الحياة اليومية في أمريكا المُستعمرة

Joshua J. Mark
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF

اتّسمت الحياة في أمريكا المُستَعمَرة بكونها صعبة وقصيرة، إلّا أن المُستعمرين كانوا قد بذلوا أقصى ما في وسعهم آملين بحياة أفضل لهم ولعائلاتهم. فأوائل المستعمرين الإنجليز الذين اعتادوا على شراء كل شيء، باتوا مُلزمين بتصدير احتياجاتهم من وطنهم الأم أو صنعه بأنفسهم أو حتى الاستغناء عنه.

وحتى من وصل بعدهم، عدا أصحاب الطبقة الراقية، فقد وجدوا ذلك العالم الجديد صعباً ويحتاج إلى العمل بجُهد لضمان البقاء على الحياة على الأقل. وفي نفس الوقت الذي كانت تُحوَل فيه البراري إلى بلدات ومدن، كان عليهم مواجهة الهجمات المتكررة من قبل قبائل السكان الأمريكيين الأصليين الذين قد شُرِّدوا. كما وُجِب عليهم أخذ الحيطة والحذر من اللصوص بل وحتى من أفراد أُسرِهم بمن فيهم الخدم والعبيد الذين قد يُلحقون بهم الأذى.

عدا عن ذلك، كثُرت التهديدات الخارقة للطبيعة التي تهدد الحياة والصحة، تلك المُدبَرة من قبل الشيطان وأعوانه من الأرواح الشريرة التي يمكنها الظهور في أي وقت. كما وُجِدت بعض المخاطر الطبيعية المتمثلة في الأمراض المختلفة والنباتات المسمومة وهجمات الحيوانات البريّة وغيرها من المخاطر المتواجدة في الحياة البيتية البسيطة، فمجرد إعداد وجبة يومية كان كفيلًا للتعرض لحروق بسبب إناء الضغط الحديدي المليء بالطعام. أما المنازل المصنوعة من الخشب والقش فكانت عُرضة للاحتراق بسبب الشموع، وحتى السلالم المربوطة بالحبال فكانت قابلة للانكسار.

George Washington as a Farmer
جورج واشنطن في دور المزارع Junius Brutus Stearns (Public Domain)

إلّا أن هذه التحديات لم تمنع الآلاف من الإنجليز من مغادرة بلادهم والسفر إلى العالم الجديد أملًا في تحسين أوضاع معيشتهم، باستثناء ذوي الأحكام والأيتام وغيرهم ممن أُرسِلوا قسراً. أمّا النظام الطبقي الصارِم الذي يُبقي المرء داخل الوسط الاجتماعي الذي وُلد فيه في إنجلترا، فكان أقل منه صرامة في المستعمرات، إذ يُمكن للخادم أو الخادمة السابقة الحصول على حياة أفضل، كالتي ينعَم بها مُلّاك الأراضي، وذلك في حال تمَكُنهِم من العيش. ففي السنوات بين 1630 وحتى 1640، وصل ما يقارب الـ 20,000 مستعمر، عدا عمّن تبعهم لاحقًا، وذلك لسعيهم لتحقيق الحلم الأمريكي رغم كون هذا المفهوم لم يُصغ بعد.

تأسست مُستعمرة جيمستاون عام 1607 لتتبعها مُستعمرة بليموث عام 1620 ومن ثُم مُستعمرة خليج ماساتشوستس عام 1630. وبحلول عام 1763، كان الإنجليز قد استعمروا كامل الساحل الشرقي أدنى الشمال الأمريكي، من ولاية مين الحالية وحتى فلوريدا. كما وانقسمت هذه المستعمرات إلى ثلاثة مناطق، وهي:

  • مُستعمرات نيو إنجلاند
  • المُستعمرات الوسطى
  • المُستعمرات الجنوبية

وكان ضِمن المُستعمرات الجنوبية، مُستعمرتا فرجينيا وماريلند وعُرفتا باسم مُستعمرات (تشيسابيك). وعلى الرَغم من اختلاف الحياة اليومية في هذه المناطق، تبعًا للمناخ أو التربة أو المخاطر الموجودة فيها، إلّا أن بعض المبادئ الأساسية وأساليب الحياة اليومية كانت متشابهة نسبيًا، ومنها الدين والاعتقاد بالتأثير الحقيقي للقوى الخارقة للطبيعة في حياة الإنسان، سواء أكان للخير أو للشر.

الدين والخرافة

كان المُستعمرون مسيحيين متدينين بشدة، سواء كانوا من حجاج بليموث أو أنجليكان جيمستاون، واعتبروا الإنجيل كلام الله مع اعتقادهم بوجوب العيش ضمن قيوده. كما شجّع الاعتقاد بحقيقة وجود آلهة وملائكة وأرواح شريرة خارقة للطبيعة على نشوء خُرافات خارجة عن نطاق الكتاب المُقدّس، والتي تطابقت مع النظرة المسيحية.

كان الامتثال للأعراف الاجتماعية السائدة في كل مستعمرة أمرًا متوقعًا، ووجود أي جانب غير مألوف في حياة الشخص، كان يستدعي الشكوك.

كما جرى ربط سكان أمريكا الأصليين بالقوى المظلمة. فحسب إدوارد وينسلو (1595-1655) من مستعمرة بليموث، والذي شجّع على تكوين روابط صداقة مع السكان الأصليين، فقد زعم بكونهم يعبدون الشيطان. ويُعتقد بأنّ السكان الأصليين كانوا قادرين على إلقاء التعاويذ وإتلاف المحاصيل وإلحاق الأذى أو الشفاء بإرادتهم، وذلك بالاعتماد على قوى الأرواح الشريرة التابعة للشيطان نفسه. وحتى بعض المُستعمرين كانوا يُسخِّرون تلك القوى، ولهذا وُجب مُراقبتهم عن كثب. فعلى سبيل المثال، إذا خرجت امرأة من منزلها وجالت شوارع نيو إنجلاند المُغبرة ومن ثُم وصلت إلى وجهتها وهي لا تزال تحافظ على نظافتها وترتيبها كما خرجت، فكان يُشتبه بكونها ساحرة، أو حتى قد يُشتبه برجُلٍ ذو قوة وإنتاجية ونفع غير اعتيادي.

كان الامتثال للأعراف الاجتماعية السائدة في كل مستعمرة أمرًا متوقعًا، حتى في مستعمرة بروفيدنس الليبرالية التي كانت تستقبل الناس بمختلف الديانات والجنسيات، وكذلك الأمر في كل من مقاطعتي نيويورك وبنسلفانيا. كما كان وجود أي جانب غير مألوف في حياة الشخص يستدعي الشكوك. أمّا أشهر مثال على ذلك فكان مُحاكمات ساحرات سالم في ماساتشوستس بين عامي 1692 و1693، والتي أسفر عنها أكثر من 200 متهمًا وإعدام 20 شخصًا. إذ أنّ أعمال السحر كانت قد شكلت تهديدًا ملموسًا في جميع المُستعمرات، فقد عُقدت مُحاكمات الساحرات قبل حدث سالم الشهير وبعده بكثير. ورغم كون الفئات المُهمشة، بمن فيهم النساء، أكثر الأهداف التي لحِقتها أصابع الاتهام، فقد كان أيّ شخص من أيّ فئة اجتماعية مُعرضًا للاشتباه أو الاتهام بالتعامل مع الشيطان.

طبقات المجتمع

على الرغم من كون النظام الطبقي أقل منه صرامة في المستعمرات، إلّا أنه كان موجودًا، وقد تسلسل من الأعلى إلى الأدنى كما يلي:

  • مُلّاك الأراضي الأغنياء
  • التُجار ورجال الدين
  • المزارعين والحِرفيين والعمّال
  • عُمال السخرة (الخدم المستأجرون)
  • سُكان أمريكا الأصليين
  • العبيد

كان بالإمكان التعرف على المكانة الاجتماعية للأشخاص من ثيابهم والحُلي التي بمقدورهم تحمّل ثمنها. كما أُصدرت قوانين في بعض المُستعمرات تمنع أبناء الطبقات المتدنية بالتشبه بلباس من أعلى منهم منزلة، وفي حال خرْق شخص لهذه القوانين، فكان ملزمًا بدفع غرامة أو قضاء الوقت في المقطرة (آلة تعذيب). وكان النُبلاء هُم مُلاك الأراضي الذين امتلكوا مزارع واسعة في المستعمرات الجنوبية أو أراضي ومزارع شاسعة في المستعمرات الوسطى ونيو إنجلاند. كما اقتصرت بعض المظاهر كالتصويت وتولي المناصب الحكومية وسنّ القوانين على ذكور مُلّاك الأراضي الأغنياء الذين تجاوزت أعمارهم الـ 21، رَغم السماح للعديد من التجار ورجال الدين الأثرياء بتطبيق تلك المظاهر.

Patrick Henry Before the Virginia House of Burgesses
باتريك هنري أمام مجلس فرجينيا التشريعي Peter F. Rothermel (Public Domain)

وكان التُجار ورجال الدين أقل عنهم رُتبة، ومنهم بعض مُلّاك الأراضي. إذ لم يعمل رجال الدين في النسخ والمُحاماة فحسب، بل كان منهم قساسوة، وفي حين كان بعضهم أثرياء فقد كان آخرين منهم يصارعون لتأمين لقمة العيش. كما وعُدَّ المعلمون من رجال الدين، باستثناء خارج نيو إنجلاند حيث لم يحظوا بالتقدير ذاته. أما البيوريتانيون في نيو إنجلاند فقد أولوا اهتمامًا ملحوظًا بالتعليم، إذ أسسوا جامعة هارفارد وغيرها من المؤسسات، وذلك لإيمانهم بضرورة مقدرة الجميع على قراءة الكتاب المُقدّس. إلّا أن عدد صغير من المستعمرات كانت قد اتبعت نهجهم.

وقد امتلك المُزارعون وأصحاب الحِرف والعمّال مزارعهم الصغيرة وأعمالهم الخاصة، كصُنع الجعة والبراميل الخشبية والشموع والملابس والسُفن، أو كانوا عُمالًا محترفين أو العكس. ويليهم في المرتبة عُمال السخرة أو الخدم المستأجرون، إذ كان هؤلاء يوَقعون عقودَا تتراوح مدتها من أربع إلى سبع سنوات للعمل لصالح أشخاص مقابل تأمين تكاليف طعامهم ومأواهم وسفرهم إلى المستعمرات. وكانوا يحصُلون على قطعة أرض ومعدات وسلاح ناري عُقب انتهاء مدة خدمتهم. وخلال السنوات الأولى للمستعمرات، كان بإمكان هؤلاء الخدم الارتقاء من مستوى طبقتهم والانضمام لطبقة النُخبة.

لم يُرسَخ نظام العُبودية العِرقية الذي اعتَبر العبد مُلكية حتى عام 1640، ولم يتحوَل إلى نظام مؤسّسي حتى ستينيات القرن السابع عشر.

أما السُكان الأصليين فاعتُبروا غُرباءً، وهو ما انطبق على فئة أخرى من السُكان الأصليين الذين كانوا يُدعون بالهنود المُصليين، فقد اعتنق هؤلاء المسيحية وعاشوا في بلدات قريبة من المُستعمرات الإنجليزية، وارتدوا مثل ملابس الإنجليز وتعلموا اللغة الإنجليزية. وازدادت الشكوك حول السُكان الأصليين بعد المجزرة الهندية عام 1622 في فرجينيا، والتي قامت فيها قبائل اتحاد بوهاتان بقتل 347 من سُكان مستعمرة فرجينيا خلال هجوم مُفاجئ. إلا أن المستعمِرين اتخذوا من هذه المجزرة وما تَبِعها من حروب أنجلو بوهاتانية، ذريعة لتبرير الفظائع التي ارتكبوها لاحقًا بحق السُكان الأصليين.

أمّا العبيد الأفارقة فكانوا أقل مرتبة من السُكان الأصليين، رُغم كون العديد من السُكان الأصليين مُستعبدين أيضًا. وعندما وصل أوائل الأفارقة الغربيين إلى مُستعمرة جيمستاون في فرجينيا عام 1619، اعتُبروا حينها كالخدم المستأجَرون. كما لم يُرسخ نظام العُبودية العِرقية الذي اعتبر العبد مُلكية حتى عام 1640، ولم يتحول إلى نظام مؤسّسي حتى ستينيات القرن السابع عشر. وقد عومِل العبيد الأفارقة باعتبارهم مُمتلكات لأصحابهم الذين لم يمنحوهم من الحقوق إلا ما رأوه مناسبًا. أما تحرير العبيد فكان أمرًا عائدًا لتقدير المالك، ولا يحدث عادةً إلا تحت شروط معينة، كإنقاذ العبد حياة سيّده أو أحد أفراد عائلته أو أن يشي بعبيد آخرين يخططون للتمرد والهرب أو عند موت سيّده. ومع ذلك، فقد كان صعبًا على عبد مُحرر أن يرتقي ويصعد السُلم الاجتماعي.

البيوت والتعليم

كانت البيوت في المُستعمرات تُوحي بالحالة الاجتماعية لمالكيها. فأقدم بيوت مستعمرتي جيمستاون وبليموث كانت بأساسات خشبية وجدران معزولة بخليط من القش والعيدان والطين، وأسقف من القش. أما الأساسات الخشبية المصنوعة عادةً من شُجيرات مربوطة معًا، فكان يُثبت بينها أعواد بشكل أُفقي وأُخرى بشكل عمودي بينها. ومن ثُم تُعبأ الفراغات بين الأعواد بخليط من الطين والقش والتراب لتشكيل الجدران وعزل البيت.

مُعظم البيوت كانت مُكوَنة من غُرفة واحدة، وقد يوجد فيها عِليِّة أحيانًا، بالإضافة إلى موقد للنار على أحد الجوانب وأرضية من تُراب، أما النوافذ فكانت مفتوحة، وذلك لكون الزجاج باهظ الثمن. واستعاض بالورق والملابس لمنع تسرب المطر ودخول الحشرات، كما عُلِقت بعض الأعشاب كعشبة القيصوم بهدف طرد الحشرات. وعند النوم، كان الكبار يرقدون على أسرَّة ذات ألواح خشبية وطبقة من القش، أما الأطفال فعلى حصائر على الأرض. واتخذ هذا النمط من المنازل أسلوبًا سائدًا وسط الطبقة الفقيرة في المناطق الريفية طوال فترة الاستعمار.

Stephen Hopkins' House, Plimoth Plantation
منزل ستيفن هوبكنز، مستعمرة بليموث Eric McCarthy (CC BY-SA)

وسرعان ما حظرت بعض المدن، كمدينة بوسطن، الأسقف المصنوعة من القش لتفادي اشتعال النار فيها. أمّا بيوت المُدن فكانت ذات هياكل وأرضيات خشبية ووصلات خشبية متداخلة، وكانت في الغالب من طابقين، بحيث يشغل الطابق الأعلى على غرفة النوم، بينما يُخصص الطابق السُفلي للمطبخ والخدم وغرفة استقبال للضيوف. كما احتوت هذه المنازل على نوافذ زجاجية وأكثر من موقد للتدفئة. وبمرور الوقت، أصبحت بعض المنازل الأكثر تكلفة تُبنى من الحجر أو الطوب المحروق.

وكانت بيوت المزارع في أغلب الأحيان عبارة عن قُصور ذات غُرف ومواقد تدفئة مُتعددة، بالإضافة إلى صالات استقبال واسعة وغُرف للخدم في الطابق الثالث أو الدور السُفلي. واحتوت هذه القصور على نوافذ زجاجية وزخارف ومناظر طبيعية شاسعة تُحيط به، وقد كانت تُبنى من المواد التي يختارها صاحبها.

واتُّبع النظام ذاته للتعليم، إذ كان أبناء الأثرياء يرتادون المدارس في انجلترا أو يتلقون تعليمًا خاصًا، أما أبناء الطبقات الدُنيا فكانوا غير مُتعلمين أو يُعلمهم آبائهم أو يلتحقون بمدرسة من غرفة واحدة يُشرف عليها مُدرّس يتقاضى أجره من التمويل المُجتمعي. أما المُستعمرات الوسطى والجنوبية فكانت تخلو من المدارس العامة، فوحدها مستعمرات نيو إنجلاند من فرضت التعليم العام. كما كان من المُتوقع أن يُساهم أولياء الأمور بقدر ما يستطيعون توفيره من كُتب ونقود ومقاعد للدراسة أو حتى الحطب لموقد المدرسة المركزي. وكان المُدرّس عادةً يتناوب في إقامته في بيوت أولياء الأمور.

ورُغم تأكيد المُستعمرين في مستعمرة نيو إنجلاند على أهمية تلقي الجميع للتعليم، إلا أنهم كانوا يرَون أن تعليم الذكور أجدر من تعليم الإناث لكونه سيساعدهم في الانخراط بالأعمال، على العكس من الأعمال التي ستنخرط بها الإناث، والمُتمثلة في الزواج وتربية الأطفال وإدارة أمور المنزل. فقد كان تعليم الفتيات يقتصر على الأساسيات كالكتابة والحساب، وفي حال كانت من طبقة راقية، فتتعلم العزف على آلة موسيقية والغناء والرقص. أمّا الأولاد فتعلموا التاريخ والجغرافيا والكتابة والحساب، وذلك إلى جانب تدريبهم على حِرفة آبائهم. كما كان الدين المسيحي موحَدًا فيما يخُص التعليم، سواءٌ أكان للذكور أم للإناث، باستثناء طريقة تفسيره وتعليمه التي اختلفت داخل المُستعمرات.

العائلة والملابس والطعام ووسائل الترفيه

كانت العائلة نواة المُجتمع الأساسية، وكان الزواج أمرًا مُحبَّذًا. إذ كان مُعظم الرجال يتزوجون في أوائل إلى منتصف عشرينياتهم، في حين يمكن للفتيات أن يتزوَّجن في سن الخامسة عشرة. إلّا أن عدد الرجال كان قد فاق عدد الإناث في المُستعمرات، مما أدى لظهور ما يُعرف ببرنامج جيمستاون للعرائس بين 1620 و1624، والذي دفع بموجبه النساء الصغيرات للسفر من إنجلاند إلى جيمستاون بهدف الزواج. وقد ضَمِن هذا البرنامج للنساء الحصول على زيجة مزدهرة، إذ كان لهُن حرية الاختيار بين عدد من الرجال غير المُتزوجين، إلّا أن التكلفة الباهظة لسداد نفقات الشركة التي بعثت بالنساء، والتي قٌدِّرت حينها بحوالي 150 رطلًا من التبغ، أي ما يعادله اليوم بـ 5000 دولارًا، جعلت المشاركة في هذا البرنامج حِكرًا على الرجال الأغنياء في المُستعمرات.

أمّا العائلات المُستعمِرة فكانت عادةً كبيرة، إذ لم يكُن غريبًا أن تُنجب المرأة في ذلك الوقت من 10-15 طفلًا. وفي المُجتمعات الريفية، كان الأطفال يُشكلون القوة العاملة، فكلما زاد عددهم، زادت معهم أرباح المزرعة أو التجارة. وكان أفراد العائلة المُمتدة يعيشون بالقرب من بعضهم أو تحت سقف واحد، فكثيرًا ما كانت النساء يلقين حتفهن عند الولادة، مما يدفع الأرمل للزواج بسرعة، وبهذا يضُج البيت بأبناء الزوج إلى جانب العمّات والأعمام والأجداد.

Stony Ground
لوحة Brooklyn Museum (CC BY)

كما ساهم وجود كل هذه الأيدي في الأعمال المنزلية وغيرها من الأعمال التي يُديرها ربُ الأسرة. فقد كانت النساء والفتيات ينسجن ويَخطن ويُصلِحن الملابس المصنوعة من القطن أو الصوف ذو الألوان الزاهية، أو الملابس السوداء ليوم السبت أو تلك العباءات والقمصان المصنوعة من جلود الحيوانات. أما الأحذية، وخصوصًا تلك الخاصة بالرجال، فكانت تُصنع يدويًا على غِرار أحذية السُكان الأصليين. وكانت ملابس النساء أكثر تعقيدًا منها عن الرجال، إذ تكوَّنت من عدة طبقات من القطع الداخلية.

وبِخلاف المُتوقع، فقد كان يجدُر على الأطفال العمل لا اللعب، إذ كان مُعظمهم بغض النظر عن طبقتهم يساهمون في بعض الأعمال قبل بلوغهم الخامسة، حتى لو كان ذلك في المساعدة بجمع الحطب. ومع ذلك، كان الأطفال يلعبون ويمتلكون ألعابًا. فقد لعبت الفتيات بالدُمى المصنوعة عادًة من القش والملابس البالية، في حين لعب الأولاد بمجسّمات الجنود والحيوانات والأسلحة الصغيرة. وكان من ضمن الألعاب التي تُلعب، لعبة المُطاردة ولعبة العُميان ولُعبة أخرى بالكُرة تُدعى ستولبول، وهي شبيهة بلعبة الكريكت الإنجليزية. وفي فصل الشتاء كان التزلج من الفعاليات الشائعة.

واستمتع البالغون من الذكور بالألعاب كالبولينغ والبلياردو وألعاب الطاولة والورق، ومارسوا الصيد كرياضة. وشاركت النساء آنذاك بتجمُعات تعاونية احتفالية للقيام بنشاط معين، كخياطة فستان زفاف أو لحاف، أو لتخزين الفاكهة والخضروات أو القيام بأعمال البستنة، وحتى الأنشطة المُجتمعية كتحسين حديقة محلية. وكان من ضمن التجمعات التعاونية قيام النساء بإعداد وجبة كبيرة، وذلك تزامنًا مع بناء حظيرة جماعي بواسطة رجال المُجتمع.

وفي نيو إنجلاند، كان النظام الغذائي قائمًا على استخدام الذرة لصُنع خُبز الذرة وبودينغ الذرة وحساء الذرة والكعك. أما لحوم الغزلان البرية والأرانب والسناجب والطيور وغيرها، فكانت تستكمل النظام الغذائي بجانب الفواكه الطازجة، كالتفاح في مستعمرات نيو إنجلاند والوسطى، والخوخ في مستعمرات الجنوب. واعتُبرت البطاطا الحُلوة إضافة مُحببة للوجبات، رغم الاعتقاد الشائع بكونها تسبب الإدمان، وأنّ من يتناولها بشكل يومي لن يعيش أكثر من سبع سنوات من بعد أول مرة تذوقها بها. وكان من المُعتقد بأن الخضراوات تُسبب الأمراض ما لم يتم طهيها جيدًا، وعلى الرغم من ذلك، واصل المزارعون زراعتها وأكلها، كما تباهوا بعرض أفضل محاصيلهم خلال المهرجانات المُجتمعية.

Still Life by John F. Francis
لوحة Museum of Fine Arts, Boston (Public Domain)

كما كانت تُقام المهرجانات بهدف الاسترخاء والاحتفال، وكانت تُشبه المعارض المحلية في المقاطعات. وفي المسابقات، تنافست النساء على إعداد أفضل فطيرة أو مُربى أو قطعة تطريز، بينما شارك الرجال في مسابقات الرماية والتصويب وجولات المصارعة والملاكمة، أو المنافسة على أفضل المواشي وأكبر اليقطين والقرع. أما الأطفال بمختلف أعمارهم، فاستمتعوا في المعارض بركوب الخيل والحصول على جوائز عند تسلق الأعمدة المدهونة بالزيت أو الإمساك بخنزير، بالإضافة إلى مسابقات نداء الخنازير وأكل الفطائر. وكانت معظم المعارض تُقام في أواخر فصل الصيف أو بدايات الخريف، وذلك ما يُفسر وَفرة الطعام بعد فصل حصاد ناجح.

الجريمة والعقاب

بالنسبة لأولئك المفرطين في اللهو في المعارض أو غيرها من الأماكن، والذين يُخالِفون الأعراف المُجتمعية السائدة، فكانوا يُعاقَبون سريعًا، وغالبًا بإذلالهم أمام العلن. فعلى سبيل المثال، كان السُكر أمام العامة أو انتهاك حُرمة يوم السبت بالعمل فيه أو التخلُف عن الحضور للكنيسة، من الأمور التي تُوجِب العقاب، وذلك عن طريق وضع المُذنب لفترة زمنية معينة بآلة للتعذيب تُدعى المقطرة. ويستوجب ذلك تقييد أيدي المُذنب ورقبته وأحيانًا قدميه داخل قيود خشبية في ساحة البلدة، ليقوم الآخرين برميه بالفاكهة والخضراوات المُتعفنة أو الحصى الصغيرة والاستهزاء به.

وكان يُعاقَب من يرتكب جرائم مثل التزوير والسرقة والسطو والزنا والاعتداء، وذلك بالجلد أمام العلن أو تقييده بالمقطرة أو حتى كلاهما معًا أو الوسم بالنار والتشويه أو كسر اليد أو الذراع أو القدم، أو السجن أو النفي. إلّا أنَّ عقوبة السجن لم تكُن خيارًا مُحبَّذًا، إذ كانت تُكلّف المجتمع أموالًا لإطعام المُتهَم، إضافةً لكونه غير قادر على إعالة أسرته داخل السجن.

Witch Trial of George Jacobs
محاكمة جورج جاكوبس بتهمة السحر Thomkins H. Matteson (Public Domain)

أمّا جرائم الاغتصاب والقتل وممارسة الشعوذة، فكانت عقوبتها الإعدام. إلّا أنّه وللأسف، كان من الصعب إثبات حوادث الاغتصاب، إذ كان الرجال، وخصوصًا ذوي الطبقة الغنية، يدفعون غرامة صغيرة أو يتم تبرأتهم. وكانت أول حالة إعدام بتهمة القتل، هي تلك الخاصة بجون بلينغتون (1580-1630) من مستعمرة بليموث، وهو أحد أوائل المُسافرين على سفينة مايفلاور، وقد أُعدم شنقًا. كما أُعدم المُتهمون بممارسة الشعوذة والسحر شنقًا، فضلًا عن أساليب المُستعمرين المُبتكرة والقاسية للإعدام، والتي كان من ضمنها الإغراق والحرق والسحق حتى الموت بالأثقال.

الخاتمة

بين عام 1614، وهو العام الذي أصبح فيه محصول التبغ في مستعمرة جيمستاون أحد أنجح المحاصيل في المُستعمرات، وعام 1763 الذي هزم فيه المُستعمرون الإنجليز الفرنسيون في الحرب الفرنسية والهندية، قامت ثقافة جديدة كُليًا مبنية على مفهوم الجُهد الفردي وقوة الشخصية والالتزام بالرؤية المسيحية بوصفِها طريقًا للنجاح. وكان وعد أمريكا المُستعمِرة ينُص على قُدرة أي شخص على أن يُصبح ما يُريده، بشرط العمل بجهد لتحقيقه.

وقد شكّلت المسيحية البروتستانتية مصدرًا للتحفيز والاستمرارية لدى المُستعمِرين منذ البداية، إذ أكدت على أهمية تمجيد الله من خلال العمل بجهد. وازدادت هذه الأهمية في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، خلال النهضة الكُبرى الأولى، عند شيوع مفهوم التقوى الشاملة. فكما شاع، أنّ الروح القُدس قد يتأثر بها أي شخص، فليس هنالك أحد خارج رحمة الله، وكل فرد له قيمته عند الله. وقد انسجمت هذه الرؤية اللاهوتية مع الثقافة الفردية الجديدة، والتي شجعت بدورها على ظهور حركة مُتطرفة تدعو إلى الانفصال عن الحُكم الإنجليزي وتأسيس دولة جديدة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.

نبذة عن المترجم

Sara Fakhr Al Deen
طالبة لغة إنجليزية وترجمة، مهتمة في مجال الترجمة الإبداعية وترجمة الشاشة. آمل أن أساعد في نشر المعلومات من خلال مساهمتي في الترجمة.

نبذة عن الكاتب

Joshua J. Mark
جوشوا مارك: مؤسس ومساهم ومدير محتوى في موسوعة تاريخ العالم. عمل كبروفيسور في كلية ماريست في نيويورك حيث درّس التاريخ، الفلسفة، الأدب والكتابة. سافر كثيراً وعاش في اليونان وألمانيا.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Mark, J. J. (2026, April 13). الحياة اليومية في أمريكا المُستعمرة. (S. F. A. Deen, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1722/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Mark, Joshua J.. "الحياة اليومية في أمريكا المُستعمرة." تمت ترجمته من قبل Sara Fakhr Al Deen. World History Encyclopedia, April 13, 2026. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1722/.

التوثيق بنمط MLA

Mark, Joshua J.. "الحياة اليومية في أمريكا المُستعمرة." تمت ترجمته من قبل Sara Fakhr Al Deen. World History Encyclopedia, 13 Apr 2026, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1722/.

إزالة الإعلانات