1453: سقوط القسطنطينية

حملة جمع التبرعات لتغطية تكاليف الخادم لعام 2026

تبلغ تكلفة تشغيل خوادمنا 20,000 دولار سنويًا، ونحن بحاجة إلى مساعدتكم لتغطية هذه التكاليف!

$6998 / $20000
Mark Cartwright
بقلم ، ترجمة محمد عبد السلام الشامي
نُشر في
Translations
طباعة PDF

تأسست مدينة القسطنطينية (إسطنبول الحديثة) على يد الإمبراطور الروماني. قسطنطين العظيم عام 324م، وأصبحت عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، أو ما عُرف لاحقًا بالإمبراطورية البيزنطية، لأكثر من ألف عام. وعلى الرغم من أن المدينة تعرضت للعديد من الهجمات والحصارات الطويلة والتمردات الداخلية، بل وحتى لفترة من الاحتلال في القرن الثالث عشر الميلادي على يد الحملة الصليبية الرابعة ، فإن تحصيناتها الأسطورية كانت تُعد من أقوى وأعظم الدفاعات في العالمين القديم والوسيط. لكن هذه الأسوار لم تستطع الصمود أمام المدافع الضخمة للسلطان العثماني محمد الثاني ، فسقطت القسطنطينية، جوهرة العالم المسيحي وحصنه المنيع، وتم الاستيلاء عليها واقتحامها ونهبها يوم الثلاثاء الموافق 29 مايو/أيار 1453م.

The Siege of Constantinople
حصار القسطنطينية Dirk D. (CC BY-SA)

حصن لا يُقهر

صمدت القسطنطينية أمام العديد من الحصارات والهجمات عبر القرون. ومن أبرزها حصارا العرب بين عامي 674 و678م، ثم مرة أخرى بين عامي 717 و718م. كما حاول خان البلغار العظيم كروم (حكم 802–814م) وسيميون الأول (حكم 893–927م) مهاجمة العاصمة البيزنطية، وكذلك فعل الروس (أحفاد الفايكنغ الذين استقروا حول كييف) في أعوام 860م و941م و1043م، لكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل. ومن الحصارات المهمة أيضًا ذلك الذي قاده المغتصب للعرش توماس الصقلبي بين عامي 821 و823م. وقد أخفقت كل هذه الهجمات بفضل موقع المدينة البحري، وأسطولها القوي، وسلاحها السري المعروف باسم (النار الإغريقية)، والأهم من ذلك كله حماية أسوار ثيودوسيوس الضخمة.

كانت أسوار المدينة الشهيرة عبارة عن ثلاثة خطوط دفاعية متتالية شُيدت خلال عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني(408–450م)، لحماية الجانب البري من شبه الجزيرة التي قامت عليها المدينة. امتدت هذه التحصينات من شواطئ بحر مرمرة إلي القرن الذهبي ، واكتمل بناؤها بالكامل عام 439م، بطول يقارب 6.5 كيلومترات. كان المهاجمون يواجهون أولًا خندقًا يبلغ عرضه 20 مترًا وعمقه 7 أمتار، يمكن ملؤه بالمياه عبر شبكة من الأنابيب عند الحاجة. وخلف هذا الخندق كان يوجد سور خارجي تتخلله طريق مخصصة للدوريات لمراقبة الخندق. ثم يأتي بعد ذلك سور ثانٍ مزود بأبراج متباعدة بانتظام وشرفة داخلية تستخدم منصة لإطلاق المقذوفات على القوات المعادية التي تحاول اجتياز الخندق أو السور الأول. وخلف هذا السور الثاني ارتفع السور الداخلي الثالث، وهو أضخم خطوط الدفاع وأكثرها قوة. بلغ سمك هذا السور الأخير نحو خمسة أمتار، وارتفاعه اثني عشر مترًا، وكان يضم 96 برجًا بارزًا تواجه العدو مباشرة. وُضع كل برج على مسافة تقارب 70 مترًا من البرج التالي، بينما وصل ارتفاع الأبراج إلى نحو 20 مترًا. وكانت الأبراج، التي اتخذت شكلًا مربعًا أو مثمنًا، قادرة على استيعاب ما يصل إلى ثلاث آلات حربية لقذف المقذوفات. كما صُممت أبراج السور الأوسط بطريقة لا تعيق مجال الرمي للأبراج الموجودة على السور الداخلي. أما المسافة بين الخندق الخارجي والسور الداخلي فبلغت نحو 60 مترًا، في حين وصل الفرق في الارتفاع بينهما إلى 30 مترً

Theodosian Walls
أسوار ثيودوسيوس Bigdaddy1204 (CC BY-SA)

ولكي يتمكن أي جيش من الاستيلاء على القسطنطينية، كان عليه أن يهاجمها برًا وبحرًا في آن واحد. ومع ذلك، فقد فشلت جميع المحاولات السابقة، بغض النظر عن هوية المهاجمين أو نوع الأسلحة وآلات الحصار التي استخدموها ضد المدينة. وباختصار، كانت القسطنطينية، التي امتلكت أعظم التحصينات في العالم الوسيط، تُعد حصنًا منيعًا يستحيل اقتحامه. لكن الأمر لم يكن كذلك تمامًا. فبعد نحو ثمانية قرون من مقاومة جميع المهاجمين، نجح فرسان الحملة الصليبية الرابعة أخيرًا في اختراق دفاعات المدينة عام 1204م. إلا أن المهاجمين لم ينجحوا بسبب فشل التحصينات نفسها، بل لأنهم تمكنوا من الدخول عبر بوابة تُركت مفتوحة بإهمال. وبعد استعادة المدينة وإصلاح أسوارها وإعادة بنائها على يد الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثامن باليولوج (حكم 1261–1282م)، بقيت القسطنطينية أصعب هدف عسكري يمكن إخضاعه في العالم. ومع ذلك، فإن هذه السمعة المهيبة لم تردع العثمانيين الذين ازدادت طموحاتهم

الامبراطورية العثمانية

ظلت القسطنطينية أصعب هدف عسكري يمكن إخضاعه في العالم.

بدأت الإمبراطورية العثمانية كإمارة تركية صغيرة أسسها عثمان الأول في إسكي شهير بغرب آسيا الصغرى خلال أواخر القرن الثالث عشر الميلادي. وبحلول أوائل القرن الرابع عشر، كانت قد توسعت بالفعل إلى منطقة تراقيا. واتخذ العثمانيون من أدرنة عاصمة لهم، ثم واصلوا توسعاتهم فاستولوا على سالونيك صربيا. وفي عام 1396م، عند نیکوپولیس. على نهر الدانوب، هزم الجيش العثماني جيشًا صليبيًا كبيرًا. وأصبحت القسطنطينية الهدف التالي، في وقت كانت فيه الإمبراطورية البيزنطية تتأرجح على حافة الانهيار ولم تعد سوى دولة تابعة داخل نطاق النفوذ العثماني. وقد تعرضت المدينة للحصار عامي 1394م و1422م، لكنها تمكنت من الصمود في المرتين. وفي عام 1444م، مُني جيش صليبي آخر بالهزيمة في معركة فارنا بالقرب من ساحل البحر الأسود. ثم جاء السلطان الجديد محمد الثاني (حكم 1451–1481م)، فقام باستعدادات واسعة النطاق لفتح القسطنطينية. وشملت هذه الاستعدادات بناء وتوسيع واحتلال عدد من القلاع على مضيق البوسفور، ولا سيما روملي حصار وقلعة الأناضول عام 1452م. وبعد إتمام هذه التحضيرات، تحرك السلطان لتحقيق هدفه النهائي: القضاء على الدولة البيزنطية والاستيلاء على عاصمتها القسطنطينية.

المدافعون عن القسطنطينية

أدت الهزيمة الساحقة التي مُني بها الجيش الصليبي في معركة فارنا عام 1444م إلى ترك البيزنطيين يواجهون مصيرهم وحدهم. فلم يعد من الممكن توقع أي مساعدة كبيرة من الغرب، حيث كان البابوات غير راضين أصلًا عن رفض البيزنطيين توحيد الكنيسة وقبول سيادة الكنيسة الغربية عليهم. أرسلت البندقية في أبريل/نيسان 1453م دعمًا متواضعًا تمثل في سفينتين و800 رجل فقط، كما وعدت جنوة بإرسال سفينة أخرى، بل إن البابا نفسه وعد لاحقًا بإرسال خمس سفن مسلحة. غير أن العثمانيين كانوا قد فرضوا حصارهم على القسطنطينية بحلول ذلك الوقت. ولم يكن أمام سكان المدينة سوى تخزين المؤن والأسلحة والاعتماد على تحصيناتهم العريقة لإنقاذهم مرة أخرى. ووفقًا للمؤرخ اليوناني وشاهد العيان في القرن الخامس عشر George Sphrantzes، فإن الجيش المدافع عن المدينة كان يتألف من أقل من خمسة آلاف رجل، وهو عدد غير كافٍ لتغطية امتداد أسوار المدينة التي بلغ طولها الإجمالي نحو 19 كيلومترًا. وزاد الوضع سوءًا أن البحرية البيزنطية، التي كانت يومًا من أقوى الأساطيل في البحر المتوسط، لم تعد تضم سوى 26 سفينة فقط، وكان معظمها مملوكًا للمستعمرين الإيطاليين المقيمين في المدينة. وهكذا وجد البيزنطيون أنفسهم في وضع ميؤوس منه تقريبًا، إذ كانوا أقل عددًا بكثير من العثمانيين في الرجال والسفن والأسلحة.

Greek Fire
النار اليونانية Unknown Artist (Public Domain)

بدا أن تدخّلًا إلهيًا وحده هو القادر على إنقاذ القسطنطينية الآن. غير أن سكان المدينة كانوا يتذكرون أن كثيرًا من الحصارات السابقة عبر القرون قد نُسب نجاتهم فيها إلى العناية الإلهية، ولذلك ظل بعضهم يأمل أن يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى. لكن، في المقابل، كانت هناك أيضًا نبوءات وروايات تنذر بقرب الكارثة. فقد انتشرت تنبؤات تزعم أن القسطنطينية ستسقط عندما يكون اسم الإمبراطور الحاكم “قسطنطين”، وكان عدد غير قليل من الأباطرة يحملون هذا الاسم. كما حدث خسوف للقمر في الأيام التي سبقت حصار عام 1453م.

لقد تطورت تقنيات الحرب، وكانت أسوار ثيودوسيوس على وشك أن تواجه أقسى اختبار في تاريخها.

كان الإمبراطور البيزنطي الذي حكم وقت الهجوم هو قسطنطين الحادي عشر باليولوج (حكم 1449–1453م)، وقد تولّى بنفسه قيادة الدفاع عن المدينة. وعاونه في ذلك عدد من القادة العسكريين البارزين، منهم لوكاس نوتاراس ، Kantakouzenos Brothers، وNikephoros Palaiologos، إضافة إلى الخبير الجنوي في أعمال الحصار جيوفاني جوستنياني. امتلك البيزنطيون المقاليع الحربية و«النار الإغريقية»، وهي مادة شديدة الاشتعال كان يمكن قذفها أو رشها تحت ضغط من السفن أو من فوق الأسوار لإحراق العدو. غير أن تقنيات الحرب كانت قد تطورت كثيرًا، وكانت أسوار ثيودوسيوس على وشك أن تواجه أقسى اختبار في تاريخها.

المهاجمون

كان لدى السلطان محمد الثاني سلاح لم يتوفر لأي من محاصري القسطنطينية السابقين: المدافع، وكانت ضخمة الحجم. في الواقع، كان البيزنطيون قد أُتيح لهم شراء هذه المدافع أولًا، إذ عُرضت عليهم من مخترعها، المهندس المجري المعروف باسم أوربان، لكن الإمبراطور قسطنطين لم يتمكن من دفع الثمن المطلوب. عندها عرض أوربان خدماته على السلطان، فأبدى محمد الثاني اهتمامًا أكبر، وقدم له أربعة أضعاف المبلغ المطلوب. وقد استُخدمت هذه الأسلحة المرعبة بالفعل في نوفمبر 1452م عندما أُغرقت سفينة تجارية في البوسفور بعد أن خالفت الحظر المفروض على المرور. نجا قائد السفينة من الحادث، لكنه أُسر ثم قُطع رأسه، وبعدها تم صلبه، في إشارة تنذر بما سيحدث لاحقًا.

Mehmed II
محمد الثاني Gentile Bellini (Public Domain)

ووفقًا للمؤرخ جورج سفرانتز ، بلغ عدد الجيش العثماني 200 ألف رجل، لكن المؤرخين المعاصرين يميلون إلى تقدير أكثر واقعية يتراوح بين 60 و80 ألف جندي. وعندما احتشد الجيش أمام أسوار القسطنطينية في 2 أبريل/نيسان 1453م، رأى البيزنطيون لأول مرة مدافع السلطان الضخمة. كان أكبرها بطول 9 أمتار، وبفوهة قطرها متر كامل، وقادرًا بعد تجارب سابقة على قذف قذائف تزن نحو 500 كيلوجرام لمسافة تصل إلى 1.5 كيلومتر. وكان هذا المدفع العملاق يحتاج وقتًا طويلًا جدًا لإعادة التحميل والتبريد، بحيث لم يكن يمكن إطلاقه أكثر من سبع مرات يوميًا. ومع ذلك، امتلك العثمانيون أيضًا عددًا كبيرًا من المدافع الأصغر حجمًا، القادرة على إطلاق مئات الطلقات يوميًا.

في 5 أبريل، أرسل السلطان محمد الثاني طلبًا إلى الإمبراطور البيزنطي للاستسلام الفوري، لكن لم يتلقَّ أي رد. وفي 6 أبريل بدأ الهجوم. تعرضت أسوار ثيودوسيوس لقصف متواصل لا هوادة فيه، فتفتتت تدريجيًا إلى أن تحولت إلى أنقاض. ولم يكن بوسع المدافعين سوى الرد بمدافعهم الأصغر حجمًا خلال النهار، وإيقاف تقدم المهاجمين عند النقاط التي أحدثت فيها المدافع العثمانية أكبر الفجوات، ثم محاولة سد تلك الثغرات ليلًا قدر الإمكان باستخدام الحجارة والبراميل وكل ما يمكنهم الحصول عليه. ومن المثير للاهتمام أن أكوام الأنقاض الناتجة كانت تمتص ضربات المدافع أفضل من الجدران الصلبة نفسها، لكن مع ذلك ظل الخطر قائمًا، إذ كان من المتوقع أن ينجح أحد الهجمات المشاة في النهاية في اختراق الدفاعات.

معركة من أجل البقاء

استمر الهجوم العثماني لمدة ستة أسابيع، لكن المقاومة البيزنطية أظهرت بعض الفعالية. فقد تم صد الهجوم على السلسلة الحديدية التي كانت تغلق مدخل ميناء المدينة، كما فشلت عدة هجمات مباشرة على الأسوار البرية. وفي 20 أبريل/نيسان، حدث ما بدا كأنه معجزة؛ إذ تمكنت ثلاث سفن جنوية أرسلها البابا، إضافة إلى سفينة تحمل حبوبًا ضرورية أرسلها ألفونسو الخامس ملك أراغون، من اختراق الحصار البحري العثماني والوصول إلى المدافعين داخل المدينة. لكن السلطان محمد الثاني ، وقد اشتد غضبه، تجاوز عائق السلسلة التي تغلق الميناء عبر حل مبتكر؛ إذ أنشأ طريقًا مائلًا مزودًا بعجلات، تم عبره سحب نحو 70 سفينة على عربات تجرها الثيران إلى مياه القرن الذهبي. وبعد ذلك، بنى العثمانيون جسرًا عائمًا (طوافة كبيرة)، وثبّتوا عليه المدافع، مما مكّنهم من مهاجمة المدينة من جهة البحر أيضًا، وليس من جهة البر فقط. أصبح المدافعون يعانون من صعوبة كبيرة في نشر قواتهم في الأماكن التي كانت تحتاجها أكثر، وخاصة على الأسوار البحرية التي كانت أضعف من الناحية الإنشائية.

15th-century CE Ottoman Cannon
مدفع عثماني من القرن الخامس عشر الميلادي The Land (Public Domain)

كان الوقت ينفد من المدينة، لكن حدث تأجيل مفاجئ من جهة غير متوقعة. ففي آسيا الصغرى، واجه السلطان محمد الثاني عدة تمردات، إذ بدأت بعض المناطق التابعة له بالاضطراب أثناء غيابه مع جيشه في الحصار. ولهذا السبب، عرض السلطان على الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر باليولوج صفقة: دفع الجزية مقابل انسحاب القوات العثمانية. لكن الإمبراطور رفض العرض، فأبلغ السلطان جنوده بأنه عندما تسقط المدينة — كما كان مؤكدًا في نظره — سيكون لهم حق نهب واحدة من أغنى مدن العالم.

وفي فجر 29 مايو/أيار، شنّ السلطان هجومًا شاملًا وحاسمًا، ألقى فيه بكل ما لديه من قوات. بدأت الموجة الأولى من الجنود غير النظاميين بعد القصف المدفعي المعتاد، تلتها موجة ثانية من قوات أفضل تسليحًا وتنظيمًا، ثم جاءت الموجة الثالثة والأخيرة التي ضمت نخبة الجيش العثماني: الجراكسة، وهم الجنود الأكثر تدريبًا وانضباطًا. وخلال هذه الموجة الثالثة وقعت الكارثة على المدافعين، الذين اضطروا في تلك اللحظة إلى إشراك النساء والأطفال في الدفاع عن الأسوار من شدة اليأس ونقص الرجال. فقد كان هناك من ترك باب كيركوپورتا الصغير في الأسوار البرية مفتوحًا عن طريق الخطأ، فاستغل الإنكشاريون الفرصة فورًا. تسلقوا الأسوار ورفعوا الراية العثمانية، ثم تحركوا نحو البوابة الرئيسية وفتحوها، مما سمح لبقية القوات العثمانية بالاندفاع إلى داخل المدينة.

الدمار

أقدم العديد من سكان المدينة على الانتحار بدلًا من التعرض لأهوال الأسر والاستعباد.

سادت الفوضى بعد ذلك، إذ حافظ بعض المدافعين على انضباطهم وواصلوا القتال ضد العدو، بينما هرع آخرون إلى منازلهم لمحاولة حماية عائلاتهم. وفي هذه اللحظة قُتل الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر باليولوج أثناء القتال، على الأرجح قرب بوابة القديس رومانوس، رغم أن مصيره لم يُعرف يقينًا لأنه نزع كل ما يدل على رتبته حتى لا يُستخدم جسده كغنيمة أو رمز للنصر. وكان بإمكان الإمبراطور أن يغادر المدينة قبل أيام، لكنه اختار البقاء مع شعبه. وسرعان ما نشأت أسطورة تقول إنه لم يمت، بل تحوّل إلى رخام بطريقة سحرية ودُفن تحت المدينة، وسيعود يومًا ما ليحكمها من جديد.

وفي هذه الأثناء بدأ التدمير والنهب والاغتصاب. فقد انقلبت المدينة إلى حالة من الفوضى، وانتحر عدد من السكان بدلًا من الوقوع في الأسر أو العبودية. ويُقدَّر أن نحو 4000 شخص قُتلوا مباشرة، بينما تم نقل أكثر من 50,000 آخرين كعبيد. لجأ كثيرون إلى الكنائس وتحصّنوا بداخلها، بما في ذلك كنيسة ايا صوفيا ، لكن هذه الأماكن كانت أهدافًا واضحة لما تحتويه من كنوز. وبعد أن نُهبت من مجوهراتها ومعادنها الثمينة، حُطمت المباني وأيقوناتها التي لا تُقدّر بثمن، وقُتل الأسرى الذين كانوا بداخلها بوحشية. فقدت المدينة عددًا لا يُحصى من الكنوز الفنية، وأُحرقت الكتب، وتم تدمير كل ما يحمل رسالة مسيحية، بما في ذلك الجداريات والفسيفساء.

Mehmed II Conquers Constantinople
محمد الثاني يفتح القسطنطينية Jean-Joseph Benjamin-Constant (Public Domain)

وفي فترة بعد الظهر، دخل السلطان محمد الثاني المدينة بنفسه، وأمر بوقف أعمال النهب، ثم أعلن تحويل كنيسة آيا صوفيا فورًا إلى مسجد. وكان ذلك إعلانًا رمزيًا قويًا بأن دور المدينة كحصن للمسيحية طوال اثني عشر قرنًا قد انتهى. ثم جمع السلطان كبار الناجين من نبلاء المدينة وأمر بإعدامهم.

ما بعد السقوط

أصبحت القسطنطينية العاصمة الجديدة للدولة العثمانية، وتم دمج البوابة الذهبية الضخمة في أسوار ثيودوسيوس ضمن خزينة قلعة السلطان محمد الثاني كما سُمح للطائفة المسيحية بالبقاء داخل المدينة، تحت إشراف البطريرك جاورجيوس سكولاريوس. أما ما تبقى من الإمبراطورية البيزنطية فقد تم ضمه بالكامل إلى الأراضي العثمانية بعد سقوط. ميستراس عام 1460م وطربزون عام 1461م. وفي هذه الأثناء، استقر السلطان محمد، الذي لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره وأصبح يُعرف بلقب “الفاتح”، ليبدأ حكمًا طويلًا استمر 28 عامًا أخرى. وقد بقيت بعض عناصر الثقافة البيزنطية، خصوصًا في الفنون والعمارة، لكنها لم تغيّر حقيقة أن سقوط القسطنطينية كان حدثًا مفصليًا في تاريخ العالم؛ إذ مثّل نهاية الإمبراطورية الرومانية القديمة، وآخر صلة حية تربط بين العالمين القديم والوسيط. وكما يشير المؤرخ جون جوليوس نورويتش:

لهذا السبب، بعد خمسة قرون ونصف، ما زال يُعتقد في العالم اليوناني أن يوم الثلاثاء هو أسوأ أيام الأسبوع حظًا، كما أن العلم التركي لا يرمز إلى هلال مكتمل بل إلى قمر في طور التناقص، تذكيرًا بأن القمر كان في آخر مراحله عندما سقطت القسطنطينية أخيرًا(383)

نبذة عن المترجم

نبذة عن الكاتب

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Cartwright, M. (2026, June 15). 1453: سقوط القسطنطينية. (م. . ع. ا. الشامي, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1180/1453/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Cartwright, Mark. "1453: سقوط القسطنطينية." تمت ترجمته من قبل محمد عبد السلام الشامي. World History Encyclopedia, June 15, 2026. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1180/1453/.

التوثيق بنمط MLA

Cartwright, Mark. "1453: سقوط القسطنطينية." تمت ترجمته من قبل محمد عبد السلام الشامي. World History Encyclopedia, 15 Jun 2026, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1180/1453/.

إزالة الإعلانات