التحولات الكبرى في أوروبا بعد الموت الأسود

Joshua J. Mark
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF

عرفت أوروبا ما بين السنوات من 1347-1352 جائحة كبيرة مثملة في الطاعون - كما يطلق عليه الموت الأسود - ولم يكن مجرد جائحة عادية بل غير مجرى الأحداث في أوروبا العصور الوسطى، حصد فيها من الأرواح أعدادا كبيرة، وأحدث خللا اجتماعيا واقتصاديا في النظام الإقطاعي السائد وقتها، بل أن من عايشوا هذه التجربة تأثرت جميع مناحي حياتهم.

كانت الأمراض في حدود الأوبئة أمرا معتادا وجزء من الحياة اليومية في العصور الوسطى، إلا أن جائحة بحجم وشدة الموت الأسود لم يكن لها مثيل ولم يسبق لأحد أن عاش مثلها. فلا يعقل أن يعود الناس الى حياتهم كما كانت قبل قدوم الطاعون، حيث أن الموت الأسود غير أسس الحياة النموذجية في أوروبا، في الجوانب التالية:

  • الحياة الاجتماعية والاقتصادية
  • المعرفة الطبية وممارستها
  • المعتقدات الدينية وممارستها
  • انتشار موجات الاضطهاد والنزوح
  • حقوق المرأة
  • الفن والعمارة

بنت أوروبا أساس النظام الإقطاعي فيها تلك الفترة -ما قبل الوباء- على تقسيم صارم للسكان قائم على نظام طبقي يتربع فيه الملك على سدة الهرم، ثم يتبعه النبلاء والتجار ذوي الأملاك والثروات، ثم في أدنى الترتيب يأتي الفلاحون (الأقنان). وكانت تأخذ المعرفة الطبية دون أي تشكيك من الأطباء الذين كانوا يستندون على مؤلفات الحكماء الأولين، بينما مثلت الكنيسة الكاثوليكية السلطة التي لا يعلى عليها في المسائل الروحية. في حين عرف الجنس الأنثوي تهميشا كبيرا، فاعتبرت المرأة مواطنة برتبة دنيا، أما الفن والعمارة آنذاك عكست رؤية الناس لاله يحب الخير، ويجيب مناجاتهم وصلواتهم. يرجع الطب الحديث السبب الفعلي لهذا الطاعون الى بكتيريا يرسينيا بيستيس، التي نقلتها البراغيث عن طريق القوارض، إلا أن الناس وقتها لم يدركوا مصدر هذا الطاعون فهو لم يكن يتوافق مع تصورهم للعالم من حولهم.

The Feudal Society in Medieval Europe
المجتمع الإقطاعي في أوروبا العصور الوسطى Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

الحياة آنذاك لم تكن إطلاقا سهلة، أو حتى في بعض الأحيان جميلة، لكن الناس أدركت ذلك -أو ظنوا أنهم يدركون- فكيف كان يعمل العالم وكيف يجب العيش فيه، قام الطاعون بتغيير كل هذه المفاهيم وغرس مفهوم جديدا أقام أسس التعبير من خلال الحركات مختلفة التي أعقبت نهايته، كحركة الإصلاح البروتستانتية وحركة النهضة.

الطاعون قدومه، بداية انتشاره وما خلفه

عدد الموتى ارتفع بشكل رهيب لدرجة أن الأوروبيين لم يستوعبوا ماذا كان يجري من حولهم وماذا عليهم أن يتصرفوا حياله

قدم الطاعون الى أوروبا من الشرق، وبشكل كبير عن طريق خطوط التجارة المعروفة، طريق الحرير برا وحتما عبر السفن من البحر. الموت الأسود -جمع بين الطاعون دبلي وطاعون انتان الدم والطاعون الرئوي (ويحتمل أنه يحمل أيضا أصولا مرتبطة بالطاعون الحيواني)- عرف انتشارا كبيرا في الشرق منذ على الأقل سنة 1322، وعند حوالي 1343 انشرت العدوى بين جنود الحشد الذهبي المغولي تحت لواء جانيبك خان (حكم من 1342 الى1357) في ظل حصارهم لمدينة كفة في البحر الأسود (الواقعة في فيودوسيا شبه جزيرة القرم حاليا) وكانت تحت سيطرة الإيطاليين في تلك الفترة.

عندما لاحظ جانيبك سقوط العديد من جنوده بسبب الطاعون، أمر بالتخلص من جثثهم برميها على أسوار المدينة بواسطة المقاليع، لنشر العدوى بين سكان كفة عند احتكاكهم مع الجثث المتحللة، أجبرت هذه الخطة عددا من قاطني المدينة على الهروب من المدينة عبر السفن، حطوا في البداية في الموانئ الصقلية ثم في مارسيليا وموانئ أخرى، ومنها بدأ انتشر الطاعون برا. في المتوسط لم يعش هؤلاء الذين بدت عليهم أعراض المرض أكثر من ثلاث أيام على الأكثر، وكان عدد الموتى رهيبا وسريعا حتى أن الأوروبيين لم يتمكنوا من استيعاب ماذا كان يحدث، لماذا، وماذا عليهم التصرف حيال ذلك. يذكر الباحث نورمان فرانك كانتور (Norman F. Cantor) معلقا:

كان الطاعون أكثر شدة في المدن من القرى، ولكن تأثيره النفسي اخترق جميع جوانب المجتمع. لم يسلم أي أحد من المرض كان فلاحا أو برجوازيا، بمجرد أن يصاب المرء به كتب عليه موت أليم ومحتوم. ترك الموتى والمصابون في الشوارع، تخل عليهم أقربائهم وأصدقائهم خوفا على أنفسهم. (Civilization, 482)

الطاعون، وفي أوج مراحله، وفشل جميع الجهود التي بذلت من اجل وقف انتشاره أو إنقاذ الذين أصيبوا به، بدأت تتراجع ثقة الناس في المؤسسات التي اعتمدوا عليها في السابق، بينما كان النظام الإقطاعي يتقهقر بسبب تزايد أعداد الأقنان الذين أخذهم الموت، فهذه الفئة كانت هي الأكثر عرضت نظرا لأوضاعهم المعيشية التي وضعتهم في اتصال مباشر يوميا مع بعضهم، الأمر الذي كان مختلف تماما في الطبقات العليا.

The Triumph of Death
انتصار الموت Museo del Prado (Public Domain)

انتشر الطاعون بشدة في الطبقات الدنيا، ولم يلقوا أي مهرب منه سوى اللجوء لمساعدة الرهبان والكنائس والأديرة، فوصل بذلك الطاعون الى رجال الدين ومنهم انتشر في أوساط النبلاء. وفي الوقت الذي بدأ يزول فيه المرض، بعد أن ترك ملايين الموتى وباتت البنى الاجتماعية في أوروبا بالكاد واضحة كذلك الطبيعة من حولها، كما يشير كانتور (Cantor): "العديد من المدن المزدهرة مسحت وأصبحت مدن أشباح افتراضية" (Civilization, 482) والجثث تركت لتتعفن في الحقول دون أن يجرؤ أحد على جنيها.

التبعات الاقتصادية الاجتماعية:

قبل الطاعون كان ينظر للملك على أن له ملكية كل الأراضي في حدود مملكته، وهو بذاتها يوكلها لنبلائه لإدارتها. ومن جانبهم شغل النبلاء الأقنان الذين اهتموا بالأرض، ليجنوا من خلالها ربحا يأخذ السيد قسط منه وجزء منه كان يدفع للملك. ولم يكن ينال الأقنان أي نصيب يكافئ جهدهم سوى أن اسيادهم كفلوا لهم حق السكن وبعض من ما كانوا يحصدونه. بما أن الملك كان السيد الأعلى وله ملكية جميع الأراضي، ماجعله حرا في تعيين الأسياد كما يشاء، فمعظم الأراضي كانت تقدم كهدايا لأصدقائه وأقربائه ونبلاء آخرون قدموا خدمة معينة له، فبتالي كل قطعة أرض في الفترة حوالي 1347 عمل فيها الأقنان تحت واحد من هؤلاء الأسياد.

تميزت أوروبا آنذاك بكثافة سكانية شديدة، فكانت هناك وفرة من الأقنان للعمل على الأرض، هؤلاء الفلاحين لم يكن لهم خيار سوى مواصلة العمل -الذي خبأ في طياته نوعا من الاستعباد- منذ نعومة أظفارهم حتى مماتهم. كما ألزم القن وجميع أفراد عائلته وهم أقنان كذلك على العمل في الأرض التي تربطهم لأجيال متتالية، لأنه لا يوجد ارتقاء طبقي في النظام الإقطاعي.

بدأ يتلاشى هذا المنطق مع بداية انتشار الطاعون، تراجعت الكثافة السكانية بشكل كبير، وترجمة في نقص كبير في اليد العاملة وأصبح معها الأقنان أصلا مهما ونادرا. وهذه الأهمية جعلت الأسياد يولونا الأقنان أهمية كبيرة، باعتبار أنهم المسؤول الأكبر عن تحقيق الربح من الأرض الاقطاعية، بدونهم لن يتمكن السيد من توفير الطعام لنفسه ولعائلته أو دفع ضريبة العشر للكنيسة والضريبة الملكية. موت الكثيرين جعلت من الناجين في موقف يسمح لهم بالتفاوض على ظروف معيشية أفضل وأجر كريم، بذلك ساهم هذا التغيير في التعامل إلى تحسن كبير في حياة الطبقات الكادحة، فبات بامكانهم توفير ظروف معيشية أفضل وملابس جيدة وحتى بعض الأشياء البادخة.

بمجرد زوال الطاعون شعرت الطبقة العليا بأن هذا التحسن في مكانتهم يهدد الاختلافات الطبقية الموجودة، حيث أن أنماط اللباس عرفت تغيرا كبيرا فقد سعت النخبة على أن تصرف أكثر على ملابس وأكسسوارات أكثر بذخا لكي تبعد الشبه بينهم وبين الطبقات الدنيا، الذين باتوا الآن قادرين على اقتناء ملابس ميسورة أكثر بدلا من الملابس الرثة التي تعودوا عليها سابقا. في ظل هذه التطورات الجذرية لم يهنأ بال الأغنياء لارجاع الأقنان إلى مكانتهم التي عهدوها، ولكن هذه الجهود لم تجدي نفعا وواجهتها العديد من الثورات كثورة الفلاحين في فرنسا سنة 1358، وانتفاضات الاتحادات الحرفية في 1378، وثورة الفلاحين المشهورة بلندن سنة 1381. وحتى وإن استمر الصراع الطبقي بعد ذلك إلا أن سلطة النظام الإقطاعي قد ذبلت.

التبعات على المعرفة الطبية وممارستها

وقد شمل تحدّي السلطة أيضًا المعرفة الطبية وطرق ممارستها المعمول بها. في حين أن الأطباء وقتها بنوا معرفتهم الطبية أساسا على أعمال الطبيب الروماني جالينوس (عاش بين عامي 130 و210م)، وكذلك أبقراط (عاش في ح. 460 – ح. 370 ق.م) وأرسطو (384–322 ق.م)، غير أنّ كثيرًا من هذه الأعمال لم يكن متاحًا إلا في ترجمات من نسخ عربية، وغالبًا ما كانت رديئة. ومع ذلك، فقد استُخدمت هذه الأعمال المتوفّرة بأفضل صورة ممكنة. ويعلّق الباحث جيفري سينغمان (Jeffrey Singman) قائلًا:

لم تكن العلوم في العصور الوسطى بدائية أبدا؛ في الحقيقة لقد كانت

قائمة على نظام بالغ الدقة والتعقيد، اعتمدت على المؤلفات النظرية منذ بداية الألفية الأولى لما قبل الميلاد، هذا الاهتمام الكبير بالتوجه نحو الجانب النظري والكتب التعليمية جعل منها نقطة ضعف، وسمح لبعض المؤلفين المعتبرين أن يفرض آرائهم كحقائق عمياء، فمهمة الحكماء (والأطباء) كانت تتلخص على التفسير والتوفيق بين هذه المعارف القديمة بدلا من تجربة فعلية لهذه النظريات في أرض الواقع. (62)

شهد موت العديد من الأطباء ومقدمي الرعاية الآخرين بأعداد مقلقة خلال محاولتهم تقديم علاج للمصابين بالطاعون، استندوا في ذلك على مفاهيمهم التقليدية، وهذا لم يجدي أي نفع لمساعدة مرضاهم. مع بدايات سنة 1349، أدرك الجميع أن الناس كانت تشفى من الطاعون أو تموت منه دون أي سبب واضح، فالعلاج الذي يشفي أحد المرضى لن يشفي الآخرين بالضرورة.

Franciscan Monks Treat Victims of Leprosy
رهبان فرانسيسكانيون يعلاجون مرضى الجذام Unknown Author (Public Domain)

فبعد الطاعون، أيقن الأطباء ضرورة اعادة النظر في ممارساتهم السابقة التي كانت تقبل المعارف القديمة دون تكييفها مع الظروف الراهنة. ويكتب في هذا الصدد الباحث جوزيف أ. ليغان:

بدأت ملامح التغيير تظهر على علم الطب خلال الجيل الذي تلى التفشي الفعلي للطاعون، فقد فقد العديد من المنظرين البارزين في الطب حياتهم ما فتح الأبواب لظهور أفكار جديدة. وثم فإن السبب الثاني لهذا التغيير، هو توجه ثقة الناس نحو الجراحين المتمرسين في الجانب التطبيقي من الطب، في ظل فشل الطب الذي تقدمه الجامعات... بصعود الجراحة، وجهت كل الأنظار نحو الدراسة المباشرة للجسم البشري، في حالته الجيدة وفي حالة المرض. إلا أن التحقيقات التشريحية والتشريح في حد ذاته لم تنل تلك الأهمية في فترة ما قبل الطاعون ونادرا ما كانت تمارس، فبات يلجأ إليها على وجه مستعجل بدعم أكبر من السلطات العامة. (53)

كما أن مهد موت العديد من النساخ والمنظرين -الذين تولوا سابقا مهمة ترجمة أو كتابة الرسائل الطبية باللاتينية- الى ظهور أعمال جديدة تكتب باللغات العامية، مما مكن عامة الناس على الاطلاع على النصوص الطبية، واتسعت المعرفة الطبية بذلك لتشمل عامة الناس. عدا ذلك، فان المستشفيات غدت مؤسسات أكثر تنظيما وقريبة لنظيراتها المعاصرة. فسابقا استعملت لمجرد عزل المرضى، بعد ذهاب الطاعون، أعيد توجيهها لتصبح مراكز علاجية بمستويات أعلى من النظافة واهتمام أكثر بالرعاية بالمرضى.

تغير نظرة الناس تجاه الدين

الحياة المترفة التي عاشها رجال الدين وتراكم عدد الموتى من الطاعون أشعل موجة واسعة من التشكيك في سلطة الكنيسة وتوجهاتها.

لم يكن الأطباء والمنظرين هم وحدهم من واجهوا تشكيكا في سلطتهم بسبب الطاعون، في الحقيقة طارد رجال الدين نفس الارتياب، أو تعدى ذلك، كما شجع نفس الارتياب تجاه قدرتهم على أداء المهام التي ادعوا تمكنهم منها. فقد عانت هذه الفئة أيضا من ويلات الطاعون، حيث مات رهبان الأديرة والرهبان والراهبات والكهنة مثلهم مثل جميع الناس، وفي بعض المدن انقطعت الخدمات الكنسية لغياب من ينشطها. من جانب أخر زادت ريبة الناس أكثر بعدما وضعت ثقتها في الكنيسة لايقاف تفشي الطاعون، وباشرت بشراء التمائم للحماية، وحضرت الخدمات الكنسية وشاركوا في التطواف، وكرسوا وقتهم للتعبد والصيام، لكنها على عكس ذلك ساهمت في نشر الطاعون أكثر.

الى جانب ماكانت تدعيه الكنيسة للتصدي طاعون، ظهرت أيضا جماعات دينية متطرفة ساهمت هي أيضا في تغذية الخرافات الشائعة حول الطاعون. كان من أبرزها حركة المتسوطين، وهم ممارسون لشكل من أشكال تأنيب الجسد، فكانوا يجولونا المدن في تطواف وهم يقومون بسوط أجسادهم للتكفير عن ذنوبهم، بدأت انطلاقتها الأولى من النمسا، ثم نالت شهرتها في ألمانيا وفرنسا. تولى قيادة هذه المجموعات شخص يعتبر نفسه سيدا، بمعرفة دينية طفيفة أو منعدمة. وهذه الأخيرة ساهمة في انتشار الطاعون بشكل او بأخر بل وحتى تعدت على بعض المجتمعات، كما أصرت على مهاجمة الأقليات المهمشة كاليهود.

The Flagellants
المتسوطون Pieter van Laer (Public Domain)

في ظل غياب سبب واضح لظهور الموت الأسود، ظهرت العديد من النظريات، فقد تم ربطه بعوامل خارقة للطبيعة (كاتهام ما أطلق عليه السحر اليهودي)، وعلى وجه الخصوص ظن الكثيرون أنه يعود لغضب الرب من كثرة خطايا الناس. وقد اعتقد البعض أن الذين لاقاوا نهايتهم بواسطة الطاعون أنهم كان لديهم ضعف دين شخصي، إلا أنه كان واضحا أن الموت الأسود لم يفرق بين المتدين وضعيف الدين فقد أخذ معه كل من مر عليه، اذ أن نفس رجال الدين الذين اتهموهم بذلك لاقوا نفس المصير. عانت الكنيسة كثيرا بسبب الطاعون، وفي الحقيقة لم يكن الناس حقا راضينا بالحياة المترفة التي عاشها العديد من رجال الدين، على غرار الفضائح المتكررة داخل أسوار الكنيسة، فما زاد تراكم الجثة بسبب الطاعون إلا في تدهور رؤية الكنيسة وسلطتها في أعين الناس.

انتشار موجات الاضطهاد والنزوح

الهول الذي عايشه الناس، خلق في نفوسهم شعور من فقدان الأمل والعجز في وجه الطاعون، ما ولد نوعا من الحقد والغضب، ساهمت في ظهور موجات اضطهاد عنيفة في جميع أنحاء أوروبا. علما أن حركة المتسوطين لم تكن المصدر الوحيد لانتشار هذا النوع من الاضطهاد، ففي حالات أخرى، قد تشتعل نار الكراهية والحقد في أنفس مدنيين المسالمين، لمهاجمة المجتمعات الأخرى كاليهودية والغجرية (شعب الروما) ومجتمعات مرضى الجذام وأقليات أخرى. كما لم تسلم المرأة من هذا الاضطهاد، فلطالما اعتبرت مصدر لانتشار الرذيلة، نظرا لربطها بحواء كما جاء ذكرها في الروايات الإنجيلية وعلاقتها بسقوط الإنسان.

وبينما كان اليهود الهدف الأول لهذا الاضطهاد، إلا أنها لم تكن بالشيء الجديد، إذ أنها عداوة بعمر وجود المسيحية. فقد اتهم اليهود بقتلهم للمسيح، ما شكل تصورا لدى المسيحيين معتبرين إياهم "قتلت المسيح"، هذا ما سمح بظهور عدد كبير من المعتقدات الخاطئة في حقهم، كتلك التي تقول أن اليهود يقتلون أطفال المسيحيين لتوظيف دمائهم في طقوس خبيثة، وأنهم كانوا ينشرون هذا الدم في الحقول بجوار المدن لنشر الطاعون، أو أنهم اعتادوا تسميم الأبار في سعي منهم لقتل أكبر عدد ممكن من المسيحيين.

Persecution of Jews during the Black Death
اضطهاد اليهود خلال الموت الأسود (الطاعون) Unknown artist (Public Domain)

أصبح هذا الحقد إلى هوس عنيف، مسح على أثاره المجتمعات اليهودية بشكل كامل في كل من ألمانيا والنمسا وفرنسا، مع أن البابا كليمنت السادس (عاش ما بين 1291-1352) حاول إيقاف هذا المد العدواني، وأصدر مرسوما بابويا يعفي اليهود من تلك الاتهامات ويدين الهجمات المسيحية عليهم. كما اضطر العديد من اليهود أن يهاجروا هربا من مأساة المجازر التي ارتكبت في حقهم، وانتشروا في مناطق مختلفة حتى انتهى بهم المطاف في بولندا وأوروبا الشرقية حيث استقروا هناك.

حقوق المرأة

حظيت المرأة من جانبها أيضا بقدر ومكانة أعلى في المرحلة التي تلت انقضاء الطاعون، وأفضل مما كانت عليه قبل الطاعون، حيث عانت التهميش ونبذ أبسط الحقوق. تكتب في هذا الصدد الباحثة ايلين باور (Eileen Power):

"قبل أن نناقش مظاهر التصورات التي كانت حول المرأة في العصور الوسطى، علينا أن ندرك أهمية فهمنا للمصدر الذي تشكلت من خلاله ليس فقط وجود هذه التصورات فحسب… في العصور الوسطى المبكرة، ما بنيت عليه الآراء المعاصرة [حول المرأة] قدمت من جهتين - الكنيسة والطبقة الأرستقراطية. (9)"

ولم تعر كلا الجهتين لا الكنيسة ولا الطبقة الأرستقراطية المرأة أي قيمة، في ظل أن النساء من الطبقات الدنيا عملن في المخابز وحلب المواشي وفي صناعة النسيج وعملنا في الحانات، وأكيد أنهن عملن كادحات مع عائلاتهن في ضيعة سيدهم لكنهم لم يكن لديهم القدرة على تقرير مصير حياتهم. كان للسيد القرار الأخير في من يتقدم للزواج منها، وليس والدها، وبذلك تنتقل من سلطة والدها المباشرة، الذي كان خاضعا للسيد، الى سلطة زوجها الذي هو أيضا خاضع له.

Medieval Women
نساء من العصور الوسطى Stuart (CC BY-NC-ND)

فيما أدى ظهور بعض الحركات والطوائف التي ساهمت في تحسين صورة المرأة في المجتمع، حيث كانت طائفة العذراء مريم التي نالت شعبية المعتبرة وقتها، وعملت على ربط المرأة بأم المسيح عيسى، إلا أن الكنيسة واصلت اصرارها على تكريس صورة المرأة المتجذرة في كونها منبع الخطيئة، وبنات حواء التي جلبت الخطيئة للعالم.

بزوال الطاعون، وموت غالبية الرجال، سمح للنساء بأخذ مكانهم لسد الفجوة السكانية، فتمكنوا من امتلاك أراضيهم الخاصة، تسيير التجارة التي سيرها رجالهم أو أبنائهم ، كما حظوا بحرية أكبر في اختيار شريك حياتهم. كما أنهم انضموا إلى الاتحادات، وسيروا الشحن و أداروا متاجر الأقمشة، وكان بإمكانهم امتلاك الحانات والمزارع. غير أن هذه الحرية المطلقة لم تدم طويلا، ومعظمها زال لاحقا في ظل محاولات الكنيسة والطبقة الأرستقراطية لإعادة سيطرتهما السابقة، ورغم ذلك فقد تحسن حال المرأة بشكل كبير عن ما كانت عليه من قبل.

الفن والعمارة

أثر الطاعون أيضا بشكل كبير على الفن والعمارة في العصور الوسطى، حيث باتت الأعمال الفنية (اللوحات، فن الطباعة الخشبية والمنحوتات والأعمال الأخرى) تبدو أكثر واقعية عن ذي قبل، واشتركت الى حد قريب في تركيزها على فكرة الموت. وتعلق الباحثة آنا لويز ديزورمو (Anna Louise DesOrmeaux):

أظهرت بعض الأعمال في فترة الطاعون تصويرا مرعبا، تأثر بشكل مباشر بشدة فتك الطاعون أو باعجاب فناني تلك الفترة بهول الموت وحتميته، وإدراكهم لعدد الموتى المتزايد بسبب الطاعون. فقد وثقت بعض الأعمال الفنية الاستجابة النفسية للخوف الذي زرعه الطاعون في ضحاياه، بينما ركزت بعض الأعمال الأخرى على لجوء الناس للدين الذي مثل منبعهم للأمل. (29)

أشهر الأمثلة التي عبرت عن تلك الفترة هي لوحة رقصة الموت (أو كما تعرف ب Danse Macabre)، التي صورت تمثيلا رمزيا للموت وهو يأخذ معه كل الناس باختلاف طبقاتهم. وكما تبين ديزورمو، أن الفنون ما بعد فترة الطاعون لم تشير للطاعون بشكل مباشر ولكن لأي شخص قد يرى هذه الأعمال سيتبين له مدى الرمزية العميقة الذي كانت تحملها. علما ان هذا التصور التمثيلي للموت قد وجد حتى قبل الطاعون، سوى أنه أصبح أكثر رواجا.

Danse Macabre in St. Mary's Church, Beram
رقصة الموت في كنيسة القديسة مريم، بيرام Toffel (GNU FDL)

كما عرفت العمارة نفس التأثر، حسب ما يشير كانتور (Cantor) قائلا:

في انجلترا، برز في العمارة تزايد موازي في البساطة في الأسلوب والتي يمكن أن تنسب إلى التأثير الذي خلفه الموت الأسود - فكان هناك تغير من الأسلوب الفرنسي القوطي الذي تميز بمنحوتاته وزجاج النوافذ المبهرة، إلى أسلوب أكثر بساطة أطلق عليه الطراز القوطي المتعامد، هذا الأخير تميز بشكل بنايات وزوايا أكثر حدة وأقل ابهار واستدارة، وافتقر للمبالغة في التزيين…قد ينسب لأسباب اقتصادية - لعدم وجود أموال كافية لتصرف على التزيين بسبب ضرائب الحرب وتراجع مداخيل الضياع التي عانت من نقص العمالة ومطالبة الفلاحين لرواتب أعلى. (Wake, 209)

ونظرا أن الفلاحين الآن يمكنهم المطالبة برواتب أعلى، لم يعد من السهل تمويل مشاريع بذلك البذخ كما كان يكلف ببنائها قبل الطاعون، فباتت أكثر بساطة وأقل تكلفة. ويضيف الباحث في هذه النقطة أيضا، أن العمارة ما بعد الطاعون أبرزت الجو المتشائم القاتم لتك الفترة وانشغال الناس في معظم وقتهم بالخطيئة والموت.

الخاتمة

كما يجدر أن نشير، أن ارتفاع الرواتب التي طالب بها الطبقات الكادحة أو اهتمام الناس بالموت، لم تكن وحدها العامل الوحيد الذي أثر على العمارة في فترة ما بعد الطاعون، بل ان التراجع الكبير في المحاصيل الزراعية تراجع الطلب بسبب نقص الكثافة السكانية كلاهما ساهما في إحداث ركود إقتصادي. فقد تركت الحقول دون أن تجنى والمحاصيل بقيت حتى تعفنت، في حين شغلت الدول بتقليل استيرادها من أجل تقليل وطأة انتشار الطاعون، ولكن ما لها إلا أن أزمت حال اقتصادياتها المتعبة كما خسر في ظل ذلك التقييد شركائهم التجاريين السابقين أيضا.

فإن انتشار ذلك الخوف من الموت، الذي لم يضع يده عليك، ولا يمكنك أن تتنبأ بقدومه، ولا يوجد أي مهرب منه، أثار رهبة خاصة في النفوس في أوروبا العصور الوسطى، فحتى وأن بدأت تتعافى من ذلك الشؤم بقيت لمسته ظاهرة في فكرهم وأذهانم، ودفعتهم لمراجعة أسلوب حياتهم في السابق، والمبادئ التي لطالما أمنوا بها. مع أن موجة التغيير لم تكن كبيرة في بداياتها، مع ذلك في أواسط القرن 16 عرفت هذه الفترة تحولات جذرية -لم يكن لأحد أن يحلم بها في 100 سنة الفارطة- كان من أبرزها انتشار حركات الإصلاح البروتستانتية ،وانتقال التركيز في الفلاحة من استغلال حقول الحبوب على نطاق واسع إلى تربية واستغلال المواشي، ورفعت رواتب الكادحين في المدن والقرى، وأخيرا مساهمتها الكبيرة في بداية عصر النهضة وما جلبه من التقدم في شتى المجالات.

في حين تواصل تفشي الطاعون في مناطق مختلفة بعد جائحة الموت الأسود في القرن 14، ولكنها لم تكن بتلك الأهمية التي قد تخلف نفس الأثر النفسي الذي دفع بإعادة تقييم شاملة لنموذج المعرفة المكتسبة. اعتمدت أوروبا -و مناطق أخرى أيضا- في استجابتها للموت الأسود على الطرق التقليدية -سواء كانت علمانية أو دينية-، ومع فشلها، اضطرت للجوء إلى نماذج جديدة لفهم العالم.

أسئلة وأجوبة

ما هي بعض تبعات الموت الأسود؟

شملت تبعات الموت الأسود، حقوقا أوسع للنساء (بسبب موت العديد من الرجال)، حقوقا أوسع للأقنان، إعادة مراجعة المعرفة الطبية، تراجع ثقة الناس في تعاليم الكنيسة، وتحسينات اقتصادية واجتماعية، ونزوح سكاني.

ما هو سبب الموت الأسود؟

يرجع سبب الموت الأسود إلى بكتيريا يرسينيا بيستيس، التي تنقلها البراغيث من خلال القوارض.

ماذا ظن الناس في العصور الوسطى انه كان السبب في الموت الأسود؟

نسب الناس في ذلك الوقت الموت الأسود الى عوامل خارقة للطبيعة، إما عقاب من الرب على خطاياهم أو هجمات شيطانية.

هل ألهم الموت الأسود حركة الإصلاح البروتستانتية؟

ألهم الموت الأسود حركة الإصلاح البروتستانتية من خلال تراجع ثقة الناس في تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، ما جعل من السهل انتشار التعاليم الجديدة التي أتى بها المصلحون البروتستانت.

قائمة المصادر والمراجع

موسوعة التاريخ العالمي هي شركة تابعة لشركة أمازون وتحصل على عمولة على مشتريات الكتب المؤهلة.

نبذة عن المترجم

Mahrez Dahmani
مترجم أكاديمي شغوف باللغات والثقافات الأخرى، تتمحور خبرته في لغات عديدة. يتميز بلمسته في الترجمة المتمثلة في إعادة التعبير والتكييف الثقافي. التاريخ يعد من أكبر اهتماماته، مع التركيز بشكل أساسي على فترات مختلفة من التاريخ الأوروبي.

نبذة عن الكاتب

Joshua J. Mark
جوشوا مارك: مؤسس ومساهم ومدير محتوى في موسوعة تاريخ العالم. عمل كبروفيسور في كلية ماريست في نيويورك حيث درّس التاريخ، الفلسفة، الأدب والكتابة. سافر كثيراً وعاش في اليونان وألمانيا.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Mark, J. J. (2025, August 27). التحولات الكبرى في أوروبا بعد الموت الأسود. (M. Dahmani, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1543/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Mark, Joshua J.. "التحولات الكبرى في أوروبا بعد الموت الأسود." تمت ترجمته من قبل Mahrez Dahmani. World History Encyclopedia, August 27, 2025. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1543/.

التوثيق بنمط MLA

Mark, Joshua J.. "التحولات الكبرى في أوروبا بعد الموت الأسود." تمت ترجمته من قبل Mahrez Dahmani. World History Encyclopedia, 27 Aug 2025, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1543/.

إزالة الإعلانات