الاستعمارية الإيطالية في إريتريا

Fabio Sappino
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF

كانت إريتريا، الواقعة على ساحل البحر الأحمر في القرن الأفريقي، المستعمرة "الأولى" لإيطاليا. جذبت إمكانات عسب المصالح الإيطالية لأول مرة عام 1869، كمركز تجاري وقاعدة بحرية . ومع ذلك لم تأسس المملكة الإيطالية مستمعمرة إريتريا رسميًا حتى عام 1890م.

تجدد اهتمام إيطاليا بإريتريا في عهد بينيتو موسوليني (1883-1945) والذي كان عازمًا على رفع مكانة إيطاليا الفاشية لتضاهي مكانة القوى العظمى. أصبحت إريتريا جزءًا من شرق أفريقيا الإيطالية وكانت المستعمرة الإيطالية الأطول عمرًا حتى احتلها البريطانيون في عام 1941. ضُمت إريتريا لاحقًا إلى أثيوبيا ولم تحصل على استقلالها حتى عام 1991.

Battle of Adwa
معركة عدوة The Trustees of the British Museum (CC BY-NC-SA)

لماذا وقع اختيار إيطاليا على إريتريا؟

خلال عصر الإمبيريالية (الذي تم تحديحده تقليديًا بين عامي 1870 و 1914) فرضت العديد من القوى الأوروبية سيطرتها السياسية، و العسكرية، والاقتصادية على جزء كبير من العالم. وفي هذا الإطار، كانت إيطاليا حديثة العهد: فحينما كانت الدول الاخرى تحاول استغلال قيمة الدول التي تسيطر عليها، كانت إيطاليا لا تزال تندفع نحو غزوات جديدة. المستعمرة الإيطالية الأولى، إريتريا، لم يتم تأسيسها رسميًا سوى في عام 1890، ولكنه كان اعلانًا شكليًا جاء بعد 21 عامًا من الوجود الإيطالي في المنطقة.

أصبح البحر الأحمر أحد أكثر المناطق الجيوسياسية المتنازع عليها بشدة.

كان لافتتاح قناة السويس في عام 1869 انعكاسًا كبيرًا على مسار الاستعمارية الإيطالية. ربطت القناة البحر المتوسط بالمحيط الهندي عبر البحر الأحمر، مما أعاد تشكيل التجارة البحرية العالمية و سهل الاتصال بين الامبراطوريات الأوروبية و مستعمراتها. وهذه هي الأسباب التي دفعت العديد من الدول إلى انشاء وتعزيز قواعدها على طول سواحل البحر الأحمر و خليج عدن. قد احتلت بريطانيا العظمى عدن بالفعل في عام 1839 و جزيرة بريم في عام 1857، و التي أصبحت فيما بعج جزءًا من محمية عدن (1872-1963)؛ بينما سيطرت فرنسا بالفعل على ما سيُعرف فيما بعد بأرض الصومال الفرنسي (1884- 1967)؛ وقد فرضت مصر سيطرتها على السودان في عام 1820، وفي عام 1856 استحوذت على ميناء مصوع من الإمبراطورية العثمانية (والتي كانت مصر جزءًا رسميًا منها). سُرعان ما تحول البحر الأحمر إلى أحد أكثر المناطق الجيوسياسية المتنازع عليها في العالم.

كانت ما تُعرف الآن بإرتريا آنذاك منطقة متنازعًا عليها بين قوى مختلفة بسبب موقعها الاستراتيجي. كانت المنطقة تحت سيطرة الإمبراطورية الأثيوبية بشكل رسمي، كمملكة تابعة تُسمى مدري بحري، ثم جزءًا من الامبراطورية العثمانية. كانت السيطرة العثمانية إسمية فقط، وظلت أجزاء من الإقليم خاضعة لحكم كيانات محلية، مثل سلطنة أوسا.

Eritrean Ascaris
الأسكاري الإريترية Unknown Artist (Public Domain)

أثارت الفرص الجديدة التي أتاحتها القناة طموحات جوسيبي سابيتو (1811-1895)، وهو كاهن سابق عمل مبشراً في القرن الأفريقي في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وضع سابيتو مشروعاً لإنشاء ميناء بحري على البحر الأحمر يمكنه تأمين التجارة الإيطالية. وقد لفت المشروع انتباه الحكومة الإيطالية، التي كان يقودها لويجي مينابريا (1809-1896). لاقت أحلام سابيتو استحسانًا من جانب كل من التاج الإيطالي و مجموعة التجار و صانعي السفن في شمال إيطاليا. دفع هذا الدعم الحكومة إلى تكليف سابيتو بمهمة استكشاف سواحل البحر الأحمر لشراء قاعدة بحرية مناسبة لإيطاليا. بعد التخلي عن مكانين على طول الساحل العربي، خور عامرة والشيخ سعيد، لأنهما كانتا محتلتين بالفعل، تحركت البعثة نحو الساحل الأفريقي. وقع الاختيار النهائي على عصب، وهي قرية صيد صغيرة. في الخامس عشر من نوفمبر عام 1869، وقع سابيتو اتفاقية الالتزام بشراء عصب مع السلطانين اللذان نصبا أنفسهما على راهيتا، الأخوين ابراهيم و حسن بن أحمد.

تدخل الحكومة الإيطالية والدعم البريطاني

لم ترغب الحكومة الإيطالية الانخراط المباشر في هذه المغامرة الاستعمارية. خشى كل من رئيس الوزراء مينابريا وخليفته چوڤاني لانسا (1810-82) اثارة ردود أفعال دول أخرى أكثر قوة. ناشدت الحكومة مالك السفينة رافايلي روباتينو (1810-1881)، طالبة منه الاستحواذ على الخليج بإسمه، بحجة انشاء قاعدة تجارية خاصة. أبرم روباتينو الاتفاقية في الحادي عشر مارس عام 1870. وهكذا بدأ الاستعمار الإيطالي في أفريقيا. كما اتضح لاحقًا، تم التخلي عن عصب لمدة ثماني سنوات: لم يكن لدى روباتينو أي مصلحة في الحفاظ على القاعدة ولم تجد الحكومات المختلفة خلال سبعينيات القرن التاسع عشر استخدامًا خاصًا لهذه المستعمرة الصغيرة. في الوقت نفسه، لم تقف مصر مكتوفة الأيدي أمام هذا التدخل الإيطالي في القرن الأفريقي. فبعد أيام قليلة فقط من مغادرة سابيتو، دخلت القوات المصرية الخليج احتجاجًا على الاحتلال. ومع ذلك، اضطر روباتينو للتعامل مع عصب مرة أخرى: بعد رفض مجلس النواب الإيطالي تمويل مشروعه لتمدديد خط بحري، ثم حاول اقناع الحكومة بأن عصب يمكن أن تكون مفيدة لربط التجارة الاثيوبية بها وتحويلها إلى ميناء رئيسي. شجعت الحكومة الجديدة بقيادة بينيديتو كايرولي (1825-1889) ارسال حملة لاستعادة عصب. لم يُعلم كايرولي البرلمان، بل سعى للحصول على موافقة المملكة المتحدة. وصل روباتينو إلى عصب بمرافقة سفينة حربية بريطانية ووقع اتفاقية جديدة - بإسمه مرة أخرى- مع سلطان محلي في 15 مارس عام 1880.

ولكن لماذا تدخل البريطانيون؟ بدأت مرحلة جديدة من الاستعمارية الإيطالية عقب مؤتمر برلين (1878)، والذي قوض وحدة الإمبراطورية العثمانية، مما أدى إلى تجدد الجهود الفرنسية في البحر الأبيض المتوسط، متبوعة بطموحات استعمارية جديدة من ألمانيا. خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر، كانت لندن مثقلة بالتزاماتها كقوة عالمية، لذا قررت الاعتماد على شريك أصغر في القرن الأفريقي بوسعه تجنب التدخلات الألمانية والفرنسية. في واقع الأمر، فرضت الحكومة الإيطالية سيطرتها على عصب، بفضل الموافقة البريطانية "الخيرة" في العاشر من مارس 1882، وأصبحت بذلك تابعى لإيطاليا بصفة رسمية وليس كملكية خاصة. كان تدخل إيطاليا الرسمي بمثابة بداية سياسة استعمارية أكثر جرأة. وكان هذا أيضا نتيجة للوضع الدولي في ذلك الوقت.

في عام 1881 فرضت فرنسا حمايتها على تونس، وهي منطقة كانت دائمًا هدفًا للتطلعات الاستعمارية الإيطالية. زاد الإحباط الناتج عما سُمي بصفعة تونس إلى جانب الموجة الجديدة من الاستعمار الأوروربي التي دفعها مؤتمر برلين (1883-1884) والذي قام بصبغ "التدافع على أفريقيا" بصبغى رسمية، من تشجيع التوسع الإيطالي. وبالإضافة إلى ذلك، أُلزمت مصر بتقليل روابطها مع القرن الأفريقي بسبب تورطها في الانتفاضة المهدية - وهي ثورة قادها تيار اسلامي سعى للإطاحة بالسيطرة المصرية على السودان ومن ثم بدء حرب شملت القرن الأفريقي (1881- 1889).

Map of the Italian Empire in 1942
خريطة الإمبراطورية الإيطالية عام 1942 Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

المواجهة الأولى مع أثيبوبيا

مستفيدًا من الدعم البريطاني، أمر رئيس الوزراء باسكوالي ستانيسلاو مانشيني (1817-1888) باحتلال مدينة مصوع عام 1886، وهي ميناء على البحر الأحمر. في الواقع، كان مشروع مانشيني أكثر طموحًا. فكان مانشيني على اقتناع بأن التدخل الإيطالي في البحر الأحمر يمكن أن يمثل "مفتاحًا للبحر الأبيض المتوسط". (مانشيني، 1885): كان حلم التعاون الأنجلو-إيطالي في السودان الخطوة الأولى في خطة مانشيني لتوسيع التعاون الإيطالي-البريطاني في البحر الأبيض المتوسط. تسببت النتائج الهزيلة للحملة اللاحقة في سقوط حكومة مانشيني، التي تعرضت لانتقادات لاذعة في البرلمان لعدم جدوى العملية. ومع ذلك، حافظت القوات الإيطالية على موقف عدائي، واستولت على سلسلة من القرى في عمل اعتبرته جارتها، الإمبراطورية الأثيبوبية، تهديدًا.

استُلهم اسم إريتريا من الاسم اليوناني القديم للبحر الأحمر، إريثرا

لطالما استخفت إيطاليا بالإمبراطورية الإثيوبية، المعروفة بإسم الحبشة. في ذلك الوقت، كان يقودها النجاشي (أي الإمبراطور) يوهانس الرابع(1837-89)، والذي كان يواجه كلا من الحرب المهدية على الحدود مع السودان والاضطرابات الداخلية. واعتبر الإيطاليون أحد أهم تابعِي الإمبراطورية، وهو ملك شيوا، منليك (1844-1913)، حليفًا لهم داخل إثيوبيا، وقادرًا على تقويض سلطة النجاشي والتماسك الداخلي.

ومع ذلك، هاجم راس ألولا (1847-1897)، وهو أحد أقوى القادة العسكريين الإثيوبيين وحاكم المقاطعة التي بدأت فيها القوات الإيطالية هجومها، وأباد في دوغالي كتيبة من 500 جندي إيطالي في 27 يناير 1887. على الرغم من أن العملية كانت مبادرة شخصية بالكامل من راس ألولا، قررت إيطاليا الرد بحملة عسكرية ضد إثيوبيا. تم نشر 20,000 رجل بقيادة أليساندرو دي سان مارزانو (1830-1906) في عام 1887. في غضون ذلك، وقّع الدبلوماسي بيترو أنتونيلي (1853-1901) معاهدة سرية للحياد مع منليك، على أمل إضعاف الموقف الإثيوبي. وعلى الرغم من التعبئة، اتخذت الحرب منعطفًا غير متوقع، لأن يوهانس قرر سحب جيشه، على الرغم من أنه كان أكبر من نظيره الإيطالي، لمواجهة المهديين. كلف هذا التحرك يوهانس حياته، حيث توفي الإمبراطور في معركة القلابات عام 1889.

Negus Menelik II
النجاشي مينيليك الثاني Unknown Photographer (Public Domain)

فتحت وفاة يوحنا الرابع باب الصراع على خلافته على العرش، حيث ادعى طرفان أحقيتهما به. كان مانغيشا يوحنا قد عُيّن وريثاً من قبل يوهانس وهو يحتضر، وحظي بدعم راس ألولا. أما المنافس، فكان منليك، الذي حظي بدعم الإيطاليين وولاء غالبية الوجهاء الإثيوبيين. كسب منليك النزاع وتُوّج إمبراطوراً في عام 1889. وقّعت إيطاليا مع الإمبراطور الجديد معاهدة وتشالي (1889) التي كان يُؤمل أن تعزز العلاقات الجيدة والتجارة بين إيطاليا وإثيوبيا. ومع ذلك، مثلت المعاهدة سبب أحد أهم الصدامات بين البلدين، لأن الإيطاليين زعموا أن المعاهدة أسست حماية على إثيوبيا. نتج سوء الفهم هذا، سواء كان متعمداً أم لا، من اختلاف في تفسير النص بين الترجمة الأمهرية والإيطالية للمادة 17، التي سمحت لإثيوبيا بالاستفادة من إيطاليا لأغراض الدبلوماسية الدولية.

نشأة المستعمرة ومعركة عدوة

في غضون ذلك، دافع رئيس الوزراء الإيطالي فرانشيسكو كريسبي (1818-1901) بقوة عن دور أكثر أهمية لإيطاليا بين القِوَى العظمى. جمعت سياسته الخارجية عديمة الضمير بين عسكرة متزايدة والنشاط الاستعماري. وفي هذا الصدد، كان كريسبي أول من قدم مبررًا للتوسع الإيطالي، وهو ضرورة الجمع بين السياسات التوسعية والهجرة. ففي تلك السنوات التي اتسمت بالهجرة الجماعية لجنوب الإيطاليين إلى شمال إيطاليا، كان يمكن لأفريقيا أن توفر مصدرًا بديلًا للأرض للمزارعين الفقراء. سيتم استئناف الرابط بين الاستعمار والهجرة لاحقًا من قبل الفاشية، حيث أكد زعيمها بينيتو موسوليني على البحث عن "مكان تحت الشمس" لإيطاليا. بالعودة إلى كريسبي، فقد أسس رسميًا في عام 1890 مستعمرة إريتريا، وكانت مصوع عاصمتها. وقد استُلهم اسم إريتريا من الاسم اليوناني القديم للبحر الأحمر، إريثرا.

في نهاية المطاف، تمكن منليك من تجنب أي تدخل من إيطاليا، وفي عام 1893 استنكر الادعاء الإيطالي بالحماية على إمبراطوريته. كان النفوذ الإيطالي قد توسع إلى مدينتي أسمرة وكرن، وتم إسقاط تأثيره داخل إثيوبيا، في منطقة تيغراي. وكان الحاكم الجديد لإريتريا، الجنرال بالداساري أوريرو (1841-1914)، واثقًا للغاية من ضعف الحبشة لدرجة أنه قرر السير نحو مدينة عدوة، التي تحمل أهمية دينية خاصة للكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، الطائفة الرئيسة في إثيوبيا. وبسبب هذه المبادرة غير المصرح بها، أُقيل أوريرو وحل محله الجنرال أنطونيو غاندولفي (1835-1902)، ثم تلاه صديق مقرب لكريسبي، أوريستي باراتييري (1841-1901). لكن طموحات باراتييري كانت أكبر من القوات المتاحة له، واستفز الجار القوي بعدة حملات عسكرية عبر الحدود. اعتقد الحاكم الجديد أنه باحتلال تيغراي السريع يمكنه تهديد استقرار الإمبراطورية الإثيوبية، وبدأ الغزو في عام 1895. وسرعان ما خرج الوضع عن السيطرة: انسحب القادة الإثيوبيون المتحالفون مع إيطاليا، وسادت الفوضى بين القيادات العسكرية، وبدأت القوات الإيطالية تعاني من خسائر فادحة.

كانت معركة عدوة أسوأ هزيمة لجيش أوروبي في أفريقيا

في 1 مارس 1896، حدث ما لا يمكن تصوره: في ساحة معركة عدوة، هُزمت القوات الإيطالية هزيمة نكراء، مع حوالي 6,000 قتيل وأكثر من 3,000 جندي أسير. لقد كانت أسوأ هزيمة لجيش أوروبي في كامل تاريخ الاستعمار. وما تلا ذلك كان زلزالًا سياسيًا: انهارت حكومة كريسبي، وضَمِنت إثيوبيا عقودًا من السيادة الكاملة بعد معركة أصبحت رمزًا للأفارقة والسكّان السود بصفة عامة. كما أصبحت المعركة صدمة جماعية لإيطاليا، مما مهد الطريق لمشاعر الانتقام والتي بلغت ذروتها بالغزو الفاشي لإثيوبيا في عام 1935.

إدارة المستعمرة

أصبحت مستعمرة إريتريا بمثابة مستعمرة متخلفة. عُيِّن فرديناندو مارتيني (1841-1928) – أول حاكم مدني – للمستعمرة بمهمة محددة تتمثل في جعل الإيطاليين ينسون إريتريا. وعلى الرغم من تقليص الأهمية، بدأ مارتيني في إعادة بناء المستعمرة اعتبارًا من عام 1898، فكتب أول "نظام أساسي" (Ordinamento): وهو قانون لإريتريا أخضع السلطة العسكرية للسلطة المدنية، وعمل على وضع ميزانية سنوية، وحاول، دون نجاح كبير، بَدْء استثمارات في البنية التحتية للمستعمرة.

في ظل اللامبالاة العامة تجاه إريتريا، بدأت شخصيات الحكام تبرز. فحكومة مارتيني الأبوية، الذي وحّد نفسه بالمستعمرة لدرجة أنه كتب "أنا المستعمرة" (Martini, 328)، لم تغيّر العلاقة مع الرعايا المستعمَرين، الذين استخدم معهم قبضة من حديد إذا لم يتماشوا معه.

تحسنت العلاقات مع إثيوبيا. فقد تمتع منليك، بعد أن وسّع علاقات إثيوبيا الدولية ومركزية السلطة، بعلاقات جيدة مع مارتيني، الذي فضّل انتهاج سياسة حسن الجوار تجاه إثيوبيا بدلًا من السعي للانتقام. ومع ذلك، كانت صحة منليك تتدهور، وكانت العديد من الدول تخشى مرحلة انتقالية متوترة بعد وفاته الوشيكة. في عام 1906، وقّعت المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا معاهدة ثلاثية رسمت بشكل أساسي مناطق نفوذ كل منها داخل إثيوبيا.

وشهدت السنوات التالية تغييرات قليلة في إريتريا، على الرغم من تجدد الحزم في النقاش العام الإيطالي نتيجة لتطور "لوبي" استعماري في إيطاليا، هدف إلى إعداد الرأي العام وتعبئته. حتى أن الغزو الإيطالي لليبيا في عام 1911 والحرب العالمية الأولى (1914-1918) أدّيا إلى تباطؤ تطور المستعمرة، حيث تم إرسال أفضل القوات بعيداً للقتال، وأدى نقص القوة العاملة إلى عرقلة أي تطوير للبنية التحتية. مثّلت تداعيات الحرب العظمى خيبة أمل كبيرة لإيطاليا التي كانت تأمل في الحصول على تعويضات استعمارية بموجب معاهدة فرساي عام 1919. وطرأ تغيير دراماتيكي في الأسلوب بوصول موسوليني، الذي أولى أهمية خاصة للقضايا الاستعمارية. كان موسوليني عازماً على محاولة تقديم إيطاليا كقوة عظمى، وأراد الانتقام من إذلال فرساي.

Mussolini's Head Sculpture in Adwa
تمثال رأس موسوليني في عدوة Unknown Photographer (Public Domain)

شجعت هذه التوجهات الجديدة إلى حد كبير المسؤولين الاستعماريين مثل ياكوبو غاسباريني (1879-1941)، حاكم إريتريا منذ عام 1923، أي بعد عام من استيلاء الفاشية على السلطة. روّج غاسباريني لجهد دبلوماسي شخصي تجاه اليمن، الذي كان يقوده الإمام يحيى (1869-1949) منذ عام 1918، والذي كان في معارضة مفتوحة للحماية البريطانية لعدن. كسب غاسباريني تعاطف الإمام وتمكن من إبرام معاهدة مع اليمن في عام 1926 جعلت إيطاليا أهم شريك سياسي واقتصادي له.

كان البريطانيون يخشون من أن تتمكن إيطاليا من إنشاء "قناة السويس" خاصة بها بين سواحل إريتريا واليمن، والذي كان يشن حروبًا في شبه الجزيرة العربية بفضل شراء الأسلحة الإيطالية. سرعان ما أوقفت روما خطط إريتريا الأكثر استقلالية، والتي كانت تسعى لأن تصبح مركزًا لإشعاع السياسات الإيطالية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وذلك خشية أن يؤدي ذلك إلى تعريض العلاقات الجيدة آنذاك بين إيطاليا الفاشية وبريطانيا العظمى للخطر. ومنذ هذه النقطة فصاعدًا، أُعيد توجيه دور إريتريا حصريًا لتكون قاعدة لانطلاق هجوم واحتلال لاحق لإثيوبيا في عام 1936.

الاستعمار الإيطالي والهوية الإريترية

كان أحد الجوانب المهمة التي تصف العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر هو دور القوات الأصلية. قدمت قوات "الأسكاري" (Ascari)، وهي قوات إريترية في خدمة إيطاليا، دعمًا أساسيًا في العديد من الحملات العسكرية، حيث قاتلوا في ليبيا والصومال وإثيوبيا. ومع ذلك، مُنعوا من الترقي في صفوف الجيش. مع احتلال إثيوبيا في عام 1936، أصبحت إريتريا، جنباً إلى جنب مع الصومال الإيطالي، جزءاً من أفريقيا الشرقية الإيطالية (Africa Orientale Italiana, AOI). في خطة موسوليني، كان مقدرًا لإريتريا أن تصبح القلب الصناعي لأفريقيا الشرقية الإيطالية. وبين عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، حدث تحول هائل في المستعمرة، مع توسع هجرة المستوطنين الإيطاليين. بحلول عام 1945، بعد استسلام المستعمرات الإيطالية، كان هناك ما يقرب من 40,000 إيطالي متبقين في إريتريا. أعيد تشكيل مدينة أسمرة، العاصمة الحالية لإريتريا، على أنها "روما صغيرة"، مع عملية تحضر وتحديث تتميز بأسلوب معماري حداثي أُعلن في عام 2017 موقعاً للتراث العالمي لليونسكو.

The Fiat Tagliero Building in Asmara
مبنى فيات تالييرو في أسمرة David Stanley (CC BY)

لكن المستعمرة الأولى كانت أول من تعرض لهجوم بريطاني خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945). ففي عام 1941، بعد سقوط مدينة كرن، سرعان ما احتلّت القوات البريطانية إريتريا، التي أبقت فيها إدارة عسكرية حتى عام 1949، ثم حماية برعاية الأمم المتحدة حتى عام 1952، عندما أُلحقت إريتريا بإثيوبيا. أدّت عقود من الاستعمار الإيطالي، مع سياسات عنصرية فرّقت بين المجموعات وخلقت حدودًا مصطنعة بين إثيوبيا وإريتريا، إلى تعايش صعب. كان للاستعمار الإيطالي تداعيات لا شك فيها على تشكيل الهوية الإريترية. وبعد محاولة فدرلة فاشلة، تحولت إريتريا إلى مقاطعة إثيوبية، ومنذ الستينيات تميزت المنطقة بحالة حرب مستمرة بلغت ذروتها في عام 1991 باستقلال إريتريا.

قائمة المصادر والمراجع

موسوعة التاريخ العالمي هي شركة تابعة لشركة أمازون وتحصل على عمولة على مشتريات الكتب المؤهلة.

نبذة عن المترجم

Mariam Ghali
مريم خريجة دراسات الترجمة واللغويات من جامعة عين شمس.

نبذة عن الكاتب

Fabio Sappino
فابيو طالب دكتوراه في التاريخ الدَّوْليّ في كُلْيَة لندن للاقتصاد (LSE). يعمل حاليًا على تاريخ الاستعمار الإيطالي والفاشية الإيطالية، مع اهتمام خاص بالعلاقات بين الإسلام والغرب.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Sappino, F. (2025, December 09). الاستعمارية الإيطالية في إريتريا. (M. Ghali, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2695/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Sappino, Fabio. "الاستعمارية الإيطالية في إريتريا." تمت ترجمته من قبل Mariam Ghali. World History Encyclopedia, December 09, 2025. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2695/.

التوثيق بنمط MLA

Sappino, Fabio. "الاستعمارية الإيطالية في إريتريا." تمت ترجمته من قبل Mariam Ghali. World History Encyclopedia, 09 Dec 2025, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2695/.

إزالة الإعلانات