تقع دولة مِصر في شمال أفريقيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، و هي موطن أحد أقدم الحضارات في العالم. أُشتقت كلمة مصر اللاتينية "Egypt" من كلمة "Aegyptos" (إيجيبتوس)، و التي كانت طريقة الإغريقيين لنطق الاسم المصري "حوت-كا-بتاح" (أي: "قصر الإله بتاح" ) ، و هو اسم مدينة منف.
كانت منف عاصمة مصر الأولى و مركز ديني و تجاري شهير؛ و شهد على سمو مقامها أن الإغريق كانوا يتخذون اسمها للإشارة إلى الدولة بأكملها. أما بالنسبة للمصرين أنفسهم، فأشاروا إلى دولتهم باسم "كيميت"، و التي تعني "الأرض السوداء"، سُمِّيَت بذلك لخصوبة تربتها و لونها الداكن على طول وادي النيل، حيث كان أول ما سكنوه. و عُرِفًت لاحقًا باسم "مِصر"، أي "المدينة"، و هو الاسم الذي لا يزال المصريون يتداولنه للإشارة إلى دولتهم حتى اليوم. ازدهرت مِصر لآلاف السنين (منذ حوالي عام 8000 ق.م. و حتى عم 30 ق.م. ) كأمة مستقلة بثقافة عظيمة متقدمة في شتى مجالات المعارف الإنسانية، من فنون و تكنولوجيا و دين. و آثارها العظيمة، التي يحتفى بها حتى اليوم، تعكس عمق و فخامة الثقافة المصرية و تأثيرها على العديد من الحضارات القديمة، بما في ذلك الحضارة اليونانية و الرومانية.
أحد أسباب الشعبية القوية للثقافة المصرية هو تركيزها على روعة التجارب الإنسانية. فآثارهم و مقابرهم و معابدهم و أعمالهم الفنية العظيمة كلها تمجِّد الحياة و تقف شاهدة على ماضٍ عظيم، و على عظمة ما يستطيع البشر بلوغه في أرقى حالاتهم. و بالرغم من أن الثقافة المصرية غالبًا ما ارتبط بها الموت و مراسم الدفن، فإن منها ما يخاطب الناس على مدار أجيال بما يعنيه أن تكون إنسانًا و قوة و غاية تذكر ذلك.
كانت الحياة بالنسبة إلى المصريين مجرد جزء من رحلة الخلود، فالروح لا تفنى، بل تسكن جسدًا ما على هذه الأرض المادية لفترة مؤقتة. عند الموت، يتلقى الفرد حسابه في قاعة الحقيقة، و إذا خرج منها بريئًا، ينتقل إلى جنات الخلود، و التي عرفت بحقول القصب، و التي هي كالمرآة لحياة المتوفى على الأرض. و حين يدخل الفرد الجنة، ينعم بالسلام في صحبة أحبابه في الدنيا، بما في ذلك حيواناته الأليفة، فيحيا في نفس المنطقة، عند نفس الجدول المائي، تحت نفس الأشجار، و التي ربما قد ظن أنه فقدها بموته. و على كل حال، فهذا النعيم الأبدي يمنح فقط لأولئك الذين عاشوا حياة صالحة وافقت إرادة الآلهة في المكان الأمثل الذي يخدم هذا الهدف: أرض مِصر.
إن تاريخ مِصر أقدم من كتاباتها و أساطير آلهتها و آثارها التي شكلت حضارتها الشهيرة. فقد أثبتت ذلك آثار رعي جائر في الصحراء الكبرى (بأفريقيا) تعود إلى 8000 ق.م. يشير هذا الدليل و بعض من القطع الأثرية المكتشفة إلى وجود حضارة زراعية مزدهرة بالفعل في هذا الوقت. و مع تحول حال الأرض إلى الجفاف، قصد الصيادون الرًّحَّل مياه نهر النيل، و بدأوا الاستقرار على ضفافه قبيل 6000 ق.م.
بدأ التنظيم الزراعي حوالي 6000 ق.م. و أخذت مجتمعات معروفة باسم حضارة البداري في الازدهار على طوال النيل. تطورت الصناعات في حوالي 5500 ق.م. أيضًا كما كشفت لنا آثار وِرَش الخزف في أبيدوس. و الحضارة البدارية تبعتها الحضارة العمارتية ثم الجرزية ثم حضارات نقادة (المعروفة بنقادة الأولى و الثانية و الثالثة)، و كان لكلها فضل كبيرة في ظهور الحضارة المصرية. يبدأ تاريخ الأرض المكتوب في مرحلة ما بين 3400 و 3200 ق.م.، عندما طُوِّرت الكتابة الهيروغليفية بحلول حضارة نقادة الثالثة. و مورست عملية التحنيط في مدينة هيراكونبوليس (نخن - الكوم الأحمر) حوالي 3500 ق.م. ، و بُنِيَت قبور حجرية ضخمة في أبيدوس. و كذلك مدينة إكسويز (سخا في كفر الشيخ) نشأت في مطلع التاريخ، حوالي 3100-2181 ق.م. كما ورد على حجر باليرمو الشهير. و كما الحال في مختلف الحضارات حول العالم، تمركزت المجتمعات الزراعية الصغيرة و اتسعت حتى أصبحت مراكز مدنية كبيرة.
بداية التاريخ المصري
شهدت عصور الأسرات المصرية الأولى (تقريبًا 3150-2613 ق.م.) توحيد مملكتي الشمال و الجنوب على يد الملك مينا ملك مصر العليا (معروف أيضًا باسم ميني و مانيس)، و الذي استولى على مصر السفلى نحو 3118 ق.م. أو ربما 3150 ق.م. ذُكِرت هذه الحقائق عن التاريخ القديم في "إيجيبتيكا" (كتاب "تاريخ مصر" ) الذي كتبه المؤرخ القديم مانيتون الذي عاش في القرن الثالث ق.م. تحت حكم البطالمة (323-30 ق.م.) على الرغم من أن كتاباته التاريخية ظلت محل جدال لدى من جاء بعده من مؤرخين، إلا أنهم ظلوا يستعينون بها فيما يتعلق بخلافة الأسر لبعضها أو ما يتعلق بتاريخ مِصر القديمة.
كتابات مانيتون هي الوحيدة التي أوردت تاريخ مينا و انتصاراته، و الرجل الذي أشار إليه مانيتون باسم "مينا" يعتقد الباحثين أنه الملك نارمر الذي وحد مصر العليا و السفلى بسلاح السلام تحت حكم موحد. التحقق من أن "مينا" هو نارمر كان أبعد ما يكون عن الإجماع. و مع ذلك، ارتبط مينا ارتباطًا وثيقًا بالملك حور-عحا (حكم بين 3100-3050 ق.م.) الذي خلفه في الحكم. و قدم هذا الارتباط بين السلف و الخلف تفسيرًا عمن سبق حور-عحا في الحكم، و هو أن "مينا" لقبه التشريفي الذي يعني "الصبور" و ليس اسمه الشخصي، و الذي يمكن الإشارة به إلى أكثر من ملك. كما ثار الجدل أيضًا حول توحيد مِصر من قِبَل حملة عسكرية؛ لأن لوحة نارمر الشهيرة صوَّرت انتصارًا عسكريًّا، فقد اعتبره بعض الباحثين تفاخرًا ملكيًّا لا أكثر.
اتبعت التسمية الجغرافية لمِصر القديمة اتجاه جريان نهر النيل، لذا فمِصر العليا تقع جنوب مِصر، و مِصر السفلى شمال مِصر الأقرب إلى البحر الأبيض المتوسط. حكم نارمر مدينة هيراكونبوليس (نخن - الكوم الأحمر) ثم منف ثم أبيدوس. ازدادت التبادلات التجارية ازديادًا ملحوظًا في عهد الأسرات المصرية الأوائل، و ظهرت مقابر على شكل مصاطب، و هي الشكل البدائي للأهرام، ثم تطورت طقوس الدفن لتشمل عملية التحنيط و تفاصيلها.
الآلهة
منذ عصر ما قبل الأسرات (نحو 6000-3150 ق.م.) و الإيمان بالآلهة جزء من الثقافة المصرية. و تقول أسطورة مصرية قديمة عن الخلق أن قبل أن يوجد الزمان و المكان، وقف الإله أتوم في قلب فوضى عارمة، و نطق، فكان الوجود. و كانت قوة الـ"حكا" (أي: السحر) الأزلية في يد أتوم، و جسدها الإله حكا، و غيرها من القوى الإلهية التي تحرك العالم. كانت "حكا" القوة الأساسية التي أقامت الكون و هيَّأت كل الأشياء لأداء وظائفها المعنية بها؛ و قدمت القيم المحورية التي دارت حولها الثقافة المصري: "ماعت" و الانسجام و التوازن.
ترجع جميع قوى الآلهة و أدوارهم إلى "ماعت" و "حكا" . فشروق الشمس و غروبها، و دوران القمر في السماء، و تغير فصول السنة، سار كل هذا وفقًا لهذين القانونين. و جُسِّدَت الـ"ماعت" أيضًا بذات إلهية، و هي المعبودة التي تحمل ريشة نعام، و وجب على كل ملك أن يسخر قدراته و يمنح إخلاصه لها. و وفقًا لأشهر الأساطير في التاريخ المصري، فإن يكون الملك مصحوبًا بالإله حورس في حياته، و بالإله أوزوريس بعد انتقاله إلى الحياة الآخرة.
كان أوزيريس و أخته و زوجته إيزيس الحاكمين الأساسيين للعالم، و قد منحا البشر هبات الحضارة. لكن سِت، أخا أوزوريس، حقد عليه فقتله، ثم أعادته إيزيس للحياة و حملت في ابنه حورس. إلا أن قوى أوزوريس لم تكن قد اكتملت بعد، لذلك انتقل إلى العالم السفلي ليحكمه، و انتقم حورس لأبيه فورما بلغ رشده، و غلب سِت. مثلت هذه الأسطورة انتصار النظام على الفوضى، و صارت فكرة راسخة في الديانة المصرية، و حاضرة في الطقوس الجنائزية و النصوص الدينية و كذلك الفنون. ولا فترة مرت على تاريخ مِصر دون أن يكون للاهوت دورًا جوهريًّا في الحياة اليومية للمصريين، و تجلى هذا بشكل واضح منذ فجر تاريخ دولتهم العريقة.
الدولة القديمة
في الفترة المعروفة باسم الدولة القديمة (حوالي 2613-2181 ق.م. ) ، تسارعت وتيرة التطور العمراني الممجِّد للآلهة، وبُنِيَت الآثار الأكثر شهرة في مِصر، مثل: أهرامات الجيزة و أبو الهول. و قد بنى الملك زوسر، الذي حكم سنة 2670 ق.م. تقريبًا، أول هرم مدرج في سقارة حوالي 2670 ق.م. ، و كان من تصميم إمحوتب كبير المهندسين و الأطباء في عهده، و كان كذلك أول من كتب في الطب و وصف علاجات لأكثر من 200 مرض مختلف، و ناقش أن الأمراض قد تكون أسبابها طبيعية و ليس شر من الآلهة. حتى أن هرم خوفو الأكبر (سابع عجائب الدنيا) بُني في عهده (2589-2566 ق.م.) ، و تبعه هرمي خفرع (2558-2532 ق.م. ) و منكاورع (2503-2503ق.م. ) .
ظلت الأهرامات الواقعة على هضبة الجيزة، و كانت من قبل مكسية بالحجر الجيري الأبيض البراق أول ما أنشئت، شاهدًا على سلطة و ثراء الحكام في تلك الفترة. كما ظهرت العديد من النظريات حول كيفية بنائها، إلا أن المعماريين و الباحثيين المعاصرين لم يُجمِعوا على طريقة بنيت بها تلك الآثار و المقابر. فرأى البعض أنه لا يعقل أن تُبنى أهرامات الجيزة بالتقنيات المتاحة في ذلك الوقت. كما رأى غيرهم أن وجود مثل هذه البنايات و المقابر يفترض وجود تقنيات فائقة فُقِدَت عبر الزمن.
لا دليل واحد على أطروحة أن آثار الجيزة -أو غيرها من آثار مصرية- بناها العبيد. ولا توجد أية أدلة تؤيد الرواية التاريخية لسِفر الخروج في الكتاب المقدس. أذْيَع الباحثين صيتًا في يومنا هذا يرفضون إدعاء بناء العبيد للأهرام مع أن لا شك في أن العبيد من مختلف البلدان كانوا موجودين في مصر و عملوا بانتظام في المناجم. كانت المباني المصرية الأثرية من الأشغال العامة التي تُقام خدمة للدولة على أيدي عمالة مدربة و غير مدربة، و كلهم تلقوا مقابل عملهم. و أولائك الذين عملوا في الجيزة، و الذين كانوا قلة من هذه الفئة الكبيرة، كما حصلوا على حصص منتظمة من الجعة ثلاث مرات يوميًّا، مع توفير واضح لاحتياجاتهم من مسكن و أدوات و حتى الرعاية الصحية.
الفترة الانتقالية الأولى و الهكسوس
شهدت الحقبة المعروفة بالفترة الانتقالية الأولى في مِصر (2181-2040 ق.م.) تراجع في سلطة الحكومة المركزية و أدى إلى انهيارها. و استقلت الأقاليم بحكامها حتى ظهرت قوتان مركزيتان: هيراكونبوليس (نخن - الكوم الأحمر) في مصر السفلى، و طيبة في مصر العليا. أسست هاتان القوتان أسرتيهم اللتان حكمتا المنطقتين بشكل مستقل، و تحاربتا على فترات متقطعة للوصول إلى الهيمنة التامة على الدولة، حتى نحو 2040 ق.م. عندما هزم منتوحوتب الثاني ملك طيبة (حكم ترقيبًا في 2061 - 2010 ق.م. ) على قوات هيراكونبوليس (نخن - الكوم الأحمر) و وحَّد مِصر تحت حكم طيبة.
الاستقرار الذي وفره حكم طيبة ساهم في ازدهار ما يُعرف بـ"الدولة الوسطى" (2040-1782 ق.م. ) . تعتبر الدولة الوسطى "عصر مِصر الكلاسيكي القديم" ؛ ففي هذه الفترة ارتقت الفنون و الثقافة، و أصبحت طيبة أهم و أغنى مدينة في الدولة. وِفقًا للمؤرخيْن أوكس و غالين: "كان ملوك الأسرة الثانية عشر حكامًا أقوياء، امتد نفوذهم إلى جميع أنحاء مصر، حتى النوبة و جنوبها، حيث شيَّدوا حصونًا عديدة لحماية المصالح التجارية" (11). تأسس أول جيش نظامي في التاريخ في فترة الدولة الوسطى على يد الملك أمنمحات الأول (1991-1962 ق.م. ) ، و تشييد معبد الكرنك بدأ على يد سنوسرت الأول (1971-1926 ق.م. ) ، إلى جانب مجموعة من أعظم ما أنتجه الفن و الأدب المصري القديم. أما الأسرة الثالثة عشر، فكانت أقل قوة من الأسرة الثانية عشر، و شتتها النزاعات الداخلية، مما أتاح الفرصة لعناصر أجنبية عُرِفَت باسم الهكسوس بالاستيلاء على السلطة في مِصر السفلى حول دلتا النيل.
الهكسوس فئة مجهولة ظهرت لأول مرة في مِصر حوالي 1800 ق.م. و استقروا في أواريس (تل الضبعة الحديثة) ، و قد جاءوا على الأرجح من منطقة سوريا\فلسطين. و بينما اسماء ملوك الهكسوس سامية الأصل، فأصولهم العرقية مجهولة. نمت سلطة الهكسوس حتى سيطرت على جزء كبير من مِصر السفلى بحلول سنة 1720 ق.م. ، و كادت تجعل من طيبة إقليمًا تابعًا لها.
تشتهر هذه الحقبة من تاريخ مِصر باسم "عصر الانتقال الثاني" (1782-1570 ق.م.) . و على الرغم من كره المصريين للهكسوس (و كان المعنى المباشر لاسمهم" الحكام الأجانب" ) ، إلا أنهم قدموا إنجازات عظيمة في الحضارة، مثل: الأقواس المركبة، و العربات و الأحصنة، و كذلك نظام الدورة الزراعية، و غير ذلك من الأعمال البرونزية و الخزفية. و في نفس الوقت الذي هيمن فيه الهكسوس على موانئ مِصر العليا، قامت مملكة كوش بحلول عام 1700 ق.م. جنوب طيبة في النوبة، و سيطرت على تلك الحدود. قاد المصريون عدد من الحملات لطرد الهكسوس و إخضاع النوبيين، لكن جميعها باءت بالفشل إلى أن تولى العرش الأمير أحمس الأول أمير طيبة (تقريبًا 1570-1544 ق.م.) و وحَّد البلاد تحت حكم طيبة من جديد.
الدولة الحديثة و حقبة العمارنة
أسس أحمس الأول ما يُعرَف بالدولة الحديثة في تاريخ مِصر القديم (نحو 1570-1069 ق. ) و التي ازدهرت فيها الدولة من جديد تحت لواء الحكم المركزي. و أُطلِق لقب "فرعون" على حاكم مِصر بدايةً من هذه الفترة؛ و قد كانوا قبل ذلك يطلق عليهم ملوك. أشهر حكام مِصر المعروفين لدينا اليوم أغلبهم انتموا إلى هذه الحقبة، و كذلك معظم الصروح التي تشهد على فخامة فن العمارة المصري شُيِّدَت أو اُضيف إليها تعديلات في هذه الفترة، مثل: معبدي الرمسيوم وأبو سمبل ومعبدَي الكرنك والأقصر ومقابر وادي الملوك ووادي الملكات.
رسَّخ الفرعون تحتمس الأول دعائم حكمه في الفترة بين 1504-1492 ق.م. ، و مد حدود مِصر حتى نهر الفرات في الشمال، و سوريا و فلسطين في الشرق، و النوبة جنوبًا. و تلته الملكة حتشبسوت (1479-1458 ق.م.) التي وسَّعت نطاق التبادلات التجارية مع الشعوب الأخرى، و بالأخص بلاد بونت. و كانت الفترة التي حكمت فيها البلاد لمدة 22 عامًا تتسم بالسلام و الرخاء.
و خلفها في سياستها و حكمها تحتمس الثالث ( بغض النظر عن أنه سعى لمحو تاريخها، و يُقال أن غرضه كان منع تجسيدها لنموذج يُقتدى به لسائر النساء لأن الرجال فقط كانوا جديرين بتولي زمام الحكم)، و حين وافته المنية بحلول عام 1425 ق.م. و كانت مِصر أمة عظيمة قوية. و جلب هذا الرخاء على مِصر زيادة و تنوع في إنتاج الخمور، و اتسعت أوقات الفراغ لممارسة المزيد من الرياضات. كما أن التقدم الطبي أدى إلى تحسن الحالة الصحية العامة.
و لطالما كان الاستحمام جزءًا أساسيًّا من أسلوب حياة المصريين القدماء اليومية، و حثهم الدين على الاستحمام و اقتدوا بالكهنة في ذلك. و في هذه الفترة نتج عن الرفاهية تطوير حمامات عامة كأحد أشكال الاستمتاع بوقت الفراغ و ليس فقط بهدف الحفاظ على النظافة الشخصية. و كُتِبَت بردية كاهون في الطب النسائي و التناسلي عام 1800 ق.م. تقريبًا، و يبدوا أن الأطباء لجأوا إليها على نطاق واسع في تلك الفترة. كما شاع طب الأسنان و التدخلات الجراحية اللذان مورِسا بمهارة مدهشة، و وصف الأطباء الجعة للتخفيف من أعراض أكثر من مائتي داء.
عام 1353 ق.م. تولى الفرعون أمنحوتب الرابع عرش مِصر، و لم يمض وقت طويل حتى غيَّر اسمه إلى أخناتون (أي : "الروح الحية للإله آتون" ) ، و الذي عكس إيمانه بتوحيد الآلهة. توارث المصريون في عاداتهم، الإيمان بتعدد الآلهة كما ذكرنا سابقًا، و كان لذلك أثره العميق في حياتهم اليومية. و كان من بين هؤلاء الآلهة إيزيس و أوزوريس و حتحور و آمون. و مع ازدياد ثروة طائفة آمون إلى حد أن صارت قوة كهنة آمون قوية حتى كادت تصبح بقدر قوة الفرعون نفسه، أعلن أخناتون و ملكته نفرتيتي معارضتهم للمعتقدات و الممارسات الدينية التقليدية في مصر، و فرضوا دينًا جديدًا يعتمد على الاعتراف بالإله الواحد.
قامت إصلاحاته الدينية بدور إيجابي في نزع السلطة من أيدي كهنة آمون و وضعها بين يديه. و نقل العاصمة من طيبة إلى العمارنة إمعانًا في التفرقة بين حكمه و حكم سابقيه. و عرفت هذه الفترة بـ"حقبة العمارنة" (1353-1336 ق.م.) ، حيث أصبحت العمارنة عاصمة الدولة، و مُنِعت أي ممارسات دينية للمشركين فيها.
من بين إنجازاته العديدة، كان أخناتون أول حاكم يأمر بنحت التماثيل و المعابد تكريمًا لملكته، و ليس فقط لنفسه أو للآلهة، و أخرج الأموال التي كانت تُجمع في المعابد ليستعملها في الأشغال العامة و الحدائق. كما انحسرت قوة رجال الدين انحسارًا شديدًا بينما ازدهرت قوة الحكومة المركزية، و الذي كان -على ما يبدو- هدف أخناتون، لكنه فشل في استغلال قوته استغلالًا حسنًا لصالح شعبه. فبيَّنت رسائل تل العمارنة اهتمام أخناتون البالغ بإصلاحاته الدينية و إهماله للعلاقات الدبلوماسية مع الدول الأجنبية التي كان شعب مِصر في حاجة إليها.
ثم خلفه ابنه، أشهر ملوك مِصر المعروفين في العصر الحديث، توت عنخ آمون الذي حكم نحو 1336-1327 ق.م. و كان في الأصل يُدعى توت عنخ آتون، و هو ما عكس عقيدة والده الدينية، و لكن فور تقلده الحكم، غيَّر اسمه إلى توت عنخ آمون، رِفعةً للمعبود الأقدم آمون. و أعاد عمل المعابد السابقة، و محا كل ما يمت لعقيدة التوحيد بصلة، و أعاد لطيبة دور العاصمة. كانت فترة حكمه قصيرة نظرًا لوفاته المبكرة، و قد اشتُهِر بمقبرته الكاملة الفخمة المكتشفة سنة 1922م و التي أثارت ضجة عالمية في ذلك الوقت.
و على كل حال، فإن أعظم حكام الدولة الحديثة كان رمسيس الثاني (و يُعرف أيضًا باسم "رمسيس الأكبر" ، 1279-1213ق.م. ) ، فدشَّن أكثر مشروع معماري تعقيدًا في تاريخ مصر القديمة، و كان حاكمًا كفءً متمكنًا. و على الرغم من أن معركة قادش الشهيرة 1274 ق.م. (التي دارت بين رمسيس الثاني فرعون مصر ومواتالي الثاني ملك الحيثين) تُعتبر بمقاييس اليوم منتهية بتعادل، إلا أن رمسيس اعتبرها انتصارًا جليًّا لمِصر، واحتفى بنفسه بوصفه بطلًا شعبيًّا، و بوصفه إلهًا بعد ذلك، و ظهر ذلك عامةً في أعماله.
صور معبده أبو سمبل (الذي بناه حُبًا لملكته نفرتاري) معركة قادش، و خص المعبد الأصغر الواقع في نفس حيزه لزوجته الأقرب إلى قلبه نفرتاري، تمامًا كما فعل أخناتون. وُقِّعت أول معاهدة سلام في التاريخ في عهد رمسيس الثاني (معاهدة قادش) سنة 1258 ق.م. و تمتعت مِصر برخاء لم يسبق له مثيل، و دل على ذلك عدد الآثار المبنية أو المرممة في عهده.
خعمواس رابع أبناء رمسيس الثاني (1281-1225 ق.م. تقريبًا) عُرِف بأنه "أول عالم مِصريَّات" لما بذله من جهود لحفظ و تسجيل الآثار و المعابد و اسماء مالكيها الأصليين. و يرجع الفضل لخعمواس في انتشار اسم والده رمسيس الثاني على نطاق واسع في العديد من المواقع في مِصر. كما ترك لنا خعمواس سِجلًا يوثق إنجازاته الشخصية و أصحاب الأصالة في بناء\امتلاك المعابد أو الآثار و اسم والده.
لقبت الأجيال اللاحقة رمسيس الثاني باسم "الجد الأكبر" ، و قد طالت مدة حكمه حتى شهد وفاة أغلب أبنائه و زوجاته في أثناء حياته. حينها كان الشعب بكل أجياله لا يعرفون لأنفسهم حاكمًا سوى رمسيس الثاني. فتمتع بعمر مديد حتى بلغ 96 عامًا، أي ما يزيد عن متوسط العمر الطبيعي للمصري في ذلك الوقت. و اعتبر الكثيرين وفاته نهاية العالم؛ لأنهم لم يروا غيره فرعونًا عليهم، و لم يتصوروا مِصر أخرى غير التي عهدوها في زمنه.
سقوط مِصر و دخول الإسكندر الأكبر
سار رمسيس الثالث -أحد خلفائه- (1186-1155 ق.م.) على نهج سياسة رمسيس الثاني ، و لكن هذه المرة، حولت خيرات مِصر الوفيرة اهتمام شعوب البحر إليها، فشنوا هجمات على طول ساحلها. و شعوب البحر -أمثال الهكسوس- مجهولي الأصل، و مع هذا فأغلب الظن أنهم جاءوا من جنوب منطقة بحر إيجه. و من 1276ق.م. حتى 1178ق.م. هددت شعوب البحر المتوسط أمن مِصر. و قد هزمهم رمسيس الثاني من قبل خلال معركة بحرية في عهده، و كذلك فعل خليفته مرنبتاح (1213-1203ق.م. ) . و بعد موت مرنبتاح ضاعفوا جهودهم، و انتزعوا قادش التي كانت تحت الحكم المصري آنذاك، ثم اجتاحوا الساحل. فحاربهم رمسيس الثالث بين عامي 1180-1178 ق.م. حتى طردهم سنة 1178 ق.م. في معركة الدلتا (معركة سخا) .
بذل خلفاء رمسيس الثالث المساعي للحفاظ على سياساته، إلا أنهم قوبلوا بمعارضة متزايدة من الشعب المِصري في المناطق المحتلة و بالأخص طبقة رجال الدين. ففي السنوات التالية لاستعادة توت عنخ آمون ديانة آمون القديمة، و بالتحديد في فترة الرخاء تحت حكم رمسيس الثاني، حاز كهنة آمون على قطاعات شاسعة من الأراضي و كنَّزوا الثروات الطائلة، مما هدد الحكومة المركزية و مزَّق وحدة البلاد. و بحلول عهد رمسيس الحادي عشر (1107-1077 ق.م. ) كانت نهاية الأسرة العشرين، و أضعفت الحكومة المصرية سلطة و فساد رجال الدين، إلى أن تفككت الدولة مجددًا و انهارت الإدارة المركزية، إيذانًا ببدء الحقبة المعروفة باسم عصر الانتقال الثالث قرابة 1069-525 ق.م.
تم توحيد مِصر من جديد على يد ملك كوش نبتة بعانخي (752-722 ق.م. ) و انتعشت الحضارة حتى عام 671 ق.م. ، حيث بدأت محاولات احتلال الآشوريين لمِصر تحت حكم أسرحدّون، و احتلوها فعليًّا بحلول عام 666 ق.م. تحت لواء خليفته آشوربانيبال. و نظرًا لأنهم لم يكن لديهم خطة طويلة الأمد للسيطرة على البلاد، فقد تركوها للحكام المحليين في حالة خراب و خرجوا منها لتلقى مصيرها المحتوم. لكن مِصر أعيد بنائها و تحصينها، و كانت هذه حال الدولة عندما قدم إليها قمبيز الثاني من بلاد فارس ليقود جيشه في معركة الفارما 525 ق.م. ، و قد أمر قمبيز الثاني جنوده بنحت صور القطط على دروعهم و اصطحاب القطط (التي جسدت الإلهة المحبوبة باستت ) و غيرها من الحيوانات المقدسة في معتقدات المصريين القدماء في مقدمة الجيش إلى الفرما، لعلمه بالتبجيل الذي أكنه المصريين لها. فاستسلمت القوات المصرية و وقعت الجولة تحت الاحتلال الفارسي. و ظلت على هذه الحال حتى جاء الإسكندر الأكبر سنة 332 ق.م.
رُحِّب بالإسكندر على أنه المُخَلِّص، و احتل مِصر دون قتال. ثم أسس مدينة الإسكندرية، و خرج ليحتل فِينِيقِيا و غيرها من أراضي الإمبراطورية الفارسية. و بعد وفاته، أحضر بطليموس الأول سوتر -أحد قادته العسكريين- جسده إلى الإسكندرية، ليبدأ العهد البطلمي (323-30 ق.م. ) . و كانت آخر البطالمة كليوبترا السابعة التي انتحرت سنة 30 ق.م. بعد هزيمة الرومان لقواتها (و قوات حبيبها ماركوس أنطونيوس) تحت لواء يوليوس قيصر في معركة أكتيوم سنة 31 ق.م. و منذ ذلك الحين، صارت مِصر ولاية رومانية (30 ق.م. - 476 م) ، ثم أصبحت تابعة للإمبراطورية البيزنطية (نحو 527-646 م. ) إلى أن فتحها المسلمين العرب تحت راية الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عام 646 م. ، و أصبحت في ظل الحكم الإسلامي.
إن أثر ما حققته مصر في فجر التاريخ، أو ذكرى ذلك الأثر، لا يزال له نفوذ في كل أمة وفي كل عصر. بل إنه من الممكن، كما قال فور، أن مصر بتضامن فنونها ووحدتها واختلافها المنظم، وبعمرانها الهائل وقوة مجهودها المتصل، لتقدم أعظم حضارة ظهرت على وجه الأرض حتى الآن. ولن يكون في وسعنا أن نقدم ما هو خير منها إلا بصعوبة.
لطالما افتتن الناس من شتى بقاع الأرض بثقافة مِصر و حضارتها؛ سواء وقت الاكتشافات المبكرة في القرن 19 (مثل: فك شامبليون لرموز حجر رشيد 1822 م. ) أو الكشف الشهير لمقبرة توت عنخ آمون الذي قام به هوارد كارتر سنة 1922م. إن إيمان المصري القديم بالحياة بوصفها جزءًا من رحلة الخلود، تُخلَق و تستدرك بقوى إلهية سحرية، ألهم حضارات تالية و معتقدات دينية لاحقة. و إنا لنجد كثيرًا من أساليب التصوير الفني و المعتقدات الدينية المصرية قد نفذت إلى الديانة المسيحية الجديدة، كما أننا نجد العديد من الرموز القديمة معروفة لدينا اليوم غالبًا لا تزال تحمل نفس معانيها. إن العديد من الإنتاج الفكري، من أفلام و كتب و لوحات فنية و حتى المعتقدات الدينية، لَتشهد شهادة حقة على قوة الحضارة المصرية، و لا تزال تستوحي الإلهام منها لما لها من رؤى عميقة حول مكانة الإنسان في هذا الكون.
