تعرض الرئيس الأمريكي أبراهام لينكون مساء يوم 14 أبريل عام 1865 لحادثة اغتيال أودت بحياته، وذلك إثر إصابة في مؤخرة رأسه بعد إطلاق النار عليه من قِبل شخص يُدعى جون ويلكس بوث، وذلك أثناء حضوره لمسرحية في مسرح فورد في العاصمة واشنطن. وقد هز هذا الاغتيال أركان البلد المضطرب الذي كان لا يزال يعاني من أهوال الحرب الأهلية الأمريكية، إذ أثّر الاغتيال في الطريقة التي سعت بها الولايات المتحدة لتضميد جراحها بعد دخولها عصر إعادة الإعمار.
خلفية الأحداث: نصرٌ وهزيمة
استيقظت مدينة واشنطن في صباح 10 أبريل عام 1865 على دوي المدافع، وهو الصوت الذي كان يرهبه أهالي واشنطن خلال السنوات الأربع الماضية، فلطالما اقتربت أمواج الحرب الأهلية الأمريكية الدامية من مدينتهم. لكن الأمر بدا مُختلفًا هذه المرة. فقد كان دوي 500 مدفع، كتحية عسكرية مهيبة تُبشّر بحلول السلام. إذ أعلن الجنرال الكونفدرالي روبرت إدوارد لي استسلامه في اليوم السابق لجنرال الاتحاد يوليسيس سيمبسون غرانت في منطقة تُدعى (أبوماتوكس). ورغم سوء الأحوال الجوية، إلا أن نشوة الفرح دفعت سكان واشنطن للخروج من منازلهم للاحتفال. وكتب الصحفي نوح بروكس، وقد كان يتناول طعام الإفطار برفقة الرئيس عندما بدأت الاحتفالات: " كانت الشوارع الموحِلة تعج بالناس، فكانوا يهتفون ويغنون ويحملون الأعلام محيين بعضهم بعضًا" (نقلًا عن Meacham, 388). وفي ذلك اليوم ذو الطقس الكئيب، عزفت الفرق الموسيقية وبكى الناس وأضاءت الألعاب النارية سماء المدينة المظلمة.
وفي مساء 11 أبريل، احتشدت الجموع في ساحة البيت الأبيض آملين بإلقاء نظرة على الرئيس لينكون، إذ كان على وشك إلقاء أول خطاب له منذ انتشار أنباء استسلام الكونفدراليين. ولكن إن كان باعتقاد هذا الجمع الغفير من أنصار الاتحاد أن الرئيس سيشاركهم فرحتهم، فقد خاب ظنهم. إذ أطل عليهم بوجهٍ عابس واجم، أرهقه تعب الحفاظ على تماسك الدولة المُمزقة لأربع سنوات. حيث وقف لينكون على نافذة في الطابق الثاني، تحت الرواق الشمالي للبيت الأبيض، وقرأ الخطاب من المخطوطة بين يديه مستعينًا بضوء الشمعة المتقطع التي كان يحملها الصحفي نوح بروكس. وكان عند انتهائه من قراءة صفحة، يدعها تسقط أرضًا ليلتقطها ابنه الأصغر تاد القابع عند قدميه. وخلال خطابه، لم يتحدث الرئيس عن أحدث الانتصارات العظيمة، بل عن التحديات القادمة. فتحدث عن الصعوبات التي سترافق فترة إعادة الإعمار وعن ضرورة التعافي من تَبعات التمرد وعن إعادة الترابط بين جميع ولايات الاتحاد. كما أكد على أهمية تمديد حق التصويت للأمريكيين الأفارقة، وخصوصًا أولئك الذين خدموا كجنود في الجيش. وبالمجمل، كان خطاب لينكون تأكيدًا على أنه حتى وإن انتهت الحرب، فلا يزال هنالك الكثير لإنجازه.
ومع انتهاء الخطاب، بدأت الحشود تتفرق تماشيًا مع هطول رذاذ خفيف من المطر. أما كلمة الرئيس، فقد حيّرت بعض الحاضرين وأحبطت آخرين. وكان من بين الحاضرين شخص يستشيط غضبًا، وهو جون ويلكس بوث الممثل الشاب الوسيم، الذي اشتُهر بأدواره في مسرحيات شكسبير إلى جانب شقيقه الأكبر والأكثر شهرة إدوين. ورغم كون إدوين مؤيدًا شرسًا للاتحاد، فقد تعاطف بوث مع ولايات الجنوب. إذ أراد الانضمام فيما مضى إلى الجيش الكونفدرالي، إلا أن قلق والدته عليه جعله يعدل عن قراره. ومع استمرار الحرب، لم يكن بمقدور بوث سوى المشاهدة من بعيد بعد أن استبد به الشعور بالمرارة والعجز، وذلك مع انقلاب موازين الحرب ضد الجنوب. وخلال الأشهر التي سبقت الانتخابات الرئاسية للعام 1864، حاك بوث مؤامرة لمساعدة الكونفدرالية، تقوم على اختطاف الرئيس لينكون واحتجازه مقابل فدية، بل إنه مضى إلى أبعد من ذلك، فقد استعان بعدة متآمرين لمساعدته، إلا أن الفرصة لم تسنح لتنفيذ خطته. ومع مشارفة الحرب على الانتهاء، غدت أفكاره أكثر سوداوية ودموية. ومع انتهاء لينكون من خطابه، التفت بوث إلى صديقه لويس باول وأقسم على أن يكون هذا الخطاب هو "آخر خطاب يلقيه الرئيس في حياته" (نقلًا عن Alford, 257).
يوم لينكون الأخير
تواجد لينكون كعادته في مكتبه في السابعة صباحًا من يوم الجمعة العظيمة الموافق 14 أبريل عام 1865. ورغم ما عاناه من مرض وصداع شديد في الليلة السابقة، إلا أنه كان في مزاج جيد، فقد عاد ابنه روبرت تود لينكون من فرجينيا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وعيد الفصح مع عائلته. وبعد انتهائه من التعامل مع سيل من أصحاب الطلبات، انضم لينكون إلى زوجته ماري وابنه روبرت لتناول طعام الإفطار عند الساعة الحادية عشرة صباحًا. وأثناء جلوسهم، قدّم روبرت لوالده صورة لروبرت إدوارد لي، وأطلق دعابة بشأن الجنرال المُتمرد والمهزوم. وقبل أن يتأمل الصورة، أخذ الرئيس يلمع نظارتيه بواسطة منديل، ليقول بعدها بصوت خافت: "يا له من وجه جميل، وإنني سعيد بانتهاء الحرب" (نقلًا عن Foote, 974).
وبعد انتهائه من الإفطار، عاد لينكون إلى عمله. حيث قابل المتحدث باسم مجلس النوّاب الأمريكي سكايلر كولفاكس وعضو مجلس الشيوخ الأمريكي جون كريسويل. وما إن رأى كريسويل حتى هتف مُرحبًا به: "زميلي القديم كريسويل، يبدو كل شيء مُشرقًا هذا الصباح، لقد انتهت الحرب، رغم ما كابدناه من أيام صعبة، إلا أننا ها قد تجاوزناها" (المرجع نفسه). وعند انتهائهم من أعمالهم، غادر عضوا الكونغرس تاركين لينكون لأعماله من توقيع لبعض قرارات التعيين والموافقة على قرار تسريح لأحد العسكريين. ووسط انشغاله بمهامه الرئاسية، تسنى له إيجاد بعض الوقت لإرسال مرسال إلى مسرح فورد الواقع في شارع 10 لحجز مقصورة رسمية لحضور عرض ذلك المساء للمسرحية الكوميدية (ابن عمنا الأمريكي). كما أبلغ إدارة المسرح بأن يتوقعوا إقبالًا جماهيريًا واسعًا، وذلك لعزمه على اصطحاب ضيف مميز، وهو الجنرال يوليسيس سيمبسون غرانت. وسيرغب جميع سكان واشنطن بلا شك، في إلقاء نظرة على مُنقذ الاتحاد.
توجه لينكون عند الظهيرة إلى وزارة الحرب ليلتقي مع الجنرال غرانت وعدد من أعضاء حكومته. حيث اجتمعوا بهدف مناقشة نهاية الحرب، فعلى الرغم من استسلام الجنرال روبرت لي، إلا أن الجنرال جوزيف إغلستون جونستون كان لا يزال في الميدان برفقة جيش ثائر يقدر بنحو 20,000 جندي. لم يبدو على لينكون علامات الانزعاج، بل على العكس، قال بأنه واثق من سماعهم للأخبار الجيدة قريبًا، فقد راوده حُلمٌ غريب، وهو الحلم ذاته الذي كان يراوده قبيل كل حدث كبير في الحرب، مثل الهجوم على حصن سمتر، وقبل معركة أنتيتام، وقبل معركة غيتيسبيرغ. وفي ذلك الحلم، رأى لينكون نفسه وحيدًا على متن قارب، "يطفو وينساب بعيدًا في فضاءٍ غامض، نحو شاطئ مجهول" (نقلًا عن Foote، 975). ولم تكن مثل هذه الأحلام تراود الرئيس إلا قبل بعض الأحداث الهامة، ولذلك كان على يقين بأن الحلم يبشره بقرب استسلام جونستون.
وعقب انتهاء الاجتماع، استوقف لينكون الجنرال غرانت لمناقشة خططهما لذلك المساء. ولكن أصيب بالإحباط عندما علِم بأن الجنرال لا ينوي مرافقته تلك الليلة. بدا غرانت محرجًا قليلًا وهو يوضح سبب عدم حضوره، وذلك لأنه وزوجته جوليا سيستقلان القطار لزيارة أطفالهما في فيلادلفيا. إلا أن كلا الرجلين يعرفان حقيقة الأمر، إذ أن ماري تود لينكون أصبحت تشعر بالغيرة من عائلة غرانت في الآونة الأخيرة، وجوليا لا تود المخاطرة والتسبب بفضيحة أمام العلن في مسرح فورد.
لم يضغط لينكون على غرانت لكي لا يضعه في موقف مُحرج، إلا أن ملامحه تغيرت وباتت كئيبة بعد أن عاد أدراجه إلى مكتبه. وقد لاحظ حارسه المدعو ويليام كروك بأن الرئيس بدا مُحبطًا، حتى أنه أعرب بعدم رغبته في الذهاب إلى المسرح ذلك المساء. وعند انتهاء نوبة حراسة كروك عند الساعة 4:30 مساءً في ذلك اليوم، ودعه لينكون قائلًا: "وداعًا يا كروك"، وهو ما أثار استغراب الحارس، إذ لم يسبق للرئيس أن ودعه بهذه العبارة، وإنما اعتاد أن يودعه قائلًا: "طابت ليلتك يا كروك".
بدا لينكون أفضل حالًا عندما توجه للقاء زوجته ماري في عربتها للذهاب إلى المسرح معًا. وفي الطريق، أمسك لينكون يدها وأخبرها بأنه يعتزم ذهابهما بعد انتهاء فترة رئاسته إلى أوروبا قبل رجوعهما إلى سبرينغفيلد بولاية إلينوي، حيث سيستأنف مزاولة المحاماة. كما اصطحبا في طريقهما الضيفين اللذين حلا محل عائلة غرانت في اللحظة الأخيرة، وهما الرائد هنري راثبون وخطيبته كلارا هاريس، وذلك قبل وصولهما إلى مسرح فورد عند الساعة 8:30 مساءً. ورغم وصولهم العرض متأخرين وقد بلغ منتصف الفصل الأول، إلا أن ذلك لم يمنع الأوركسترا من عزف مقطوعة " Hail to the Chief" أو "يحيا الرئيس" فور دخول عائلة لينكون إلى المقصورة المُخصصة لهم. وعلا صوت هتاف الجماهير الذين بلغ عددهم 1,700 شخصًا بعد أن التفتوا إلى الأعلى. وبعد أن هدأ الجمهور، جلس الرئيس برفقة زوجته لمشاهدة العرض. أما ماري تود، فيبدو بأنها قد تأثرت بالمودة التي أبداها لها زوجها وهما في العربة، فقد كانت متشبثة بذراعه وكأنها شابة يافعة واقعة في الحب، ومن ثم همست قائلة:" يا تُرى، ماذا ستظن الآنسة هاريس عندما تراني متشبثة بك بهذا الشكل؟". لم يرفع لينكون عينيه عن خشبة المسرح، وأجابها قائلًا: "لن تظن شيئًا حيال هذا الموضوع" (نقلًا عن Foote, 979).
اغتيال الرئيس
كان جون ويلكس بوث قد شق طريقه إلى مسرح فورد في نفس الوقت الذي كان فيه الرئيس لينكون يتشاور مع غرانت في وزارة الحرب. ووصفه أحد الشهود قائلًا: "كان مُتأنقًا على نحو لا تشوبه شائبة، وقد ارتدى بدلة داكنة اللون مع قبعة طويلة من الحرير وقفازين جلديين بلون هادئ، كما ألقى بمعطف خفيف على ذراعه، وفي يده عصا للاستناد عليها" (نقلًا عن Meacham, 398). حيّا بوث هاري فورد، وهو أحد مالكي المسرح، وسأله عن المسرحية التي ستُعرض تلك الليلة. ليعلن فورد بكل سرور بأن العرض سيكون للمسرحية الكوميدية (ابن عمنا الأمريكي). ولم يكن ذلك كل شيء، فقد أردف قائلًا:" سيحضر الرئيس عرض المساء برفقة الجنرال غرانت،" وتابع ممازحًا: " لقد أصبح الجنرال لي أسيرًا لدينا، وسنضعه في المقصورة الأخرى" (نقلًا عن Alford, 359). إلا أن تلك المزحة لم ترُق لبوث، فانفجر قائلًا:" مُحال، يستحيل أن يرضى الجنرال لي لنفسه بأن يُعامل كما عامل الرومان أسراهم واستعرضوهم أمام الناس" (المرجع نفسه).
فوجئ فورد برد فعل بوث وأوضح له بأنه وإن كان يمزح بشأن الجنرال لي، فإن لينكون سيحضر العرض بالفعل. غادر بوث مستأنفًا سيره في شارع 10، وقد صادف في طريقه المحرر في صحيفة (ناشيونال إنتليجنسر) جون إف. كويل. وبعد أن تبادلا التحية، وانطلق بوث في حديث لاذع مُعربًا عن أسفهِ البالغ لاستسلام الجنوب وانهيار الكونفدرالية. واتخذ النقاش فيما بعد منحى أكثر سوداوية، إذ سأل بوث كويل عما سيحدث لو قُتل لينكون وجميع خلفائه في الوقت نفسه. فأجابه كويل: "ستعم الفوضى، أو سيُطبق ما ينُص عليه الدستور. ويا له من هراء، فلم يعُد في زماننا رجال من أمثال ماركوس بروتس" (نقلًا عن Meacham, 399). وافقه بوث الرأي ومضى في طريقه والأفكار تدور في رأسه. ومن ثم توجه إلى نُزل (كيركوود هاوس) قاصدًا نائب الرئيس أندرو جونسون حيث كان يقيم ليستفسر عما إذا كان في الداخل. وبعد فترة وجيزة، مرّ على مجموعة تضُم 440 أسير حرب كونفدراليًا من أسرى الحرب، ورغم هلعه من المشهد، إلا أنه ازداد إصرارًا لتنفيذ خطته.
وفي تمام الساعة الثامنة من ذلك المساء، قام باستدعاء شركاءِه في المؤامرة إلى اجتماع على ضوء الشموع داخل نُزُل (هيرندون هاوس)، وأوضح لهم أن زمن اختطاف الرئيس قد ولّى، وأن الخيار الوحيد الآن اغتيال الرئيس. وصاح قائلًا: " سيكون هذا أعظم إنجاز على الإطلاق". إلّا أن بوث لم يكُن سيكتفي باغتيال الرئيس لينكون فقط، بل كان هدفه الإطاحة بالحكومة الفدرالية بأكملها والانتقام للكونفدرالية المهزومة عن طريق إقحام البلاد بالفوضى. كما لم يُهدر من وقته في توزيع المهام، فأوكل إلى صديقه لويس باول، وهو جندي سابق في الجيش الكونفدرالي، مهمة اغتيال وزير الخارجية وليام هنري سيوارد. وكان معلومًا آنذاك، بكونه طريحًا للفراش إثر حادث عربة تعرض له قبل بضعة أيام، مما أدى إلى كسر في فكه وذراعه، وبالتالي، لن تشكل مهاجمته في سريره أي عائق. أما جورج أتزرودت، وهو عامل تصليح من أصول ألمانية أمريكية، فكُلف بالتوجه إلى (كيركوود هاوس) لاغتيال نائب الرئيس أندرو جونسون. وعندما حاول أتزرودت الانسحاب من المهمة مؤكدًا على أنه وافق على اختطاف لينكون وليس ارتكاب جريمة قتل، هدده بوث بإطلاق النار عليه بعد أن استبد به الهوس، فلم يكن بوسع أتزرودت سوى الموافقة على اغتيال جونسون. وتكفل بوث باغتيال لينكون بنفسه، فيما تولى رابعهم وهو ديفيد هيرولد مهمة معاونتهم على الفرار. وكان مُقررًا أن تُنفذ جميع عمليات الاغتيال في الوقت نفسه عند الساعة العاشرة مساءًا.
وانطلق القتلة المرتقبون خلال الليل للاستعداد للمهمة الدموية البشعة التي تنتظرهم. أما بوث فقد عاد أدراجه إلى مسرح فورد مُسلحًا بمسدس من طراز (درنجر) عيار 41. وسكين (باوي). ودخل المسرح في تمام الساعة 10:10 مساءً. إذ كان بوسعه دخول جميع أرجاء المسرح بحريّة بحكم كونه ممثلًا مشهورًا، ولهذا لم يثر دخوله إلى مقصورة الرئيس أي شبهة. وكان من بين أصدقائه الذين لاحظوا وجوده الممثلة جيني غورلاي، والتي ذكرت لاحقًا بأنه بدا "شاحبًا كالموت" (نقلًا عن Alford, 263). وفي تمام الساعة 10:14 مساءً، تسلل بوث بهدوء إلى مقصورة الرئيس وأغلق وراءه الباب مُستخدمًا لوحًا خشبيًا لإحكام إغلاقه ومنع فتحه. ومن ثم استقر في عتمة الممر مُنصتًا إلى أصوات الممثلين على خشبة المسرح في الأسفل، مُترقبًا الجملة التي يعرف بأنها ستثير موجة ضحك وسط الجمهور. وبعد لحظات، سمعها:
"ألا تعرفين شيئًا عن آداب المجتمع الراقي؟ حسنًا، أظن أنني أعرف ما يكفي لأقلب حياتك رأسًا على عقب، أيتها العجوز الفاتنة الماكرة!"
(نقلًا عن Foote, 980).
وكما توقَّع بوث، فقد انفجر الجمهور ضاحكًا، وحانت اللحظة المُنتظرة. فكما ذكر بوث لاحقًا في مذكراته: " لا أُبالي بما سيؤول إليه مصيري، أقدمت على فعلتي بشجاعة، من أجل وطني، ولا شيء سواه" (نقلًا عن Alford, 265). ثم خطى إلى الأمام واستل مسدسه وأطلق النار.
الاغتيال وما بعده
لمع وميض خاطف ودويّ مكتوم. وكان جسد لينكون مائلًا للأمام وهو على كُرسيه، ورأسه متدلٍ على صدره إثر الرصاصة التي أصابت خلف أذنه اليسرى. وقف الرائد راثبون، الذي حلّ ضيفًا على عائلة لينكون في اللحظة الأخيرة، وانقضّ بشكل غريزي على القاتل مطوقًا إياه بذراعيه. أخذ بوث يكافح ليتحرر من قبضته كثعلب مسعور وقع في فخ، ليزمجر قائلًا بغضب:" أفلتني وإلّا قتلتك". (المرجع نفسه). لم يستجب راثبون للتهديد، إذ تمكن من إحكام قبضته حول عنق بوث، غير أن القاتل استطاع أن يُحرر ذراعه اليمنى لينتزع سكينًا من جيبه ليغرسها في ذراع الرائد. أفلت راثبون القاتل صارخًا من شدة الألم، أما بوث فقد قفز من المقصورة وسقط من ارتفاع اثني عشر قدمًا على خشبة المسرح في الأسفل، ليرتطم بالأرض مُحدثًا صوت تهشم مروّع، مما أدى إلى كسر في عظمة ركبته اليسرى.
لم يشعر القاتل المنتشي بانتصاره بأي ألم، وذلك لأن جسده كان مُفعمًا بالأدرينالين. إذ وقف حاملًا سكينه المُلطخ بالدماء فوق رأسه، وصاح بدرامية ممثل مُبالغ فيها: "هكذا دائمًا للطغاة"، وهي الشعار الرسمي لولاية فرجينيا، وربما صاح بعبارة: " أخذ الجنوب ثأره"، وربما صاح بالعبارتين معًا، ومن ثم التفت مغادرًا المسرح. أما الجمهور، فكانوا مذهولين وغير مُصدقين لما شهدوه لتوهم. وأفاقوا من ذهولهم على عويل السيدة لينكون المُوجع وصراخ الرائد راثبون الهستيري وهو يقول:" أوقفوا ذلك الرجل". كما روى من كان قريبًا من بوث عند وقوع الحادثة بأن "شفتاه كانتا مشدودتين على أسنانه، وكان يلهث بشدة"، وبأنه ظل يتمتم مع نفسه قائلًا: "لقد فعلتها... لقد فعلتها" (المرجع نفسه). خرج القاتل من أحد أبواب المسرح الخلفية إلى الزقاق، حيث كان فتى المسرح جوزيف (بينتس) بوروز يقف مُمسكًا بحصانه. وبعد معاناة، تمكن بوث من اعتلاء الحصان بجسده الجريح لينطلق بعيدًا. وحين خرج الجنود وزوار المسرح للبحث عنه، كان قد رحل.
وفي تلك الأثناء، هرع جرّاح يبلغ من العمر 23 عامًا، يُدعى تشارلز ليْل، نحو مقصورة الرئيس. وكما ذَكر لاحقًا، فقد كان جسد لينكون مُمددًا على كُرسيه وكأنه غارق في سُبات عميق. ولم يمر وقت طويل ليدرك بأن الإصابة قاتلة. ورغم ذلك، قرر ليْل وطبيبان انضما له بأن من الأفضل نقل الرئيس إلى المنزل الخاص بويليام بيترسون في الجهة المُقابلة للشارع. وهُناك، نُقل لينكون إلى غرفة نوم ضيقة لا تتجاوز مساحتها تسعة أقدام في خمسة عشر قدمًا، ووُضع على سرير أصغر من أن يتسع لجسده الطويل. وقد تعاون ليْل مع بقية الجراحين على معالجة الرئيس، بينما احتشد أعضاء الحكومة وغيرهم من المسؤولين حول المبنى في الخارج.
وكان نائب الرئيس جونسون حاضرًا بينهم، إذ لم يتمكن أتزرودت من استجماع شجاعته لمهاجمته، مثلما أخفق باول في اغتيال سيوارد، مما يعني بأن بوث وحده من نجح في تنفيذ مهمته. أما المُناصر الكبير للاتحاد، السيناتور تشارلز سومنر، فقد انهار باكيًا بمُجرد رؤيته للرئيس، كما استذكر وزير البحرية جدعون ويلز لاحقًا مظهر لينكون ذلك اليوم قائلًا: " ملامحه كانت هادئة وبارزة، إذ لم يسبق لي بأن رأيته بوضع أفضل مما كان عليه خلال الساعة الأولى من تواجدي هناك. فبعد ذلك بدأت عينه اليمنى تتورم ويتغير لونها" (نقلًا عن Meacham, 404).
أما السيدة لينكون، فكانت في حالة لا يرثى لها، إذ اضطروا لنقلها إلى غرفة مُجاورة بعدما بكت كثيرًا. وبعد بذل الجراحين ما في وسعهم، بات واضحًا للجميع بأنه لم يعد بالإمكان فعل شيء سوى الدعاء. وفي تمام الساعة 7:22 من صباح يوم 15 أبريل عام 1865، وبعد تسع ساعات من إطلاق النار عليه، زفر الرئيس أبراهام لينكون آخر أنفاسه وفارق الحياة. اجتمع الحاضرون والجراحون حول جثمان الرئيس وقد اغرورقت عيونهم بالدموع، لينطق وزير الحرب إدوين ستانتون بكلماته الخالدة قائلًا: " والآن أصبح ينتمي للتاريخ".
نُقل جثمان الرئيس إلى مبنى الكابيتول حيث سجِّي هناك يومي 19 و20 من شهر أبريل قبل حمله على متن قطار جنائزي في رحلة استغرقت أسبوعين للعودة إلى سبرنغفيلد في ولاية إلينوي. وقد خرج ملايين المواطنين لتقديم واجب العزاء طوال مسير القطار. أما بوث، فظلّ فارًا إلى أن تمكنت القوات الفدرالية من تعقبه والإجهاز عليه بعد 12 يومًا من المُطاردة. شكلت عملية اغتيال لينكون نقطة تحوّل حاسمة للأمة خلال دخولها مرحلة إعادة الإعمار. ومثلما تنبأ الرئيس الشهيد من قبل، فإن أصعب الأيام وأشدها سوداوية لا تزال في انتظار البلاد.

