأريخ التقليدي للقصة زمنها حوالي 4000 ق.م. هل كان لديهم الأدوات والتقنيات اللازمة لمثل هذا العمل؟
يقول سفر التكوين 8:4 إن السفينة استقرت على "جِبَالِ أَرَارَاطَ"، لكن حتى في العصور القديمة لم يكن هناك اتفاق على أي جبل هو المقصود. يتركز البحث الحديث على جبل أَرَارَاطَ الواقع على الحدود بين تركيا، وأرمينيا. تدعي العديد من قصص الاستكشاف أن الأدلاء المحليين هم من يعرفون موقع السفينة، لكن كل هذا كان مجرد شهادات سماعية. ادعت العديد من البعثات أنها عثرت على كتل صخرية تبدو كبيرة بما يكفي لتكون السفينة، والآن تعتبر خشبًا متحجرًا. لا تزل نتائج اختبارات التأريخ بالكربون متضاربة، والحكومة التركية ترفض منح الإذن لاستكشاف الجبل.
لا تزل قصة نوح، وسفينته تحظى بشعبية في الثقافة الحديثة. هناك مئات من كتب الأطفال والألعاب (القارب، والحيوانات). يوجد نسخة طبق الأصل من السفينة في منتزه ترفيهي في شمال كنتاكي. النسخة الهوليوودية الأخيرة "نوح" (2014) قام ببطولتها راسل كرو، مع بعض التفاصيل الهوليوودية الإضافية؛ ففي هذه النسخة، الحراس هم أشخاص من الصخور (يشبهون شخصيات الخيال العلمي "المتحولون")، يساعدون نوح في بناء السفينة تكفيرًا عن خطاياهم.

