جون لوك

Mark Cartwright
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF
John Locke (by Godfrey Kneller, Public Domain)
جون لوك Godfrey Kneller (Public Domain)

يُعتبر جون لوك (١٦٣٢–١٧٠٤) فيلسوفًا إنجليزيًا مسؤولًا عن وضع أسس عصر التنوير الأوروبي. رأى لوك أن لكل فرع من فروع الحكومة سُلُطات مستقلة، وأنه ينبغي حماية الحرية من تدخل الدولة، وأن من واجب الدولة صون الملكية الخاصة لمواطنيها. لقد أثّرت هذه الأفكار تأثيرًا كبيرًا في الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية. طرح لوك كذلك نظرية جديدة لاكتساب المعرفة، تقوم كليًا على الخبرة والتأمل.

نشأته وحياته المبكرة

وُلِد جون لوك في ٢٩ أغسطس ١٦٣٢ في وارينجتون، في مقاطعة سومرست، إنجلترا، لعائلة بيوريتانية متواضعة من التجار. خلال الأوقات العصيبة للحروب الأهلية الإنجليزية (١٦٤٢–١٦٥١)، قاتل والد جون في صفوف جيش البرلمانيين، الذين انتصروا في النهاية وأطاحوا بالنظام الملكي. تلقى جون تعليمه في مدرسة وستمنستر، والتي كانت أفضل مدرسة في إنجلترا آنذاك. وفي عام ١٦٥٢، التحق بجامعة أكسفورد، وطمحَ والده إلى أن يضمه إلى الكنيسة. كما تبيَّن لاحقًا على الرغم من أن جون حافظ على اهتمامه بالشؤون الكنسية طوال حياته، إلا أنه فضل دراسة الطب كثيرًا. ومن بين مجالات المعرفة الأخرى التي أثارت اهتمام لوك كان علم الأرصاد الجوية، فقد احتفظ بمذكرات الطقس بدقة، بالإضافة إلى التجارب العملية مثل استخدام مضخات الهواء مع العالم الشهير روبرت بويل (١٦٢٧–١٦٩١). أصبح لوك عضوًا في الجمعية الملكية في لندن عام ١٦٦٨.

جاءت نقطة التحوّل الكبرى في حياة لوك عام ١٦٦٧، حين أصبح الطبيب الشخصي والسكرتير لأنتوني آشلي كوبر، الذي أصبح فيما بعد إيرل شافتسبري. أثّرت سياسات الإيرل في تفكير لوك، إذ آمن شافتسبري بشدة بضرورة استعادة الكاثوليكية لتكون الديانة الرئيسية في إنجلترا، وأن سلطات الملك يجب أن تخضع لرقابة البرلمان. أقام لوك في لندن وظل مع الإيرل حتى عام ١٦٨٣. كما أمضى لوك بعض الوقت في فرنسا بين عامي ١٦٧٥ و١٦٧٩، حيث درس أعمال فلاسفة مثل رينيه ديكارت (١٥٩٦–١٦٥٠).

يقدم (أشعيا برلين) الملخص التالي لشخصية لوك:

رجلًا لطيف الطبع، خجولًا وودودًا، محبوبًا ومحترمًا على نطاق واسع، لا أعداء له، و كان يمتلك قدرة مذهلة على استيعاب بعض الأفكار الأصلية والثورية الكثيرة التي تميزَ عصره بها و تفسيرها بلغة بسيطة.

William of Orange Landing in England
نزول ويليام أوف أورانج إلى إنجلترا John Wyck (Public Domain)

الواقع السياسي والمنفى

أصبح لوك ناشطًا في السياسة الإنجليزية، لكن الاضطرابات ازدادت مع عودة النظام الملكي عام ١٦٦٠، عندما انتهى الحكم الذي كان يتزايد فيه طابع الاستبداد لأوليفر كرومويل (١٥٩٩–١٦٥٨) وخَلَفه ريتشارد كرومويل. تولّى تشارلز الثاني ملك إنجلترا (حكم من عام ١٦٦٠ إلى عام ١٦٨٥) العرش، وبذلك استمرّت سلالة أسرة ستيوارت. شارك لوك في التأسيس الرسمي للإمبراطورية البريطانية في أمريكا الشمالية. في ٢٤ مارس ١٦٦٣، منح تشارلز أراضي "كارولينا" في أمريكا الشمالية لثمانية نبلاء. كتبَ لوك دستور المستعمرة، رغم طابعه الإقطاعي المدهش.

يرتكز النظام السياسي لدى لوك على ثقته بقدرة الإنسان على التعاون من أجل تحقيق الأهداف المشتركة.

أدت سياسات لوك المعادية لعائلة ستيوارت وارتباطه الوثيق بإيرل شافتسبري (الذي اتُهم بالخيانة وسُجن في برج لندن) في النهاية إلى ضرورية نفي نفسه بين عامي (١٦٨٣ و١٦٨٩) إلى هولندا. لم يُضِع لوك وقته خلال تلك الفترة، بل قضى معظمها في كتابة الأعمال التي كان من شأنها أن تُرسخ اسمه كأحد أبرز فلاسفة القرن السابع عشر.عاد لوك إلى إنجلترا بعد الثورة المجيدة عام ١٦٨٨، التي شهدت غزو البروتستانتي ويليام أوف أورانج (١٦٥٠–١٧٠٢) لإنجلترا، ثم تولّيه العرش من الملك الكاثوليكي جيمس الثاني (حكم بين ١٦٨٥ و١٦٨٨) بطريقة سلمية. ابتداءً من عام ١٦٨٩، شرعَ لوك في نشر أعماله المتعلقة بالفلسفة السياسية، كما واصل مسيرته في العمل السياسي من خلال مشاركته في العديد من اللجان.

رسالتان في الحكم

نشر لوك عمله رسالتان في الحكم عام ١٦٨٩. أصبحت الرسالة الثانية «نص أساسي في تطور الليبرالية الحديثة، [ورغم أنها كُتبت قبل سنوات] يبرر الثورة المجيدة بالحجة القائلة بأن الشرعية السياسية تعتمد على موافقة المحكومين، وبالتأكيد على الحق في المقاومة.» (تشيسك، ص. ٢٦٠). وتشرح الرسالتان الاعتقاد بأن الأفراد أكثر أهمية من المؤسسات مثل الملوك المُطْلَقِين والكنيسة. يجب حماية الحرية الفردية من السلطة الجماعية المتسلطة. يقدم لوك فكرة فصل السُلُطات لمختلف أجهزة الحكم (الملك، والمجلسين التشريعيين الأعلى والأدنى، والسلطة القضائية) في رسالته الثانية عن الحكم. اقترح لوك نظام حكم يتكوّن من ثلاثة أقسام: السلطة التنفيذية (مثل الملك الذي يطبّق القوانين)، والسلطة التشريعية (برلمان شعبي يعتمد على حكم الأغلبية ويضع القوانين)، والسلطة الاتحادية (التي تتولى شؤون السياسة الخارجية). معاقبة من يخالفون القوانين هي من مسؤولية سُلطة قضائية مستقلة. قد طورت فكرة فصل السُلُطات بين العديد من الهيئات الحكومية من قِبل الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو (١٦٨٩–١٧٥٧) في كتابه "روح القوانين" الذي نُشِر في عام ١٧٤٨. يُعدّ مفهوم لوك في فصل السُلُطات أقلّ صرامة بعض الشيء، إذ أصرّ على أن تحتفظ السلطة التنفيذية بما أسماه «الامتياز»، أي أن لها أن تتصرف كما تراه مناسبًا في الحالات التي يجب فيها تجاهل السُلطة التشريعية أو حتى القوانين نفسها إذا تهدّد الخير العام للشعب.

يقوم النظام السياسي لدى لوك على ثقته بقدرة البشر على التعاون من أجل تحقيق الأهداف المشتركة. و يجادل بأنّ البشرية، حتى في حالتها الطبيعة، تلتزم بالقانون الكوني الذي ينصّ على أنه «لا ينبغي لأحد أن يؤذي غيره في حياته، أو صحته، أو حريته، أو ممتلكاته» (نقلاً عن بوبكن، ص. ٧٧). الدولة أو الجهاز السياسي ضروريين في الحالات التي تُنتهك فيها هذه الحقوق من قِبل أفراد آخرين أو من قِبل مجتمع آخر. هذا ما يستدعي الحاجة إلى القوانين، والسلطة القضائية، وجهة لتنفيذها. إذا تجاوز هذا الجهاز السياسي وظيفته المتمثلة في حماية الحريات الفردية والصالح العام، على سبيل المثال، عندما لا يحترم ملك مستبد القوانين أو يكون فاسدًا، يكون الشعب محقًا تمامًا إذا قرر جماعيًا محاولة الإطاحة بذلك الملك؛ لأنه يكون بذلك قد أخلَّ بالعقد الاجتماعي. فعليًا، يكون ذلك الملك قد فشل في تحمل مسؤولياته وأعلن حالة حرب ضد مواطنيه.

Map of the American War of Independence, 1775 - 1783
خريطة حرب الاستقلال الأمريكية (١٧٧٥ – ١٧٨٣) Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

التأثير على المستعمرات الثلاثة عشر

آمنَ لوك بأن «الشعب» يجب أن يحكم، لأن ذلك أقل احتمالًا بكثير لأن يؤدي إلى حكم استبدادي أو طاغٍ مقارنةً بحكومة يحكمها ملك بمفرده أو مجموعة صغيرة من النخبة. يجب أيضًا أن تكون هناك ضوابط داخل النظام الديمقراطي لضمان حماية الحرية الفردية للجميع. علاوة على ذلك، تُنتخب الحكومة من قِبل الشعب لحمايتهم، ولذلك يجب أن تخدمهم هم لا أن تخدم نفسها. وقد تبنى الآباء المؤسسون للولايات المتحدة في أواخر ثمانينيات القرن الثامن عشر أفكار لوك (وأفكار الفلاسفة الآخرين) في هذا المجال، كما يوضح الفيلسوف الأكاديمي (ر. هـ. بوبكن):

يكشف التعمّق في دراسة إعلان الاستقلال والدستور الأمريكي أنّ كِلَي الوثيقتين تزخران بعبارات مثل: «جميع الناس خُلقوا متساوين» و«الحياة، والحرية، والسعي إلى السعادة» و«نحن نتمسك بهذه الحقائق باعتبارها بديهية» وغيرها، وهي عبارات مأخوذة حرفيًا تقريبًا من الرسالة الثانية في الحكم.

بالإضافة إلى ذلك، أثّرت آراء لوك بشأن حقوق المواطن في وثيقة أمريكية مهمة أخرى، وهي وثيقة الحقوق. وكما أشار توماس جيفرسون ذات مرة: «فيما يتعلق بالمبادئ العامة للحرية وحقوق الإنسان… يمكن اعتبار تعاليم لوك وسيدني [السياسي والكاتب البريطاني]… هي تلك التي يقرّها مواطنونا عمومًا» (جوتليب، ص. ١١٣–١١٤). طرح لوك فكرة أن جميع المواطنين يمتلكون حقوقًا معينة، وليس من شأن الحكومة أن تتدخل فيها.

يرى لوك أن من حقّ المواطنين التمرّد على الحكومة التي يعتبرونها استبدادية.

الحق الأهم بالنسبة للوك كان الحق في امتلاك الملكية الخاصة. لا ينبغي للدولة أن تتدخل في هذا الجانب، إذ رأى لوك أن الملكية تُعدّ في الواقع جزءًا من الفرد نفسه، لأنه (في أغلب الحالات) عمل من أجلها. فكرة استثمار الجهد في تحويل الملكية المشتركة (أو التي لا يملكها أحد) إلى ملكية فردية هي ما أتاح للوك تبرير استيلاء المستعمرين على أراضي السكان الأصليين، لاعتقاده بأن هؤلاء لم يطوّروا أراضيهم كما يجب. إن مهاجمة ممتلكات شخص ما أو الانتقاص منها أو الاستيلاء عليها يعادل الاعتداء على ذلك الشخص نفسه، ولهذا السبب ضمّ لوك أيضًا الحق في الحياة والحرية ضمن المفهوم الشامل لكلمة «الملكية». ويمضي لوك إلى أبعد من ذلك، فيؤكد أن هذه الحقوق ليست ممنوحة من أي مجتمع، وبالتالي لا يمكن لأي مجتمع أن يسلبها. إن النتيجة المترتبة على حقوق لوك الطبيعية العالمية هي أن جميع الناس خُلقوا متساوين أمام القانون. إذا فشلت الحكومة في حماية «الملكية» الفردية الخاصة، فيجب سحب السلطات التي منحها لها الشعب، إلى أن يتم تشكيل حكومة جديدة وأفضل. اختصارًا، لاقت أفكار لوك حول حقّ المواطنين في التمرّد على الحكومة التي يرونها استبدادية صدى واسعًا لدى سكان المستعمرات الثلاث عشرة، الذين رأوا في الملك جورج الثالث ملك بريطانيا العظمى (حكم بين عامي ١٧٦٠ و١٨٢٠) حاكمًا مستبدًا من هذا النوع.

انتقادات فلسفة لوك السياسية

جادل نُقّاد لوك بأنه لا يمكننا معرفة ما إذا كان البشر يمتلكون الحقوق الطبيعية التي وصفها قبل وجود المجتمعات. بمعنى آخر، يكتفي لوك بالقول إن البشر قبل المجتمع ينبغي أن يمتلكوا هذه الحقوق، وهو بذلك يعبر عن رأي وليس حقيقة. أما الانتقاد الثاني فهو أن لوك يسمح للأغلبية بالحكم لكنه لا يوفر أي حماية للأقلية. هذا النقص في الحماية سيؤدي إلى أن يكون قسم معين من المواطنين في الديمقراطية في وضع لا يختلف كثيرًا عن وضعهم تحت حكم مستبد.

Charles I by Anthony Van Dyck
تشارلز الأول- رسم أنتوني فان دايك Google Cultural Institute (Public Domain)

انتقاد آخر هو: ماذا نفعل عندما تتعارض بعض حقوق «الملكية» مع الصالح العام؟ فعلى سبيل المثال، قد يجادل البعض بأن حماية حق الفرد في امتلاك سلاح خطير لا يسهم في حماية مصالح الناس الذين يعيشون حول هذا الفرد. هناك حل محتمل لهذه المشكلة، وهو النظر إلى أن بعض الحقوق ليست مُطلقة، بل تعتمد على الظروف الخاصة بكل حالة. على سبيل المثال، قد يقرر المجتمع أنه لا يجوز لشخص شُخِّص بالجنون أن يمتلك سلاحًا خطيرًا. ومع ذلك، تصنيف الحقوق بهذه الطريقة لا يؤدي إلا إلى خلق المزيد من الأسئلة حول الحدود التي ينبغي رسمها، والنتيجة العملية هي أن حرية الفرد ليست مطلقة بشكل واضح عندما يعيش في مجتمع.

لوك ونظريته في اكتساب المعرفة

في مقالته عن الفهم البشري، يقدّم لوك مزيدًا من الأفكار حول كيفية عيش البشر وتعلمهم معًا. في الواقع، خلال حياته، أكسبه هذا العمل، وليس رسائله في الحكم، سمعة دولية كفيلسوف لديه ما يقوله. يقترح لوك أن البشر فطريًا يهتمون بمصالحهم الخاصة، لكن تطبيق ضبط النفس والعقل يضمن أنهم يسعون أيضًا نحو الصالح العام، لأن الطبيعة البشرية مهيأة للخير.

في المقالة، يناقش لوك أيضًا كيفية تحسين معرفتنا بعدم تصديق الأشياء التي لا يمكن اختبارها بالحواس؛ وقد تأثر في ذلك بأعمال فرانسيس بيكون (١٥٦١–١٦٢٦). هذا النهج، الذي يشكل أساس الطريقة العلمية الجديدة، قيّد المعرفة في الواقع، إذ بدأ المفكرون يستبعدون بعض الأمور باعتبارها غير قابلة للمعرفة ببساطة لأنها لا يمكن اختبارها تجريبيًا لإثبات صحتها. بالنسبة للوك، لا توجد أفكار فطرية، إذ يُعدّ دماغ الطفل صفحة بيضاء، وكل ما نعرفه يُكتسب من خلال استخدام حواسنا وخبراتنا وتأملاتنا. علاوة على ذلك، فإن حجة لوك القائلة بأن المعرفة تدخل إلى عقولنا عبر الحواس، وأن هذه الأحاسيس تُركَّب في عقولنا لتكوين أفكار معقدة، أصبحت أساس علم النفس في القرن الثامن عشر (بيرنز، ص. ١٧٣).

اقترح لوك أن نكون متشككين فيما يقوله الآخرون على أنه صحيح، ونتعلم أن نفكر بأنفسنا. في تقييمه لأعمال الأكاديميين، يذكر لوك أنها غالبًا ما تكون «هراءً مُعلَّمًا»، إذ يرغبون في «إخفاء جهلهم بشبكة غريبة وغير قابلة للتفسير من الكلمات المحيرة» (جوتليب، ص. ١٢١). هو شعور دافئ يبعث على السلوان في نفوس طلاب الفلسفة منذ ذلك الحين.

Title Page of Two Treatises of Government
صفحة عنوان ’رسالتان في الحكم‘ Unknown Photographer (Public Domain)

وُجِهت أيضًا بعض الانتقادات، مثل السؤال: كيف نفسر الأفكار التي لدينا والتي لا تستند إلى الحواس أو التجربة؟ وهي أفكار ببساطة غير موجودة في الواقع، مثل الحوريات والخيول وحيدة القرن. يجيب لوك على هذا الانتقاد بتقسيم المعرفة إلى مجموعتين استنادًا إلى ما يسميه الصفات الأولية والثانوية. في حالة وحيد القرن الأسطوري، قد يختبر الدماغ البشري مدخلات من الصفات الأولية مثل الحجم، والشكل، والقرون الطبيعية للحيوانات الموجودة، ثم يمكن للدماغ أن يُنشئ الصفات الثانوية من خلال دمج الصفات الأولية بطريقة جديدة تمامًا ليبتكر حيوانًا غير موجود في الواقع. انتقاد آخر هو أنه إذا كانت المعرفة قائمة على التجربة ثم تتشكل في العقل، فكيف نعرف ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي؟ بمعنى آخر، كيف نعرف أن أي شيء على الإطلاق موجود خارج عقولنا؟ جادل لوك بأن بوسعنا مقارنة أفكارنا مع أفكار الآخرين وفحص أي أوجه تشابه أو اختلاف باستخدام عقلنا، لكن بالنسبة للبعض، يُعد هذا تعريفًا غامضًا للغاية لما يشكّل معرفة وما لا يشكّلها.

من المهم التأكيد على أن آراء لوك حول أهمية النظرية التجريبية لا تعني أنه أنكر الإيمان الروحي. كتب لوك: «نعلم بيقين أكبر أن هناك إلهًا أكثر مما نعلم بوجود أي شيء آخر خارجنا» (المقالة، الجزء الرابع، القسم ١٠). باختصار، بالنسبة للوك، يمتلك البشر القدرة على اكتساب المعرفة لأن الله منحهم هذه القدرة، وهو اعتقاد يصنفه كشخصية قبل عصر التنوير. وفقًا للوك، تتمثل مهمة الفلاسفة والعلماء في اكتشاف أفضل الطُرُق لتعظيم تلك القدرة التي وهبها الله للإنسان.

باختصار، كانت لأفكار لوك حول المعرفة ثلاثة نتائج دائمة على المفكرين الذين جاءوا بعده، وعلى المجتمعات بشكل عام. الأولى هي أنه إذا لم تكن المعرفة فطرية، فإن جميع البشر متساوون، لأنهم جميعًا يبدأون بنفس اللوحة البيضاء. ثانيًا، إذا كانت المعرفة والمعايير السلوكية تُكتسب من خلال بيئة الفرد، فينبغي التعايش مع وجهات نظر مختلفة، إذ لا يُلام أحد على معتقداته؛ فكل شخص هو ببساطة نتاج بيئته. ثالثًا، تقع على عاتق المجتمع، وخصوصًا الحكام، مسؤولية خلق بيئة تشجع على السلوك الأخلاقي الجيد. البشر لا يولدون مزوّدين بمبادئ أخلاقية، وبالتالي يجب عليهم اكتسابها من خلال تجربة مرورهم بنظام التعليم الذي يخضعون له وعيشهم يومًا بيوم في الدولة التي ينتمون إليها.

بدا هذا النهج الجديد لاكتساب المعرفة وكأنها تضع الدين والعلم (الذي سُمِّيَ ربما بالفلسفة الطبيعية في هذه الفترة المبكرة من الثورة العلمية) في حالة صراع، إلا أن لوك واصل الدفاع عن مكانة المسيحية البروتستانتية في المجتمع بشكل عام في عملين آخرين: أفكار حول التعليم ومعقولية المسيحية، اللذين نُشِرا على التوالي في ١٦٩٣ و١٦٩٥. بين عامي ١٦٨٩ و١٦٩٢، نشرَ لوك عملًا مهمًا آخر، هو رسائل في التسامح. في هذا العمل، دعا لوك إلى التسامح مع وجهات النظر الدينية، لأنها لا علاقة لها بدور الفرد كمواطن. ومن الغريب أن لوك لم يمدّ هذا التسامح إلى الكاثوليك، لأنه يعتقد أنهم لا يستطيعون أداء الولاء لدولة معينة، إذ إن أعلى سلطة لهم على الأرض هي البابا.

يشدّد لوك على أهمية العقل، وعلى «التركيز على العقل بدلاً من الإيمان ورفضه لبعض المذاهب اللاهوتية التقليدية باعتبارها غير ضرورية للمؤمن، كانا أيضًا جذابين للعديد من كتّاب عصر التنوير» (يولتون، ص. ٣٠٢). وقد تُرجمت أعمال لوك الرئيسية إلى اللغتين الفرنسية والألمانية، مما ضمن انتشار سمعته في جميع أنحاء أوروبا كأحد أبرز مفكري عصره.

Statue of John Locke
تمثال جون لوك Ethan Doyle White (CC BY-SA)

أعمال جون لوك الرئيسية

  • مقالة في الفهم البشري (١٦٨٩)
  • الرسالة الأولى في الحكم (١٦٨٩)
  • الرسالة الثانية في الحكم (١٦٨٩)
  • رسائل حول التسامح (١٦٨٩–١٦٩٢)
  • أفكار حول التعليم (١٦٩٣)
  • معقولية المسيحية (١٦٩٥)
  • في سلوك الفهم (١٧٠٦)

الوفاة والإرث

ابتداءً من عام ١٦٩١، عاش لوك، الذي لم يتزوج قط، في منزل صديقته السيدة داماريس ماشام (١٦٥٨–١٧٠٨) المتزوجة، في أوتس بمقاطعة إسكس. يشير المؤرخ أ. غوتليب إلى أن الاثنين تراسلا بانتظام منذ عام ١٦٨١، ويعلّق قائلاً: «يبدو من الرسائل أن لوك وداماريس وقعا في الحب، وإن لم يكن ذلك في الوقت نفسه تمامًا» (ص. ١٥٣).

واصل لوك انخراطه في العمل السياسي، حيث شغل منصب سكرتير مجلس التجارة. وفي عام ١٦٩٧، اتسمت توصياته بشأن التعامل مع الفقراء والعاطلين عن العمل بالقسوة، إذ اعتقد أن الفقر ناتج أساسًا عمّا سماه «الفساد الأخلاقي»، وخاصة الإفراط في شرب الكحول.

توفي جون لوك في أوتس في٢٨ أكتوبر ١٧٠٤. وقد تركت أعماله تأثيرًا دائمًا في الفلسفة السياسية، بدءًا من مفكري عصر التنوير الذين طوّروا أفكاره حول حدود سلطة الدولة والحرية الفردية، استنادًا إلى رؤية جديدة للطبيعة البشرية واكتساب المعرفة. كما رأينا، فقد استندت الولايات المتحدة في نظامها القانوني والسياسي إلى العديد من أفكار لوك، وهو ما فعلته أيضًا كثير من الدول الديمقراطية الأخرى.

أسئلة وأجوبة

ما الذي يُعرف به جون لوك في الأساس؟

جون لوك هو فيلسوف إنجليزي من القرن السابع عشر، يُعرف أساسًا بدفاعه عن الحرية الفردية وحقوق الملكية للمواطنين. وقد طرح فكرة فصل سلطات الحكومة، وأشار إلى حق الشعب في الإطاحة بالحاكم المستبد. وقد أثّرت جميع هذه الأفكار في الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.

ما هي المعتقدات الثلاثة لجون لوك؟

ثلاثة من معتقدات الفيلسوف جون لوك هي: أن جميع المواطنين يتمتعون بالحقوق نفسها، وأن على الدولة حماية هذه الحقوق، وأن من حق المواطنين التمرّد على الحكومة السيئة.

ما هي نظرية جون لوك في الحقوق الطبيعية؟

تنصّ نظرية جون لوك في الحقوق الطبيعية على أن الناس يمتلكون حقوقًا معينة مثل الحرية والملكية والسعادة قبل تكوّن المجتمعات وتأسيس الحكومات. ولذلك، يجب على الحكومات حماية هذه الحقوق، إذ إن الغرض من إنشائها في الأساس هو تحقيق ذلك.

نبذة عن المترجم

Maria Alber
ماريا البير صدقي فام مترجمة وقارئة شغوفة، حاصلة على ليسانس من كلية الآداب، جامعة عين شمس

نبذة عن الكاتب

Mark Cartwright
مارك كاتب وباحث ومؤرخ ومحرر متفرغ. يهتم بالفنون والعمارة وباكتشاف الأفكار والمفاهيم مشتركة بين الحضارات. حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة السياسية ويشغل منصب مدير النشر في موسوعة تاريخ العالم.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Cartwright, M. (2025, October 28). جون لوك. (M. Alber, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-20857/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Cartwright, Mark. "جون لوك." تمت ترجمته من قبل Maria Alber. World History Encyclopedia, October 28, 2025. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-20857/.

التوثيق بنمط MLA

Cartwright, Mark. "جون لوك." تمت ترجمته من قبل Maria Alber. World History Encyclopedia, 28 Oct 2025, https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-20857/.

إزالة الإعلانات