تاريخ موجز للطب البيطري

Joshua J. Mark
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF

الكلمة الإنجليزية "veterinarian" التي تعني الشخص الذي يقدّم الرعاية الطبية للحيوانات، تعود في أصلها إلى الفعل اللاتيني veheri، أي "يسحب" أو "يجرّ". وقد استُخدمت الكلمة في البداية للإشارة إلى من يعتني بـ “الحيوانات التي تعمل تحت النير” – كالأبقار والخيول – في روما القديمة (غوثري، ص. 1).

إن ارتباط مصطلح "الطب البيطري" بروما جعل العديد من الباحثين يبدؤون الحديث عن تاريخه مع الطبيب الروماني جالينوس (عاش بين عامي 129 – 216 م)، أو مع أبقراط، الطبيب اليوناني الذي يُلقب بـ “أبو الطب” (حوالي 460 – حوالي 379 ق.م)، أو مع الكاتب فيجيتيوس (من أواخر القرن الرابع أو الخامس الميلادي).
لكن الحقيقة أن الممارسة البيطرية كانت راسخة الوجود قبل زمن هؤلاء بكثير.

Medical Treatment of a Horse
علاج طبي لحصان Unknown artist (Public Domain)

من المستحيل تحديد متى وأين بدأ الطب البيطري، تمامًا كما لا يمكن الجزم بمكان وزمان نشوء تربية الحيوانات أو تدجين الكلاب. ومع ذلك، من المرجّح أن شكلاً من أشكال الطب البيطري ظهر مباشرة بعد أولى محاولات تدجين الحيوانات، والتي يُؤرَّخ أحدثها بين 12,000 و10,000 قبل الميلاد. غير أن معظم الدراسات – خصوصًا تلك التي تتناول تدجين الكلاب – تُرجع هذا الحدث إلى زمن أقدم بكثير.

الكتاب اليونانيون والرومان الذين يشار إليهم غالبًا باسم "أبو الطب البيطري" لم يساهموا إلا في ما تم إنشاؤه بالفعل.

ويمكننا أن نرسم صورة تقريبية لتطور الممارسة البيطرية في حضارات الصين وبلاد الرافدين ومصر والهند قبل أن تصل إلى اليونان وروما، حيث ستتطور لاحقًا وتنتقل إلى أوروبا.

من شبه المؤكد أن أطباء آسيا والشرق الأدنى مارسوا الطب البيطري قبل ظهور السجلات المكتوبة التي وثّقت ذلك، لكن النصوص التي وصلتنا تُظهر بوضوح أن من يُلقَّبون بـ “آباء الطب البيطري” من الإغريق والرومان، لم يؤسسوا العلم بل طوّروه.

أما كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر الميلادي، فلم يكونوا مطلعين على مساهمات الحضارات الأقدم، فبدأوا دراساتهم باليونان والرومان. غير أن البحث الحديث أوضح أن شخصيات مثل أبقراط وفيجيتيوس كانوا مطورين متأخرين لا روّادًا أو مؤسسين.

الأصل والأسطورة الصينية للطب البيطري

كما أشرنا، لا يمكن تحديد أين بدأ الطب البيطري أول مرة، لكن أقدم دليل موثّق يأتي من الصين.
إحدى أشهر أساطير الصين القديمة تتحدث عن الإله فوكسي (Fuxi)، المعروف أيضًا باسم Fu-Hsi أو Fu-Shi، وعن شقيقته وزوجته نُوْوا (Nuwa) اللذين خلقا البشر ومنحاهم هبات الحضارة. ويُعرف فوكسي بلقب “مروّض الثيران” لأنه علّم الناس تدجين الحيوانات، وقد كانت علامات هذا التدجين واضحة بالفعل عندما ازدهرت قرية بانبو بين عامي 4500 و3750 قبل الميلاد.

Fuxi & Nuwa
فوكسي و نُوْوا Unknown artist (Public Domain)

بحسب الأسطورة، كما رُويت في كتاب جبال وبحار (Classic of Mountains and Seas) نحو 2600 ق.م – وإن كانت القصة متداولة شفهياً قبل ذلك بقرون – قامت نُوْوا بصنع كل إنسان بيديها، لكنها تعبت من تكرار العمل إلى ما لا نهاية، فقررت إنشاء نظام الزواج ليقوم البشر بعملية التكاثر بأنفسهم. بعد ذلك، واجه البشر مشكلة جديدة: لم يعرفوا كيف يعتنون بأنفسهم أو يلبسون أو يطهون طعامهم. وهنا جاء فوكسي ليعلّمهم الصيد والزراعة والكتابة والتنبؤ بالمستقبل، وأخيرًا تدجين الحيوانات لتسهيل حياتهم.

وبعد أن دجّن الناس الحيوانات، علّمهم فوكسي كيف يعتنون بها. تشير أقدم الأمثلة على الطب البيطري في الصين إلى العناية بـ الأبقار والخيول تحديدًا. فقد كان هناك أطباء يُعرفون باسم “كهنة الخيول” يستخدمون الوخز بالإبر لعلاج الخيول المصابة بالعرج أو المغص حوالي 3000 ق.م. ومنذ ذلك الوقت، تطورت الممارسة البيطرية لتشمل أنواعًا أخرى من الحيوانات، ودمجت بين الأعشاب الطبية والتعاويذ والعلاجات العملية في معالجة الأمراض والإصابات.

الممارسة البيطرية في بلاد الرافدين

في بلاد الرافدين، كان الأطباء البيطريون موجودين بالفعل بحلول عام 3000 قبل الميلاد، وكانت مهنتهم مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمقدّس والإلهي. إذ كانت الإلهة غولا – المعروفة أيضًا باسم نينكارّاك أو نينيسينا – تُعد سيدة الصحة والشفاء، وغالبًا ما ارتبطت بالكلاب لما يُنسب إليها من خصائص الشفاء والحماية. يُقال إن غولا أسّست فنّ الطب بمعونة قرينها بابيلساغ، وأبنائها دامو ونينازو، وابنتها غونورا. ومن بين أبنائها، كان نينازو الأبرز؛ إذ ارتبط بـ الشفاء والتحوّل والعالم السفلي، وكان رمزه العصا الملتفة حولها أفاعٍ – الرمز الذي سيُعرف لاحقًا بـ عصا أبقراط، والذي لا يزال يُستخدم حتى اليوم رمزًا للمهنة الطبية.

Terracotta Plaque Dedicated to Gula
لوح فخاري مكرّس للإلهة غولا Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

كان للأطباء في بلاد الرافدين نوعان أساسيان: الأول هو الآسو (Asu)، وهو الطبيب الذي يعالج الأمراض بناءً على الملاحظة المباشرة والعلاج الجسدي للأعراض. أما الثاني فهو الآسيبو (Asipu)، ويمكن وصفه اليوم بـ “المعالج الروحي”، إذ كان يعتمد على التعاويذ والصلوات والأعشاب. وكلا النوعين كان يمكن أن يُمارسا الطب البيطري أيضًا، إذ لم يكن هناك فصل واضح بين من يعالج البشر ومن يعالج الحيوانات. بل إن الطب “الطبيعي” والطب “الروحي” كانا يسيران جنبًا إلى جنب، دون أن يُعتبر أحدهما أكثر “علمية” أو “شرعية” من الآخر.

أول طبيب بيطري معروف بالاسم هو الطبيب السومري أورلوغاليدنا (Urlugaledinna)، الذي خدم في عهد أور-نينغيرسو (حوالي 2121 – 2118 ق.م)، ملك لكش، وهو ابن وخليفة الملك العظيم غوديا (2141 – 2122 ق.م). وبحسب الدكتور سعدي ف. السامرّائي:

اهتم أورلوغاليدنا اهتمامًا خاصًا بأداة تتكوّن من مقبضين معدنيين متصلين بحبلين ملتويين ينتهيان بصفائح منحنية عند أطرافها، وهي تمثّل نوعًا من الملقط الطبي الذي استخدمه أطباء التوليد السومريون في حالات الولادة العسيرة. كما تُثبت الأدلة أن الأدوات الجراحية كانت تُستخدم لفتح الدمامل وإجراء العمليات البسيطة، بالإضافة إلى الإبر والخيوط الجراحية لإغلاق الجروح. (ص. 129)

تُظهر الختم الأسطواني الخاص بأورلوغاليدنا – وهو بمثابة توقيعه الشخصي – هذه الأداة إلى جانب عصا نينازو ذات الأفاعي المتشابكة. ويبدو أن عمله كان مرتبطًا أكثر بعلاج الحيوانات منه بعلاج البشر، رغم أن تفاصيل ممارساته لم تُسجّل. وهذا ليس غريبًا في نصوص بلاد الرافدين، إذ كانت تفترض أن القارئ على دراية مسبقة بالموضوع. وكما أشار المستشرق صموئيل نوح كريمر:

كان هناك أيضًا أطباء يُعرفون باسم “طبيب الثيران” أو “طبيب الحمير”، ولكن لا نعرف عنهم سوى ذكرٍ عابر في القوائم اللغوية، دون أي تفاصيل إضافية. (السومريون، ص. 99)

ومهما كانت طبيعة عمل هؤلاء الأطباء الأوائل، فإنهم كانوا قد أسّسوا مهنتهم جيدًا بحلول زمن قانون أشنونا (حوالي 1930 ق.م)، إذ يذكر القانون داء الكلب (rabies) ويحدّد الغرامة التي تُفرض على صاحب الكلب المسعور إذا عضّ أحدًا. وفي قانون حمورابي (حوالي 1754 ق.م)، يُعترف بالأطباء البيطريين بوصفهم فئة مستقلة من الأطباء، ويُحدّد القانون أجورهم، مما يؤكد أن الطب البيطري كان آنذاك مهنة محترمة ومعترفًا بها رسميًا.

التقنين المصري

بحلول الوقت الذي نُقش فيه قانون حمورابي في بابل، كان الأطباء البيطريون في مصر القديمة يتمتّعون بسمعة راسخة ومهارة عالية، وكانوا قد ألّفوا بالفعل عملاً علميًا في الطب البيطري يُعرف اليوم باسم بردية اللاهون (The Kahun Papyri). تعود هذه البردية إلى عصر الدولة الوسطى (2040 – 1782 ق.م)، وتحديدًا إلى عهد أمنمحات الثالث (حوالي 1860 – 1814 ق.م). تضم هذه المجموعة نصوصًا في مواضيع متنوعة: من تنظيم الأعياد، إلى الأمراض النسائية وعلاجها، إلى الطب البيطري وتشخيص الأمراض الحيوانية.

Kahun Veterinary Papyrus
بردية كاهون البيطرية Francis Llewellyn Griffith (Public Domain)

ليس من الغريب أن يتطور علم الطب البيطري بشكل مبكر في مصر، فالثقافة المصرية أعلت من شأن الحيوان ورأت في جميع أشكال الحياة قداسةً خاصة. ورغم ارتباطها الشائع بعبادة القطط، إلا أن المصريين قدّروا كل الكائنات الحية، إذ كان نظامهم الغذائي نباتيًا في الغالب، وكانت الحيوانات تُكرَّم بربطها بالآلهة التي تمثل قوى الطبيعة والخلق.

تشير الباحثة كوني لورد إلى أن المصريين، بوصفهم مجتمعًا زراعيًا، “كانوا يعيشون في تواصلٍ دائم مع الحيوانات، وغالبًا ما أثّر أحدهما في صحة الآخر” (ص. 141). هذا الاحتكاك المستمر جعل الاهتمام بصحة الحيوان ضرورةً دفاعيةً عن النفس، لكنه اتخذ في مصر طابعًا أكثر إنسانيّةً واهتمامًا مبكرًا نتيجة احترامهم للحياة الحيوانية. ويذهب بعض الباحثين إلى أن الطب البيطري المصري هو الأقدم في العالم، وربما يعود إلى عصر الدولة القديمة (حوالي 2613 – 2181 ق.م) أو حتى قبل ذلك. تضيف لورد:

“كانت الحيوانات، مثل البشر، تُصاب بكثرة بالأمراض الطفيلية، كما أن وهج الشمس المصرية القاسي والعواصف الرملية المتكررة تسببت في انتشار أمراض العيون لدى كلٍّ من البشر والحيوانات. إن الظروف البيئية لمصر القديمة ساعدت على ظهور أنماط مرضية مشتركة بين الإنسان والحيوان.” (ص. 142)

من أبرز هذه الأمراض داء المثقبيات الإفريقي (African Trypanosomiasis)، وبخاصة مرض النجانة (Nagana)، الذي ينقله ذبابة تسي تسي. فعندما تلسع الذبابة الحيوان المصاب، يمكن أن تنقل العدوى إلى الإنسان، مسببة مرض النوم القاتل إذا لم يُعالج.

تتناول بردية اللاهون هذا المرض تحديدًا، وتصفه باسم أوشاو (ushau)، وتقترح علاجات مفصّلة له، كما تذكر ضرورة غسل اليدين قبل وأثناء وبعد معالجة الحيوان المصاب.
وتركّز البردية على علاج الماشية، لكنها تذكر أيضًا الطيور والكلاب والأسماك – وكلها كانت تُربّى في المنازل كحيوانات أليفة.

التقدّم الهندي

من غير المعروف إن كان العلم البيطري المصري قد انتقل إلى الهند أم نشأ فيها بصورة مستقلة، لكن بحلول العصر الفيدي (1500 – 500 ق.م)، كانت الطبابة البيطرية في الهند مهنة معترفًا بها وذات مكانة عالية. يشير الباحث ر. سومفانشي إلى أن:

“الكهنة الدينيين الذين كانوا مسؤولين عن رعاية الماشية كانوا أول الأطباء البيطريين. تشير العديد من التراتيل الفيدية إلى الخصائص العلاجية للأعشاب، ومن المرجّح أن هؤلاء الكهنة استخدموا معرفتهم الطبية للحفاظ على صحة الأبقار.” (ص. 3)

Sushruta Samhita
سوشروتا سامهيتا Los Angeles County Museum of Art (Public Domain)

وفي القرن السابع أو السادس قبل الميلاد، برز الطبيب العظيم سوشروتا، المعروف بـ “أبي الطب الهندي” و“أبي الجراحة التجميلية”. قدّم في عمله سوشروتا سامهيتا (Sushruta Samhita) – وهو أقدم مؤلف معروف في الجراحة التجميلية وأحد أعمدة الطب الأيورفيدي – أسسًا علمية شملت العلاج البشري والحيواني معًا. يقول سومفانشي:

“كانت الحيوانات تتلقى رعاية طبية جيدة في الهند القديمة، إذ كان الأطباء الذين يعالجون البشر مدرّبين أيضًا على علاج الحيوانات. وتضم مؤلفات الطب الهندي مثل شاراكا سامهيتا وسوشروتا سامهيتا وهاريتا سامهيتا فصولًا مخصصة لرعاية الحيوانات المريضة والسليمة. وكان هناك أيضًا أطباء يتخصّصون فقط بعلاج الحيوانات أو نوعٍ واحدٍ منها، وأعظمهم كان شاليهوترا، أول طبيب بيطري معروف في العالم وأب الطب البيطري الهندي.” (ص. 5)

كرّس شاليهوترا (حوالي القرن الثالث قبل الميلاد) حياته لعلاج الحيوانات، وألّف كتاب شاليهوترا سامهيتا الذي اعتمد على أعمال سوشروتا في التشريح والفيزيولوجيا والجراحة، مطبقًا إياها على الحيوان. وفي عهد الملك أشوكا العظيم (268 – 232 ق.م)، أُنشئ أول مستشفى بيطري في العالم في الهند، مستندًا إلى فكر شاليهوترا ورؤيته.

التطورات اليونانية والرومانية

كان أبقراط يؤكد على اتباع نهجٍ تجريبيٍ بحت في تشخيص الأمراض وعلاجها، سواء لدى البشر أو الحيوانات.

سار اليونانيون على نهج الحضارات السابقة في تطوير الطب البيطري بعد استئناس الحيوان، لكنّ أحد أبرز من تناول الموضوع بعمق هو أبقراط، الذي اعتمد المنهج التجريبي بالكامل في تشخيص الأمراض وعلاجها، سواء لدى الإنسان أوالحيوان.

رأى أبقراط أن المرض ليس عقوبة إلهية ولا سببه أرواح شريرة، بل ينتج عن العوامل البيئية والغذاء ونمط الحياة. ورغم أن هذا المبدأ طُرح قبله في مصر على يد إمحوتب (2667 – 2600 ق.م) ثم في الهند على يد سوشروتا وشاليهوترا، فقد صاغه أبقراط بأسلوب علمي منهجي مؤثر.

دعا إلى نظام صحي متكامل يشمل التغذية الجيدة، التمارين المنتظمة، التعرض للشمس، التدليك، الاسترخاء، تحسين المزاج، العلاج بالعطور، والاستحمام الدوري. ورغم أن عمله ركّز على البشر، إلا أنه شمل رعاية الحيوان أيضًا. وفي حوالي 130 ق.م، ذاع صيت ميتردوروس من لاميا في تساليا بمهارته في علاج الحيوانات، وخاصة الخيول، مستندًا إلى تعاليم أبقراط.

لا شكّ أن الرومان تبنّوا الممارسات الطبية الإغريقية، وأبرز من مثّل ذلك كان الطبيب جالينوس، الذي أدرك التشابه الكبير بين فسيولوجيا الإنسان والحيوان. وقد استطاع معالجة مرضاه بمهارة عالية بفضل معرفته العميقة بالتشريح التي اكتسبها من دراسته للحيوانات. افترض جالينوس – وبصواب – أن ما يضرّ الحيوان سيضرّ الإنسان أيضًا، وبالمقابل، فإن ما يعزز صحة الحيوان من المرجّح أن يعزز صحة الإنسان كذلك.

Portrait of Seven Notable Greek Physicians & Botanists
لوحة لأشهر الأطباء الإغريقيين وعلماء النباتات Lewenstein (Public Domain)

ومع ذلك، فإن أعمال جالينوس على الحيوانات غالبًا ما طغت عليها شهرة الكاتب الروماني بوبليوس فلافيوس فيغيتيوس ريناتوس (المعروف اختصارًا باسم فيغيتيوس)، الذي ألّف كتابًا بعنوان دليل الطب البيطري (Digesta Artis Mulomedicinae)، والذي أصبح المرجع الأساسي للعاملين في مجال الطب البيطري.

ولا يُعرف عن فيغيتيوس شيء يُذكر خارج مؤلفاته، التي تناولت أمراض الخيول والماشية وطرق علاجها. ومن الواضح أنه كان مطّلعًا على أعمال أبقراط، إذ شدّد على ضرورة امتلاك الطبيب البيطري فهمًا أساسيًا لطبيعة المرض قبل الشروع في العلاج، مؤكدًا أن الأمراض تنشأ من أسباب طبيعية، لا من قوى إلهية أو خارقة. لقد جعل اتساع نطاق مؤلفاته وتأثيرها الكبير على تطور علم الطب البيطري كثيرين عبر القرون يعدّونه «أب الطب البيطري»، متقدمًا بذلك على غيره من الكتّاب الإغريق والرومان.

الخاتمة

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476م وصعود المسيحية، ضاع كثير من المعارف الطبية البيطرية. يقول الدكتور إيرل غوثري:

“حرّمت الكنيسة عمليات التشريح، وصادرت وأحرقت معظم المؤلفات في الطب البيطري. وخلال تلك الفترة لم يُكتب أي عمل جديد، باستثناء بعض الجهود التي قام بها العرب في الأندلس، الذين دفعهم حبهم للخيول إلى دراسة أمراضها.” (ص. 6)

إن انعدام الاهتمام بالطب البيطري في العصور الوسطى كان نتيجة لإصرار الكنيسة آنذاك على أن الحيوانات لا تمتلك روحًا خالدة، وبالتالي فهي لا تستحق علاجًا طبيًا. فلو ماتت قطة أو كلب أليف، وفقًا لرؤية الكنيسة، لم يكن لذلك أهمية تُذكر، شأنه شأن موت ذبابة أو برغوث. ولم يبدأ الأوروبيون بإعادة الاهتمام بصحة الحيوانات إلا في أواخر القرن الثاني عشر وبداية الثالث عشر، بعد أن أدركوا أن صحة الحيوانات تؤثر مباشرة على صحة الإنسان. ومع ذلك، كان هذا الاهتمام مقتصرًا على الخيول والماشية فقط؛ فالخيول كانت تُستخدم في الحرب والتنقل، بينما كانت الماشية مصدرًا للغذاء والعمل الزراعي. أما الاهتمام بصحة الحيوان من أجل الحيوان نفسه فلم يظهر إلا بعد قرون طويلة.

لم يُستعد الاهتمام الجاد بالطب البيطري إلا في عصر التنوير (نحو 1715–1789)، حين بدأ العلماء من جديد دراسة هذا المجال، لكنهم كانوا يجهلون تمامًا إسهامات الصينيين والسومريين والهنود والمصريين وغيرهم، واعتقدوا أن الإغريق والرومان هم أول من مارس الطب البيطري. لذا، كان من الطبيعي أن تُبنى أولى المدارس البيطرية الأوروبية على أعمال أبقراط وجالينوس وفيغيتيوس.

Trade Card of a Veterinary Surgeon
بطاقة تجارية لجراح بيطري The Trustees of the British Museum (CC BY-NC-SA)

تأسست أول مؤسسة تعليمية بيطرية في أوروبا عام 1762 في فرنسا على يد الجراح البيطري كلود بورجلات (1712–1779)، استجابةً للوفيات الهائلة بين الماشية بسبب الطاعون. وقد حقق طلاب مدرسته تقدمًا باهرًا في مجال البحث والتشخيص والعلاج، مما دفع الملك الفرنسي لويس الخامس عشر (1715–1774) إلى إنشاء المدرسة الملكية للطب البيطري عام 1765. وانتشرت بعد ذلك مدارس بيطرية أخرى في أوروبا حتى عام 1791، ثم في عام 1852 أُنشئت أول كلية بيطرية في الولايات المتحدة، وهي كلية الطب البيطري في فيلادلفيا.

يُشار أحيانًا إلى بورجلات بوصفه «أب الطب البيطري» لكونه مؤسس أول مدرسة متخصصة، إلا أن هذا اللقب يتجاهل كلية الطب البيطري التي أُسست في الهند في عهد الملك أشوكا، وكذلك أعمال الأطباء المصريين الذين ألّفوا نصوص كاوون البيطرية منذ آلاف السنين. أما أحدث من حمل هذا اللقب، فهو الطبيب الأمريكي جيمس هارلان ستيل (1913–2013)، الذي يُعدّ بحق رائدًا في رفع الوعي العام حول رعاية الحيوانات وسلامتها.

ومع أن إنجازات الدكتور ستيل في هذا المجال جديرة بالتقدير، فإنه – مثل غيره من الأطباء الغربيين الذين وُصفوا بأنهم «الأوائل» – ليس أول من مارس الطب البيطري. فالحقيقة أن «أب الطب البيطري» الحقيقي – أو ربما «أمه» – قد لا يُعرف أبدًا، لأن هذا العلم أقدم وأعظم بكثير مما يتصوره معظم الناس.

أسئلة وأجوبة

ما هو أقدم تاريخ للطب البيطري؟

أقدم الأدلة على الطب البيطري تأتي من الصين وبلاد ما بين النهرين والهند ومصر حوالي 3000 قبل الميلاد.

من هو أول طبيب بيطري معروف بالاسم؟

أول طبيب بيطري معروف بالاسم هو الطبيب السومري أورلوغاليدينا، الذي عاش وعمل في بلاد ما بين النهرين خلال حكم أور-نينجيرسو في مدينة لاجاش حوالي 2121–2118 قبل الميلاد.

ما هو أقدم عمل في الطب البيطري من مصر القديمة؟

أقدم نص بيطري من مصر هو بردية كاهون المؤرخة في عهد أمنمحات الثالث (حوالي 1860–1814 قبل الميلاد) من عصر الدولة الوسطى.

لماذا يُؤرخ الطب البيطري دائمًا لفترة الإغريق والرومان فقط؟

يُؤرخ الطب البيطري عادة لفترة الإغريق والرومان لأن علماء عصر التنوير في أوروبا لم يكونوا على علم بإسهامات الصين وبلاد ما بين النهرين والهند ومصر القديمة، إذ كانت تاريخياتهم غير معروفة، ولحق ذلك لاحقًا تحيز أوروبي تجاه الحضارات غير الأوروبية أو غير البيضاء.

قائمة المصادر والمراجع

موسوعة التاريخ العالمي هي شركة تابعة لشركة أمازون وتحصل على عمولة على مشتريات الكتب المؤهلة.

نبذة عن المترجم

Yousif Bassam
يوسف بسام طالب جامعي احب الاطلاع على تاريخ العالم ومعرفة الحضارات المختلفة واهدف الى نشرالمعرفة عن طريق الترجمة الى لغتي الام العربية

نبذة عن الكاتب

Joshua J. Mark
جوشوا مارك: مؤسس ومساهم ومدير محتوى في موسوعة تاريخ العالم. عمل كبروفيسور في كلية ماريست في نيويورك حيث درّس التاريخ، الفلسفة، الأدب والكتابة. سافر كثيراً وعاش في اليونان وألمانيا.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Mark, J. J. (2025, October 27). تاريخ موجز للطب البيطري. (Y. Bassam, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1549/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Mark, Joshua J.. "تاريخ موجز للطب البيطري." تمت ترجمته من قبل Yousif Bassam. World History Encyclopedia, October 27, 2025. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1549/.

التوثيق بنمط MLA

Mark, Joshua J.. "تاريخ موجز للطب البيطري." تمت ترجمته من قبل Yousif Bassam. World History Encyclopedia, 27 Oct 2025, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1549/.

إزالة الإعلانات