منف (مصر القديمة)

Joshua J. Mark
بقلم ، ترجمة Mahmoud Ismael
نُشر في
Translations 6
bookmark_addbookmark_addedحفظ المقال printطباعة picture_as_pdfPDF
Egyptian Memphis Reconstruction (by Ubisoft Entertainment SA, Copyright, fair use)
إعادة تشكيل منف المصرية Ubisoft Entertainment SA (Copyright, fair use)

كانت منف واحدة من أقدم وأهم المدن في مصر القديمة، وهي تقع عند مدخل وادي النيل بالقرب من هَضْبَة الجيزة، وكانت بمنزلة عاصمة مصر القديمة ومركزًا دينيًا مهمًّا.

كان الاسم الأصلي للمدينة هو «حيكو-بتاح» (أو حوت كا بتاح)، لكنها عُرفت لاحقًا باسم «إنب-حج»، الذي يعني «الجدران البيضاء»، لأنها بُنيت من الطوب اللبن ثم طُليت باللون الأبيض، وبحلول عصر الدولة القديمة (حوالي 2613-2181 ق.م)، أصبحت تُعرف باسم «من-نفر» (الدائمة والجميلة) الذي ترجمه الإغريق إلى «ممفيس»، ويُزعم أن الملك مينا (حوالي 3150 ق.م) هو مؤسسها، وهو الذي وحد قطري مصر في دولة واحدة. كان ملوك العصر العتيق في مصر (حوالي 3150-2613 ق.م) وعصر الدولة القديمة (حوالي 2613-2181 ق.م) يحكمون من منف، وحتى عندما لم تكن العاصمة، ظلت مركزًا تجاريًّا وثقافيًا مهمًّا.

تحتل المدينة مكانة بارزة عبر تاريخ مصر كُلََّه، بدءًا من أقدم السجلات التي تعود إلى عصر الأسرات وصولًا إلى دولة البطالمة (323-30 ق.م)، لكن لا شك في أنها كانت موجودة قبل ذلك في عصر ما قبل الأسرات في مصر (حوالي 6000-3150 ق.م). كان موقع المدينة عند مدخل وادي النيل سيجعلها مكانًا طبيعيًا لتأسيس مستوطنة مبكرة. أدّت منف منذ أقدم العصور وحتى نهاية تاريخ مصر القديمة في العصر الروماني، دورًا في حياة الناس.

كان الملوك يحكمون هناك، وكانت التجارة تتم في الأسواق، وكانت المعابد الدينية العظيمة تجذب الحجاج والسياح، وقام بعض أشهر ملوك البلاد ببناء آثارهم العظيمة داخل المدينة أو بالقرب منها. توج الإسكندر الأكبر نفسه فرعونًا في منف، ثم إن حجر رشيد، وهو النصب التذكاري الذي كشف سر الهيروغليفية المصرية، صدر في الأصل من هذه المدينة.

بدأت منف في الانحدار بعد أن ضم الرومان مصر. تسارعت وتيرة هذا الانحدار بظهور المسيحية في القرن الرابع الميلادي، عندما توقف الناس عن زيارة المعابد القديمة وأضرحة الآلهة المصرية، وبحلول القرن السابع الميلادي، في أعقاب الفتح العربي، أصبحت منف أطلالًا استُغِلَّت أحجار مبانيها لوضع أسس القاهرة ومشروعات أخرى.

الاسم وأهميته

يذكر المؤرخ مانيتون السمنودي، الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، أن أول ملوك مصر، مينا، بِنَى المدينة بعد توحيد البلاد. كانت المدينة في ذلك الوقت، تُعرف باسم «حيكو-بتاح» أو «حوت-كا-بتاح»، وهو ما يعني «قصر روح بتاح». يُرجح أن بتاح كان إلهًا قديمًا للخصوبة خلال عصر ما قبل الأسرات، لكنه رُقي إلى منصب «سيد الحقيقة» و«خالق العالم» بحلول بداية العصر العتيق. كان الإله الحامي للمنطقة المحيطة بمنف وأصبح الإله الراعي للمدينة بعد أن بُنيت تكريمًا له.

Ptah
الاله بتاح Mark Cartwright (CC BY-NC-SA)

تنسب نقوش أخرى بناء منف إلى خليفة مينا، حور-عحا، الذي يُقال إنه زار الموقع — وليس المدينة — وأعجب به لدرجة أنه غيّر مجرى نهر النيل لإنشاء سهل واسع للبناء. رُبِطَ حور-عحا بمينا استنادًا إلى نقوش متنوعة، لكن يبدو أن «مينا» كان لقبًا يعني «الذي يصمد»، وليس اسمًا شخصيًا، وربما توارث من الملك الأول. يرجح أن يكون نارمر، الملك الذي وحد مصر والمعروف باسم مينا، هو باني المدينة الاصلي، وأرجح أن أسطورة زيارة حور-عحا وتحويل مجرى النهر هي نسخة معدلة من حكاية أقدم تُروى عن مينا (نارمر)، الذي نمت حوله العديد من الأساطير المعجزة.

أعطى الاسم القديم للمدينة، «حوت-كا-بتاح»، مصر اسمها اليوناني، وكان المصريون أنفسهم يطلقون على بلادهم اسم «كيميت»، الذي يعني «الأرض السوداء»، بسبب تربتها الغنية الداكنة. ترجم اليونانيون اسم «حوت-كا-بتاح» إلى «إيجيبتوس»، الذي أصبح «مصر»، ويعد تسمية اليونانيين للبلاد باسم المدينة دليلًا على قوة وشهرة منف في العصور المبكرة.

التاريخ المبكر

كانت المدينة في العصر العتيق، تُعرف باسم «إنب-حج» (ذات الجدران البيضاء) لأن جدرانها المبنية من الطوب اللبن كانت مطلية باللون الأبيض، ويُقال إنها كانت تتلألأ تحت أشعة الشمس من على بعد أميال. ومع ذلك، لا توجد أدلة على أن الاسم الفعلي للمدينة قد تغير. يُرجح إن هذا اللقب الجديد للمدينة ظهر في بداية الأسرة الثالثة في مصر (حوالي 2670 - حوالي 2613 ق.م) مع تولى زوسر الحكم. كان الملوك قبل ذلك، يُدفنون في أبيدوس (سوهاج)، لكن قرب نهاية الأسرة الثانية في مصر (حوالي 2890 - حوالي 2670 ق.م) أصبحوا يُدفنون بالقرب من منف، على مقربة من الجيزة.

يُقال إن زوسر رفع مكانة المدينة بجعلها عاصمة له، لكنها كانت فعلًا مقر السلطة في مصر قبل عهده، والأرجح أنه عزز هيبة المدينة باختياره موقعًا قريبًا، وهو سقارة، ليكون مجمعًا جنائزيًا ومقبرة هرمية له. كان من شأن الجدران البيضاء للمدينة أن تظهر مكانة هذا الملك وتلفت الانتباه إلى مسكنه الأبدي القريب.

تكتب عالمة المصريات كاثرين أ. بارد: "تقع مقبرة سقارة الشِّمالية على سلسلة تلال بارزة من الحجر الجيري تطل على الوادي، وكان وجود الهياكل الفوقية الكبيرة ذات الكوات المتقنة رمزًا مثيرًا للإعجاب للغاية للمكانة" (شو، 72)، وربما طُلِيَت أسوار المدينة باللون الأبيض لتظهر هذا المكانة بشكل أكبر، ووفقًا لعالم المصريات توبي ويلكينسون، لم تكن أسوار المدينة هي التي طُليت باللون الأبيض، بل أسوار القصر المركزي، وهي التي أعطت المدينة لقبها. يكتب ويلكينسون:

"بفضل واجهته المطلية باللون الأبيض، لا بد أن هذا المبنى المعروف باسم «الجدار الأبيض» كان مشهدًا مبهرًا، يضاهي في رمزيته «البيت الأبيض» الخاص بإحدى القُوَى العظمى الحديثة. وقد صُممت المباني الملكية الأخرى في جميع أنحاء البلاد عمدًا على غرار «الجدار الأبيض»" (31)

ومع ذلك، فلا شك في أن المدينة كانت فعلًا عاصمة لمصر الموحدة قبل عهد زوسر، وكانت تحظى بتقدير كبير، لذا فمن المحتمل أن تكون أسوار المدينة أو القصر قد طُليت باللون الأبيض قبل عهده. يشير بارد إلى أنه "عُثِرَ على مقابر لكبار المسؤولين في منطقة شمال سقارة المجاورة، كما دُفن مسؤولون من جميع المستويات في مواقع أخرى في منطقة منف. تشير هذه الأدلة الجنائزية إلى أن منف كانت المركز الإداري للدولة" (شو، 64). كشفت الحفائر عن فَخَّار ومقتنيات جنائزية تعود إلى الأسرة الأولى في مصر، بالرغم من أن مانيتون يدعي أن منف لم تصبح العاصمة إلا في عهد الأسرة الثالثة.

عاصمة الدولة القديمة

استمرت منف عاصمةً للبلاد خلال الدولة القديمة؛ حيث حكم الملك سنفرو (نحو 2613-2589 ق.م) من هذه المدينة حين كان يشرف على تشييد أهرامه العظيمة. أتقن سنفرو فن بناء الأهرام والعمل بالأحجار الذي كان قد بدأه وزير الملك زوسر وكبير مهندسيه إمحوتب (نحو 2667-2600 ق.م) في سقارة. بني خوفو (نحو 2589-2566 ق.م) خليفة سنفرو، على نجاحه ليشيّد الهرم الأكبر في الجيزة القريبة، ثم شيد خلفاءه، خفرع (نحو 2558-2532 ق.م) ومنكاورع (نحو 2532-2503 ق.م)، أهرامهما هناك بعده. كانت منف، بصفتها العاصمة، مقرَّ ومنبعَ البيروقراطية المعقدة والواسعة النفوذ التي مكّنت هؤلاء الملوك من تنظيم نوع القُوَى العاملة، والموارد اللازمة لبناء مجمعاتهم الهائلة وأهرامهم.

كانت الجيزة بحلول عهد أول ملوك الأسرة الخامسة، أوسركاف (نحو 2498-2491 ق.م)، جبانة مزدهرة يديرها كهنة الآلهة وتضم كل مقومات مدينة صغيرة بما في ذلك المحال التجارية، والمصانع، والمعابد، والشوارع، والمنازل الخاصة. استمرت منف في النمو في هذا الوقت أيضًا، وظهرت التطورات التي شهدتها الجيزة، وأصبح معبد بتاح مركزًا دينيًا مهمًا، وأقيمت الشواهد والنُصُب في أنحاء المدينة كلها تكريمًا لهذا الإله.

كانت عبادة إله الشمس رع تزداد شيوعًا في الوقت نفسه، وكان كهنة رع، الذين أشرفوا على المجمعات في الجيزة، يزدادون نفوذًا، ويبدو أن أوسركاف، وربما بعد أن وجد أنه لم يعد هناك متسع للبناء في الجيزة، اختار أبوصير القريبة موقعًا لمجمّعه الجنائزي، وأمر ببناء معبد لرع على شرفه، وهو أول المعابد الكثيرة التي شُيِّدت في الأسرة الخامسة حين كانت عبادة رع في تزايد مستمر من حيث الشعبية.

The Pyramids, Giza, Egypt
الأهرام، الجيزة، مصر Shellapic76 (CC BY)

أصبح يُشار إلى المدينة باسم منف خلال حكم ملك الأسرة السادسة بيبي الأول (نحو 2332-2283 ق.م). توضح المؤرخة مارغريت بونسون ذلك بقولها:

"بنى بيبي الأول هرمه الجميل في سقارة. كان ذلك الأثر الجنائزي يُدعى (من-نفر-ما-رع)، أي «الهرم الراسخ والجميل لمن-نفر-ما-رع»، وسرعان ما صار الاسم يُطلَق على المنطقة المحيطة، بما في ذلك المدينة نفسها، فأُطلق عليها اسم من-نفر [الخالدة والجميلة] ثم (من-في)، وبعد قرون، عندما زار الإغريق العاصمة، ترجموا الاسم إلى ممفيس" (161)

فقد ملوك الأسرة السادسة السلطة على البلاد تدريجيًا مع تناقص الموارد، وازدياد ثروة ونفوذ كهنة رع والمسؤولين المحليين، وتدهور سلطة منف. تراجعت سلطة الملك بصورة متواصلة خلال حكم بيبي الثاني (حوالي 2278-2184 ق.م). جلب الجفاف معه المجاعة، ولم تستطع حكومة منف فعل شيء للتخفيف منها، فانهار البناء السلطوي للدولة القديمة.

صعود طيبة

استمرت منف في أداء دور العاصمة خلال الجزء المبكر من العصر المعروف بعصر الاضمحلال الأول (حوالي 2181-2040 ق.م)، وغالبًا ما تكون السجلات العائدة إلى هذا العصر مضطربة أو مفقودة، لكن يبدو أن منف بقيت العاصمة طوال الأسرتين السابعة والثامنة، مع ادعاء الملوك لأنفسهم سلطة وشرعية حكّام الدولة القديمة، غير أن مقر سلطانهم في العاصمة التقليدية كان الجانب الوحيد من الحكم الذي جمع بينهم والملوك السابقين لمصر، وبينما كانوا يتلهّون بالاعتقاد في سلطتهم الذاتية، بدأ المسؤولون المحليون (حكام الأقاليم) في إدارة مجتمعاتهم بصورة مستقلة، ومع ذلك يبدو أنه كان هناك قدر من الاعتراف بمنف كعاصمة، لكنها كانت كذلك بالاسم فقط.

كانت منف، بصفتها عاصمة الدولة القديمة، مركزًا ومصدرًا للجهاز الإداري المعقّد والواسع النفوذ الذي مكّن أولئك الملوك من تنظيم القوى العاملة والموارد اللازمة لبناء مجمّعاتهم وأهرامهم الهائلة.

نقل ملوك منف العاصمة إلى مدينة إهناسيا في مرحلةٍ ما، إمّا في أواخر الأسرة الثامنة أو أوائل الأسرة التاسعة، ربما في محاولةٍ ما لإحياء سلطتهم. أسبابهم لهذا الانتقال غير واضحة، لكن لم يكن لهم في إهناسيا شأنٌ أو تأثيرٌ في البلاد أكثر مما كان لهم في منف.

كان يُنظر تقليديًّا إلى عصر الاضمحلال الأول على أنه «عصر مظلم» يسوده الفوضى، لكنه في الواقع لم يكن سوى زمنٍ تمتع فيه حكّام الأقاليم بسلطةٍ أكبر من سلطة الحكومة المركزية، ولم تعد مصر موحَّدة تحت حُكم حاكمٍ قوي واحد. حقق المسؤولون المحليون (حكام الاقاليم) في الأقاليم المختلفة درجات متفاوتة من النجاح تبعًا لمواهبهم وإمكاناتهم الفردية، إلا أن مدينةً واحدة بدأت تزداد قوةً على غيرها بفضل قيادة حكّامها.

كانت طيبة مجرد مدينة إقليمية أخرى في صعيد مصر حين تولّى المسؤول المسمى إنتف الأول (حوالي 2125 ق.م) السلطة. أشعل إنتف الأول حماس الطيبيين وتحدّى سلطة الملوك في إهناسيا، وواصل خلفاؤه سياساته، فحاربوا الحكومة المركزية الضعيفة إلى أن جاء عهد منتوحوتب الثاني (حوالي 2061–2010 ق.م) الذي أطاح بملوك إهناسيا، ووحّد مصر تحت الحكم الطيبي.

أصبحت طيبة آنذاك عاصمة مصر، وبدأت الآثار العظيمة التي كانت تُشيَّد من قبل في منف تُقام الآن في هذه المدينة، ويُعتقد أن الحاكم المبكر وح عنخ -إنتف (حوالي 2112–2063 ق.م) هو أول من شيّد نصبًا تذكاريًا في الكرنك، ثم أضاف منتوحوتب الثاني إلى عظمة طيبة بمجمعه الجنائزي الخاص. استمرت المدينة عاصمةً حتى عهد أمنمحات الأول (حوالي 1991–1962 ق.م)، الذي نقل العاصمة شمالًا إلى أثيت تَاوي قرب اللشت.

استمرت منف وطيبة مركزين دينيين وثقافيين مهمين طوال عصر الدولة الوسطى، ومع ذلك. استمر بناء معبد الكرنك العظيم في طيبة، في حين ازداد في منف عدد المزارات والمعابد للإله بتاح. شَيَّد أمنمحات الأول مزارًا لبتاح في منف، كما واصل خلفاؤه رعاية المدينة مضيفين إليها آثارهم الخاصة.

واصل الملوك تكريم منف بالمعابد والآثار، حتى خلال عصر تراجع الدولة الوسطى في الأسرة الثالثة عشرة، وعلى الرغم من أن عبادة الإله آمون قد ازدادت شعبية، فإن بتاح ظل يُكْرَم في منف بوصفه الإله الحامي للمدينة، واستمرت منف مركزًا ثقافيًا وتجاريًا هامًا، تتاجر مع الأقاليم المختلفة في أنحاء مصر، بينما تجذب الزوار إلى المعابد والمزارات.

منف في عصر الدولة الحديثة

تلت الدولة الوسطى عصر أخر من عدم الاستقرار والانقسام عُرف بعصر الاضمحلال الثاني (حوالي 1782-1570 ق.م)، تميز أساسًا بصعود قوة قوم عُرفوا بالهكسوس الذين حكموا مصر السفلى من أواريس. سيطر هؤلاء على المدن المصرية انطلاقًا من معقلهم في الشمال، وهاجموا منف، حاملين معهم الآثار إلى أواريس، وبالرغم من أن الكتّاب المصريين المتأخرين زعموا أن الهكسوس دمّروا الثقافة المصرية واضطهدوا الشعب، فإنهم في الحقيقة أُعجبوا كثيرًا بتلك الثقافة وقلّدوها في فنونهم وعمارتهم وملابسهم وممارساتهم الدينية.

Colossus of Ramesses II
تمثال رمسيس الثاني الضخم Chanel Wheeler (CC BY-SA)

تُظهر منف أدلة على أضرار جسيمة خلال هذا العصر، إذ نقل الهكسوس منشآت إلى أواريس ودمّروا غيرها. طرد أحمس الأول (حوالي 1570-1544 ق.م) الطيبي الهكسوس من مصر، فأعاد توحيد البلاد وافتتح العصر المعروف بالدولة الحديثة (حوالي 1570-1069 ق.م). أصبحت طيبة مرة أخرى عاصمة لمصر، في حين واصلت منف دورها التقليدي كمركز ديني وتجاري.

شيَّد الملوك العظام في الدولة الحديثة مبانيهم في منف، فأقاموا المعابد والآثار. بنى أخناتون (1353-1336 ق.م) معبدًا لإلهه آتون في منف إبّان عصر العمارنة، حين أغلق المعابد ونفى عبادة سائر الآلهة، ونقل رمسيس الثاني (1279-1213 ق.م) عاصمة البلاد إلى مدينته الجديدة بر-رمسيس (في موقع أواريس)، لكنه كرم منف بعدد من الآثار الضخمة، وواصل خلفاؤه إظهار الاحترام لمنف، التي عُدّت المدينة الثانية في مصر بعد العاصمة.

الأهمية الدينية والأهمية اللاحقة

تمتّعت منف بمكانة رفيعة منذ تأسيسها وما زالت كذلك حتى بعد انحدار الدولة الحديثة ودخولها في عصر الاضمحلال الثالث (1069-525 ق.م)، وفي حين تعرضت مدن عدّة للإهمال في هذا العصر، ظلّت منزلة منف على حالها لم تتغيّر، وفي عام 671 ق.م، حين غزا الملك الآشوري آسرحدون (681-669 ق.م) مصر، تعمّد نهب منف واقتياد كبار وجهائها إلى عاصمته نينوى.

غير أن الأهمية الدينية للمدينة ضمنت بقاءها بعد الغزو الآشوري، فأعيد بناؤها. أصبحت منف مركزًا للمقاومة ضد الاحتلال الآشوري، فدمّرها مرة أخرى آشوربانيبال (668-627 ق.م)، الذي غزا مصر عام 666 ق.م، كما نهب آشوربانيبال طيبة وغيرها من المدن المهمة، ووضع آشوريين في مناصب رئيسة في أنحاء البلاد لضمان إحكام السيطرة.

انتعشت منف من جديد كمركز ديني، وفي ظل فراعنة الأسرة السادسة والعشرين السايسية (664-525 ق.م)، أُعيد بناء المدينة وتحصينها، واستمرّت عبادة آلهة مصر هناك، ولا سيما الإله بتاح، وأُقيمت مزيد من المقامات والنُّصُب تكريمًا لهم.

Alabaster Sphinx in Memphis
تمثال أبو الهول من الالباستر Ian Duffy (CC BY-NC-SA)

غزا القائد الفارسي قمبيز الثاني مصر عام 525 ق.م، وهزم الجيش في بلوزيوم (الفرما\بورسعيد) وتقدّم إلى منف. استولى على المدينة وحصّنها، وجعلها عاصمة لساترابية (ولاية\إقليم) مصر الفارسية، وعندما استولى الإسكندر الأكبر (356-323 ق.م) على مصر سنة 331 ق.م، تُوِّج فرعونًا في منف، رابطًا نفسه بالملوك العظام في الماضي

حافظ الفراعنة اليونانيون على مكانة المدينة التقليدية وهيبتها أثناء حكم دولة البطالمة (323-30 ق.م)، التي أعقبت وفاة الإسكندر. احترم بطليموس الأول (323-283 ق.م) المدينة ودفن جثمان الإسكندر بها في بداية حكمه، كما أضفى مزيدًا من التكريم على منف حين أسّس عبادة الإله الجديد سيرابيس في سقارة القريبة، ثم قام بطليموس الثاني (283-246 ق.م) بنقل جثمان الإسكندر إلى الإسكندرية، وشرع في عدد من المشروعات العمرانية هناك، بما في ذلك بناء السِّرابيوم والمكتبة الكبرى والجامعة، وأصبحت الإسكندرية جوهرة مصر ومركزًا للعلم والثقافة، في حين بدأت منف في الانحدار.

ظلّت المدينة رغمًا عن ذلك، مركزاً دينياً مهماً، وكان كهنة المدينة في مرتبة موازية للسلطات الدنيوية من حيث النفوذ. وقد أُعيد بناء معابد الآلهة ومزاراتهم وجُدِّدت في عهد البطالمة، وشُيِّدت مبانٍ جديدة. ويكتب عالم المصريات ألان ب. لويد:

"كان الكهنة يتمركزون في معابد عدّة، كانت تُعاد بناؤها أو تُزخرف كثيرًا في عهد البطالمة، وما زالت تمثّل بعضًا من أروع وأكمل ما تبقّى من آثار الثقافة الفرعونية." (شو، 406)

لم تكن هذه المعابد، في منف وغيرها، مجرّد مساكن للآلهة ومراكز للعبادة، بل كانت أشبه بمصانع تُنتِج الملابس والقطع المصنَّعة والأعمال الفنية مثل اللوحات. حافظت معابد منف على سمعة المدينة في وضع حسن، لكن مع استمرار دولة البطالمة فقدت منف مكانتها لمصلحة الإسكندرية. صدر مرسوم منف (المعروف أكثر بحجر رشيد) سنة 196 ق.م عن بطليموس الخامس، ومن بعد ذلك أخذت المدينة تفقد هيبتها تدريجيًا.

Rosetta Stone
حجر رشيد Trustees of the British Museum (Copyright)

انحدار منف

انتهت دولة البطالمة بوفاة آخر ملكة، كليوباترا السابعة (69–30 ق.م)، وضُمَّت مصر إلى روما. أصبحت الإسكندرية، بمينائها العظيم ومراكزها العلمية، محور إدارة الرومان لمصر، وطُويت صفحة منف في طيّ النسيان، ومع صعود المسيحية في القرن الرابع الميلادي، تدهورت حال منف أكثر، إذ قلَّ عدد الزائرين للأضرحة والمعابد، وبحلول القرن الخامس الميلادي، حين أصبحت المسيحية الديانة السائدة في الإمبراطورية الرومانية، كانت منف قد آلت إلى الخراب.

كانت منف في حالة خراب بحلول وقت الفتح العربي في القرن السابع الميلادي، فُكِّكَت المعابد والمباني والمزارات والأسوار واستُخدمت لبناء مدينة الفسطاط، أول عاصمة لمصر الإسلامية، وكذلك مدينة القاهرة اللاحقة. لم يبقَ من مدينة منف في الوقت الحاضر، سوى قواعد الأعمدة، والأساسات، وبقايا الجدران، والتماثيل المكسَّرة، وقطع متناثرة من الأعمدة بالقرب من قرية ميت رهينة.

أدرجت اليونسكو الموقع على قائمة التراث العالمي عام 1979م بوصفه مكانًا ذا أهمية ثقافية خاصة، ولا يزال موقعًا سياحيًا شهيرًا يضم متحفًا، ويُعدّ أبو الهول المصنوع من الألباستر(المرمر) وتمثال رمسيس الثاني الضخم من المناظر اللافتة على نحو خاص، ويُعجب الزوّار بالموقع في الحاضر بقدر ما أُعجب بمدينة منف في العصور القديمة.

نبذة عن المترجم

نبذة عن الكاتب

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Mark, J. J. (2026, October 06). منف (مصر القديمة). (M. Ismael, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-15071/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Mark, Joshua J.. "منف (مصر القديمة)." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, October 06, 2026. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-15071/.

التوثيق بنمط MLA

Mark, Joshua J.. "منف (مصر القديمة)." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, 06 Oct 2026, https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-15071/.

إزالة الإعلانات