تأسَّست جماعة فرسان الهيكل حوالي عام 1119م، وحصلوا على الاعتراف البابويٍّ في عام 1129م. كان نظامًا عسكريًا كاثوليكيًا من العصور الوسطى جمع أعضاؤه بين الإقدام العسكريِّ والرهبانيَّة؛ للدفاع عن الأماكن المسيحيَّة المقدَّسَة والحُجَّاج في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. كان فرسان الهيكل، الذين كان مقرُّهم في القدس، ثُمَّ في عكا لاحقًا، عنصرًا مهمًّا في الجيوش الصليبية ونُخبةً فيها.
وفي النهاية، صار فرسان الهيكل جماعةً قويَّةً، وأصبحوا مسيطرين على كلٍّ من القلاع والأراضي في بلاد الشام وفي أوروبا. و بعد اتهامهم بالهرطقة والفساد وإتيانهم الممارسات المحظورة، انتُقِدَت الجماعة من قِبل الملك الفرنسي فيليب الرابع (الذي حكم بين 1285م و 1314م) يوم الجمعة 13 أكتوبر 1307م، ثمَّ حُلَّت رسميًا من قِبَل البابا إقليموس الخامس (حكم بين 1305م و 1314م) في سنة 1312م.
التأسيس والتاريخ المبكر
تشكَّلت الجماعة حوالي عام 1119م، إذ أقسم سبعة فرسان على الدِّفاع عن الحُجَّاج المسيحيين في القُدس والأرض المقدَّسة، بقيادة الفارس والنبيل الفرنسي من إقليم شمبانيا هيو دي باينز، وهكذا أسسوا أُخُوَّةً اتَّخذت نذورًا رهبانيَّةً، من بينها نذور الفقر، وعاشوا معًا في جماعةٍ مغلقةٍ تحكمها قواعد سلوك محددة. وفي عام 1120م، قام بالدوين الثاني ملكُ مملكةِ بيت المقدس (الذي حكم من 1118م إلى 1131م)، بإعطاء قصره إلى الفرسان، الذي هو المسجد الأقصى السابق على جبل الهيكل في القدس؛ لاستخدامه كمقرٍ لهم. كان يشار إلى المبنى عادةً باسم "هيكل سليمان" ، وبالتالي سرعان ما أصبحت الأُخُوَّة تُعرف باسم "جماعة فرسان هيكل سليمان" أو "فرسان الهيكل" اختصارًا.
بعد الاعتراف رسميًا بفرسان الهيكل بوصفه تنظيمًا عسكريًّا في مجمع تروا الكَنَسي في يناير من عام 1129م مِن قِبَل البابا هونريوس الثاني (الذي حكم بين 1124م و 1130م) -وكان التنظيم العسكريُّ الأوَّل من نوعه-، وكان يُنظر إليه في البداية على أنه فرعٌ من الرهبنة السسترسية. وفي عام 1145م، مُنح فرسان التنظيم الإذن بارتداء العباءة البيضاء ذات القلنسوة التي اشتهر به رهبان السسترسيون آنذاك. وسرعان ما اتَّخذ الفرسان عبائتهم البيضاء المميزة زيًّا لهم، وشرعوا يستخدمون شارة الصليب الأحمر على خلفيةٍ بيضاء. لم يكن هناك ما يمنع القتال من الناحية العقائدية، شريطة أن تكون القضية عادلة —والحروب الصليبية والدفاع عن الأرض المقدَّسة كانتا من هذا القبيل—؛ لذا حظيت الجماعة بدعمٍ رسميٍّ من الكنيسة. ووقعت أُولَى المعارك الكبرى التي شارك فيها فرسان الهيكل في عام 1147م ضد المسلمين خلال الحملة الصليبية الثانية (1147م-1149م).
نما التنظيم بفضل تبرعات المؤيِّدين الذين أدركوا دورهم المهم في حماية الولايات المسيحيَّة الصغيرة في بلاد الشام. وغيرهم، من أفقر الناس إلى أغناهم، تبرعوا بما في وسعهم ليضمنوا حياةً أفضل في الآخرة، وربما حياةً أفضل في الدنيا؛ إذا أنَّ اسماء المتبرعين قد تنال نصيبًا من الدعاء في الصلوات. جاءت التبرعات للتنظيم بجميع الأشكال، ولكن المال والأرض والخيول والمُعَدَّات العسكرية والمواد الغذائية كانت الأكثر شيوعًا. في بعض الأحيان وردت التبرعات على هيئة امتيازات؛ مما ساعد الجماعة على توفير نفقاتها الخاصة. استثمر فرسان الهيكل أموالهم كذلك، فاشتروا العقارات المُدِرَّة للدَّخل؛ حتَّى تملَّكت الجماعة مزارعها الخاصة ومزارع الكروم والمطاحن والكنائس والضيعات، أو أيَّ شيءٍ مما حسبوه استثمارًا جيِّدًا.
وجاءت الغنائم لتملأ خزائن التنظيم، وحصلوا على أراضٍ جديدةٍ؛ نتيجةً للحملات المنتصرة، وأخذهم الجزية من المدن التي غزوها، والأراضي التي سيطرت عليها قلاع الفرسان والولايات الضعيفة المنافسة لهم في بلاد الشام. ثُمَّ تمكَّنت الجماعة لاحقًا من إنشاء مراكز فرعيَّةٍ في معظم ممالك أوروبا الغربية، والتي أصبحت بدورها مصادر مهمَّة للدخل وجذب المزيد من الأعضاء.
وبالرغم من تدفُّق الأموال من جميع أنحاء أوروبا، إلَّا أنهم كانوا في حاجة لتغطية تكاليف باهظة كذلك. فكان الحفاظ على الفرسان و مُرافقيهم، والخيول (غالبًا أربعة خيول لكلِّ فارس)، والدروع والمعدَّات كلُّها شكَّلت أعباءً على أموال فرسان الهيكل. كانت هناك ضرائب وجبَ دفعُها للمملكة، وتبرعاتٌ للبابوية، وأحيانًا عشورٌ للكنيسة، بالإضافة إلى مكافآتٍ لكبار الشخصيات المحلية، في حين كانت لإقامة القداس والشعائر الدينية تكلفة ليست بالهينة. كما كان لفرسان الهيكل غرضٌ خيريٌّ، وكان من المفترض أن يساعدوا الفقراء. فعلى سبيل المثال، وُزِّع عُشر الخبز الذي أنتجوه صدقةً للمحتاجين. وأخيرًا، أسفرت الكوارث العسكرية عن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات. لكن الحسابات الدقيقة لفرسان الهيكل غير معروفة، إلَّا أنه من المُرجَّح أن الجماعة لم تكن بالثرء الذي يظنه الجميع.
وقد وسعَّ فرسان الهيكل نفوذهم منذ منتصف القرن الثاني عشر، فحاربوا في الحملات الصليبية في أيبيريا (الحروب التي أدت إلى سقوط الأندلس) لصالح مختلف الحكام في إسبانيا والبرتغال. وشاركوا كذلك في الحملات الصليبية في منطقة البلطيق ضد الوثنيين. وبحلول القرن الثالث عشر، أصبحوا يمتلكون أراضٍ تمتد من إنجلترا إلى بوهيميا، وأصبحوا تنظيمًا عسكريًّا دوليًّا حقيقيًّا، تمتلك موارد هائلة تحت تصرفها (من جنود وأسلحةٍ ومعدَّاتٍ وأسطولٍ بحري ضخم). أسَّس فرسان الهيكل نموذجًا ستتبناه طوائف عسكرية أخرى لاحقًا، مثل: فرسان الإسبتارية وفرسان تيوتون. ومع ذلك، هناك مجالٌ واحدٌ تفوَّق فيه فرسان الهيكل حقًا: الأعمال المصرفية.
مصرفيو العصور الوسطى
اعتبر السُكَّان المحليُّون مجتمعات أو أديرة الفرسان مكانًا آمنًا، فجعلوا منها مستودعاتٍ للنقد والمجوهرات والوثائق المهمَّة. وكان للجماعة احتياطاتها النقدية الخاصة التي أحسنوا استغلالها على هيئة قروض مُدِرَّة للفائدة منذ عام 1130م. بل وسمحوا للناس بإيداع أموالهم في أحد الأديرة، وسحب القدر نفسه من الأموال من دير مختلف، شريطة أن يقدِّموا خطاب إثبات. ومن الخدمات المصرفية المبكرة الأخرى إتاحة الفرسان للناس فتح ما يُشبه الحساب الجاري بمقاييس عصرنا الحالي، إذ انتظم الناس في إيداع أموالهم بها، ويمكن أن يُرتِّب كلِّ من لديه حساب مع الجماعة دفع مبالغ ثابتة نيابةً عنه لأشخاص يحددهم هو. وقد أصبح فرسان الهيكل مصرفيين بارعين وموثوقين حتَّى اتَّجه ملوك فرنسا ومن دونهم من النبلاء للحفاظ على خزائنهم عند التنظيم بحلول القرن الثالث عشر. وكثيرًا ما أرسل الملوك والنبلاء مبالغ نقديةً كبيرةً إلى فرسان الهيكل من أجل حشد جيوشهم عاجلًا بالتمويل والإمداد، ويتلقَّون تلك المبالغ لاحقًا إثر وصولهم إلى أراضي الشام. كما قدَّمت الجماعة القروض للحُكَّام، وبذلك تحوَّلوا إلى عنصرٍ مهمٍ في الهيكل المالي المتطور والمتنامي بأوروبا في أواخر العصور الوسطى.
التنظيم والتجنيد
وفد الملتحقون من جميع أنحاء أوروبا الغربية، غير أن فرنسا ظلت أكثر البلدان تزويدًا للجماعة بالأعضاء، مدفوعين بشعور الواجب الديني للدفاع عن المسيحيَّين في كلِّ مكان، وخاصةً في الأراضي المقدَّسة ومواقعها المقدَّسة؛ تكفيرًا عن خطاياهم التي ارتكبوها، كضمانٍ لدخول الجَنَّة، أو لأسباب أكثر دنيويةً، مثل: البحث عن المغامرة أو الكسب الشخصي أو الترقية الاجتماعية، أو، على أقلِّ تقدير، دخلٍ منتظمٍ ووجباتٍ آدميَّة. كان على المتقدِّمين للانضمام إلى التنظيم أن يكونوا رجالًا أحرارًا من نسبٍ شرعيٍّ، وإذا ما رغبوا في أن يصيروا فرسانًا، فاشتُرِطَ عليهم، بدءً من القرن الثالث عشر، أن ينحدروا من نسل فرسان. كان من الممكن للرجل المتزوِّج الانضمام بشرط موافقة زوجته، ولكن كان مثل هذه الحالة نادرة جدًا. كما كان كثير من الملتحقين يُطالبون بتقديم هبة ماليَّة كبيرة عند انضمامهم إلى الجماعة، ولأن الوقوع في الديون كان أمرًا غير مقبول، فقد شكَّلت القدرة الماليَّة للمرشح عاملًا مهمًا في قبوله. كان معظم الملتحقين الجُدُد في منتصف العشرينات من عمرهم، لكن لم يمنع ذلك وجود بعض القاصرين المُنضَمِّين إلى التنظيم (إذ أرسلهم آباؤهم، طبعًا، على أمل الحصول على تدريبٍ عسكريٍّ ينفع أبناءهم غير البكريِّين الذين لن يرثوا من ممتلكات العائلة شيئًا). في بعض الأحيان، وفد الملتحقين في عمرٍ متأخِّر. فعلى سبيل المثال، انضمَّ الفارس الإنجليزي العظيم السير ويليام مارشال إلى التنظيم قبل وفاته مباشرة (توفَّى سنة 1219م)، وشأنه في ذلك شأن العديد من النبلاء، وترك لهم المال في وصيته، وبهذا دُفِن في كنيسة المعبد بمدينة لندن حيث لا يزال من الممكن رؤية تمثاله اليوم.
وُجِدَت رتبتان داخل التنظيم: فرسان وأتباعهم، وشملت رتبة الأتباع أفرادًا غير عسكريين وعاميِّين. معظم المجنَّدين كانوا من المجموعة الثانية. في الواقع، كان عدد الفرسان في التنظيم محدودًا على نحوٍ يثير الدهشة. ولعل عدد الفرسان من الأعضاء كاملي العضوية في الجماعية لم يتجاوز بضعَ مئات في الوقت نفسه، مع ارتفاعه أحيانًا إلى 500 فارس وقت الحروب العنيفة. فغيرهم من مُجَنَّدي التنظيم من مشاة (الأتباع أو المجنَّدين من الأراضي التابعة للجماعة)، ومرتزقة (خاصةً الرماة)، ومرافقي الفرسان وحاملي الأمتعة وغيرهم من الأعضاء غير المقاتلين، قد فاق عددُهم عددَ الفرسان. ومن بين أعضاء الجماعة أيضًا كهنة وحرفيون وعمال وخدم، بل وبعض النساء اللواتي كُنَّ أعضاءً في الأديرة التابعة لهم.
و على رأس هرم السُّلطة مَثُلَ السيِّد الأعظم للجماعة. وقُسِّمت الأديرة إلى مناطق جغرافية تُعرف بـ"أقاليم الرُّهبان الإداريَّة". في المناطق المضطربة مثل بلاد الشام، بُنِيَت العديد من الأديرة داخل القلاع، في حين بُنِيَت في أماكن أخرى للسيطرة على مناطق الأراضي التي تملكها الجماعة. كان لكل دير "مُعَلِّم" أو "قائد" يديره ويبلِّغ مسئوول الإقليم الذي يقع الدير في نطاقه. وتناقلت الأديرة الرسائل والوثائق والتقارير الإخبارية، وحمل كلٌّ منها ختم التنظيم -كان ختم الفارسان على حصانٍ واحد أكثرهم تداولًا- من أجل التأليف بين الفروع البعيدة وبث الوحدة بينها. وأرسلت الأديرة عادةً ثُلث إيراداتها إلى مقر التنظيم. وأقام السيِّد الأعظم منذ عام 1191م بالمقر الرئيس في القدس ثم في عكا، ثم في قبرص بعد عام 1291م، حيث ساعده مسؤولون رفيعو المستوى مثل القائد الأعلى والمارشال، إلى جانب موظَّفين أقل شأنًا مسئولين عن إمداداتٍ مُعَيَّنة مثل الملابس. وعُقِدَت اجتماعات موسميَّة ومجالس من وقتٍ لآخر لمُمَثِّلي مُختلف فروع التنظيم وبعضها كان على مستوى المقاطعات، ولكن يبدو أنه كان هناك قدرٌ كبيرٌ من الاستقلاليَّة لدى المؤسسات التابعة للتنظيم، ولم تُفرَض أيَّةُ عقوباتٍ إلا في أشنع حالات سوء السلوك.
الزِّي والقواعد
كان على الأعضاء أداء النذور فور انضمامهم إلى جماعة فرسان الهيكل، على غرار رهبنة الأديرة الأخرى في ذلك الوقت، ولكنها لم تتسم بالصرامة المعتادة، وخلت من قيود الإقامة الدائمة داخل المساكن الجماعية. فيقسمون بإطاعة السيِّد الأعظم، والذي كان أهم العهود، وبحضور الخدمات الكنسية إلزاميًا، وكذلك الامتناع عن الزواج، وتناول الطعام المُقَدَّم إلهم جماعيًّا (والتي شملت اللحم مرَّة كلَّ يومَيْن). لم يُسمح بالملذات الدنيوية، بما فيها من هوايات أساسية اعتادها عامة الفرسان؛ لا الصيد بالصقور، ولا القنص، ولا ارتداء الزي البرَّاق واصطحاب الأسلحة التي اشتهر بها الفرسان العاديون. فعلى سبيل المثال، كانت الأحزمة على الأغلب وسيلة للزينة، لكن فرسان الهيكل كانوا يرتدون حزامًا بسيطًا من الصوف يرمز إلى ورعهم.
وارتدوا عباءةً ورِداءً بيضاوَيْن فوق دروعهم، كما ذكرنا سابقًا، مع وجود صليبٍ أحمرَ على الشِّق الأيسر من صدر العباءة. كما ظهر الصليب الأحمر على كسوة الخيول وعلى رايتهم؛ فميَّزهم ذلك عن فرسان الإسبتارية (الذين ارتدوا صليبًا أبيضًا على خلفيةٍ سوداء) والفرسان التيوتونيين (الذين ارتدوا صليبًا أسودًا على خلفيةٍ بيضاء). أمَّا دروعهم، على النقيض، فكانت عادةً بيضاء مع شريطٍ أُفُقيٍّ أسودٍ سميكٍ على طول الجزء العلوي. وارتدى العرفاء عباءةً أو رِداءً بنيًّا أو أسودًا. ومن السِّمات الأُخرى المميزة لفرسان الهيكل إطلاقهم اللِّحَى وتقصيرهم للشعر (بمعايير العصور الوسطى).
وجاز للإخوان بجماعة فرسان الهيكل امتلاك ممتلكاتهم الخاصَّة (منقولةً كانت أو ثابتة)، بخلاف بعض التنظيمات العسكرية الأخرى. وكانت القواعد أقلَّ صرامةً فيما يتعلق بالأزياء أيضًا؛ حيث سُمح لفرسان الهيكل بارتداء الكِتَّان في الربيع والصيف (وليس الصوف فحسب)، وهو قرارٌ لا شك في أنه حَظِيَ بتقدير الأعضاء في المناخات الأكثر دفئًا. وإذا خولِفت أيٍّ من لوائح التنظيم، والمعروفة في مجملها باسم الـ"قاعدة"، يُعَاقب الأعضاء، وقد تتراوح عقوباتهم من سحب الامتيازات إلى الجَلْد أوحتى السجن مدى الحياة.
الحروب الصليبية
برع فرسان الهيكل وغيرهم من التنظيمات العسكريَّة في استخدام الرمح والسيف والقوس والنشَّابيَّة وتحصَّنوا بدروعٍ قويَّة؛ مما جعلهم أفضل جيوش الحملات الصليبية تدريبًا وتجهيزًا. ولذا كانوا يُنشَرون في ميدان الحرب في كثيرٍ من الأحيان؛ لحماية أجنحة الجيش ومُقَدِّمته ومُؤَخِّرته. واشتهرو بأسلوب انقضاضهم الجماعيِّ المُنَظَّم على خطوط العدو في تشكيلاتٍ ضيِّقة، وإرباك الصفوف؛ فتستغل قوات الحلفاء الوضع بعد تقدُّم فرسان الهيكل إلى الأمام. كما كانوا على أعلى مستويات الانضباط في كلٍّ من: المعركة والمعسكر؛ مع فرضِ عقوباتٍ صارمةٍ على الفرسان الذين لا يتبعون الأوامر، بما في ذلك الطرد من الجماعة في حال فقدان السيف أو الحصان نتيجةً للإهمال. ومع هذا، كان التنظيم بأسره قد يشكّل تحديًا لقادة الحملات الصليبية في فرض الانضباط عليه؛ إذ كان فرسانه عادةً الأشدُّ اندفاعًا لنَيْل الشرف والمجد العسكري.
علاوةً على ذلك، كثيرًا ما أوكِل إلى فرسان الهيكل مهمَّة الدفاع عن أبرز الممرات، كتلك بمنطقة أمانوس شمال أنطاكية. واستحوذوا على الأراضي والقلاع التي لم تتمكن الممالك الصليبية من الحفاظ عليها بسبب نقص الرجال. كما أعادوا بناء قلاعًا مُدَمَّرَة أو بنوا قلاعًا جديدة تمامًا؛ تعزيزًا للدفاع عن الشرق المسيحي. ولم ينسَ فرسان الهيكل مُهمَّتهم الأصليَّة في حماية الحُجَّاج، فزوَّدوا العديد من الحصون الصغيرة بالرِّجال على طول طُرُق الحج في بلاد الشام أو عملوا كحراسٍ شخصيين لبعض الناس.
وعلى الرغم من مشاركتهم في انتصاراتٍ عديدة، مثل حصار عكّا بين 1189 و1191م، ودمياط بين 1218 و1219م، والقسطنطينية عام 1204م، فقد تعرّضوا لهزائم جسيمة، ولشدّة شهرتهم العسكريَّة كان أَسْرُهم يعني الإعدام في غالب الأمر. وفي معركة غزَّة في أكتوبر 1244م، هزم أحد الجيوش الأيوبيَّة جيشًا لاتينيًا كبيرًا وقتل 300 من فرسان الهيكل. ثُمَّ قُطِعَ رأس 230 من أسرى فرسان الهيكل بعد معركة حطين في عام 1187م، التي انتصر فيها جيش صلاح الدين الأيُّوبي، سلطان مصر وسوريا (الذي حكم في الفترة بين 1174م-1193م). أمّا الأعضاء الأبرز في الجماعة، أطلِقَ سراحهم مقابل فدية، كما جرت العادة في تلك الحقبة. وكان لا بد من التخلِّي عن قلعة الفرسان في غزة؛ من أجل إطلاق سراح السيِّد الأسير بعد نفس المعركة. ونولت بهم هزيمة أخرى ساحقة عام 1250م في معركة المنصورة في مصر خلال الحملة الصليبية السابعة (1248م-1254م). ومع ذلك، طالما كانت شبكة أديرتهم الواسعة قادرة على تعويض أيَّةِ خسائر في الموارد والرجال.
الانتقادات والمحاكمة وحلُّ الجماعة
توخَّى الحُكَّام الغربيون الحذر من التنظيمات العسكريَّة؛ لِما ظهر لهم إلى حدٍّ كبيرٍ من استقلالهم القانونيِّ بذاتهم، وبروزهم إلى الساحة كتهديدٍ عسكريٍّ لا يُستهان به، وبخاصَّةً حين بدأوا يكتسبون شبكةً ضخمةً من الأراضي والاحتياطيات النقدية. واتُّهِم فرسان الهيكل لفترةٍ طويلة، شأنهم شأن سائر التنظيمات العسكريَّة آنذاك، بإساءة استخدام امتيازاتهم والمبالغة في جني الأرباح من معاملاتهم الماليَّة. فاتُّهموا بأن الفساد قد أصابهم، وأخذتهم العِزَّة، وسيطر الجشع عليهم. قال النُقاد أنَّهم عاشوا حياةً مترفةً للغاية وأهدروا أموالًا كان يجدر بهم إنفاقها في تعزيز القوات للحرب المقدسة. واتُّهِموا بإهدار الموارد على تحدِّي التنظيمات المنافسة، وجماعة الإسبتاريَّة على وجه التحديد، بالإضافة إلى الجدل قديم الذي فَرَضَ أن الرهبانيَّة والحياة العسكريَّة غير متوافقَيْن. بل إن البعض انتقدوا الجماعة لعدم اهتمامها بصدِّ المسلمين عن دينهم، بل اكتفوا بالقضاء عليهم فحسب. استندت معظم هذه الانتقادات إلى الجهل بشؤون الجماعة، والمبالغة في تقدير ثرواتهم الحقيقيَّة من حيث القيمة الفعليَّة، والشعور العام بالغيرة والشك.
وبحلول نهاية القرن الثالث عشر، اعتبر الكثيرون التنظيماتِ العسكريَّةَ قد وصلت باستقلالها إلى حدٍّ لا يصب في المصلحة العامة، وبدا توحيدها في هيئةٍ واحدةٍ هو الحلُّ الأمثل لجعلها أكثر خضوعًا لتعاليم الكنيسة وحُكَّام مختلف الممالك. وبعدها، انتشرت اتهامات أخطر وأخطر ضد فرسان الهيكل بحلول عام 1307م. فقد قيل أنَّهم أنكروا ألوهية المسيح وصَلْبَه وحتَّى الصليب نفسه. ووردت شائعات تدَّعي أنَّ الانضمام للجماعة شملت شروطه الوطء على صورة المسيح المصلوب بالأقدام والبصق والتبوُّل عليه. وأُخرِجَت هذه الاتهامات إلى العلن من قِبَل الحكومة الفرنسية تحديدًا. وكان عامة رجال الدين يتمنَّون ما تمتَّعت به الجماعة من حقوق؛ كحقوق الدفن، الذي يُدِرُّ رِبحًا إضافيًّا بوصفه نشاطٍ جانبيٍّ للكنائس المحليَّة. وأخذت الجهات السياسيَّة والدينيَّة تتحالف بغرض تدمير فرسان الهيكل. وقد تكون خسارة الولايات الصليبيَّة في بلاد الشام عام 1291م عاملًا لذلك (على الرغم من أن الكثيرين كانوا لا يزالون يظنُّون أنه من الممكن استعادتها؛ لذا كانت هناك حاجة إلى التنظيمات العسكريَّة).
وفي يوم الجمعة 13 أكتوبر 1307م، أمر الملك فيليب الرابع ملك فرنسا باعتقال جميع فرسان الهيكل في فرنسا. لا تزال دوافعه غير معروفة، لكن تفسيرات المؤرخين المعاصرين ترجِّح اعتقاده بكون فرسان الهيكل يمثِّلون تهديدًا عسكريًّا له، ورغبته في الحصول على ثرواتهم، كما أنَّها كانت فرصةً لكسب ميزةٍ سياسيَّةٍ وهيبةٍ على البابويَّة، حتَّى أن فيليب صدَّق بالفعل الشائعات المُوَجَّهة ضد الجماعة. وإلى جانب إنكار المسيح والإساءة إلى الصليب، رُوِّج لزيدٍ من الاتِّهامات عن ممارساتٍ جنسيَّةٍ مِثليَّة، والتقبيل الخادش للحياء، وعبادة الأصنام. كان البابا إقليموس الخامس (الذي حكم بين عامَيْ 1305م-1314م) يدافع عما كان تنظيمًا عسكريًّا يأتمِرُ بأمرِه في يومٍ من الأيَّام، ضد تلك التُّهم التي لا إثبات لها؛ لكن فيليب تمكَّن من انتزاع اعترافاتٍ من العديد من أعضاء الجماعة؛ بما فيهم السيِّد الأعظم جاك دي مولاي. ونظرًا لذلك، أمر البابا باعتقال جميع فرسان الهيكل في أوروبا الغربية، وأُخِذت منهم ممتلكاتهم. ولم ينجح فرسان الهيكل في مقاومتهم إلا في أراغون، حيث صمدت قِلَّةٌ منهم في قلاعهم حتى عام 1308م.
وأعقب ذلك محاكمةٌ في باريس عام 1310م، والتي أُعدِمَ على إثرها 54 عضوًا على المحرقة. وحُرِقَ السيِّد الأعظم للجماعة، جاك دي مولاي، عام 1314م، ومعلِّم نورماندي، جيفري دي شارني، في باريس أيضًا، وقد ظلَّ السيِّد يحتج ببراءته أثناء اقتياده إلى المحرقة. وقد حسم مجلس فيين عام 1311م مصير النظام بأكمله، وقد أُخذت التحقيقات التي أُجريت خلال السنوات الثلاث الماضية بعين الاعتبار فيما يخص شؤون الجماعة في أنحاء أوروبا، وكذلك الاعترافات (التي يُرجَّح أنها انتُزعت منهم بالتعذيب)، والتي اتصفت بالتفاوت — فقد اعترف معظم الفرسان في فرنسا وإيطاليا وثلاثة فرسان من إنجلترا بجميع التُّهَم المُوجَّهة إليهم، في حين لم يعترف أيَّ فارسٍ من قبرص أو شبه الجزيرة الأيبيريَّة بالتُّهَم الأشنع المُوجَّهة إليهم. استُدعِيت مجموعة من الفرسان الذين كان من المقرَّر الاستماع إلى دفاعهم، لكن لم يؤذَن لهم بالدفاع في الجلسة؛ وعندما وصل فيليب إلى المجلس، قرَّر البابا حلَّ الجماعة رسميًّا في 3 أبريل 1312م، بدعوى السمعة المُشوَّهة التي لحقت بهم، لا لأيَّةِ إدانة ثَبُتَتْ عليهم. لم تُقَدَّم أيَّةَ أدلةٍ ماديَّةٍ على الاتِّهامات الموجَّهة إليهم إطلاقًا - لا سجلات ولا تماثيل أصنام ولا خلاف ذلك. بالإضافة إلى سحب العديد من الفرسان لاعترافاتهم لاحقًا حتى بعدما أدينوا بها فعليًّا؛ لكن لا حياةَ لمن تنادي.
وأُحيل غالبية الفرسان القدامى إلى التقاعد، مع منعهم من الانضمام إلى أيَّ تنظيمٍ عسكريٍّ آخر. ونُقِلَت العديد من أملاك فرسان الهيكل إلى فرسان الإسبتارية بأمرٍ من البابا في 2 مايو 1312م. وانتهى الأمر بالكثير من الأراضي والمال في جيوب النبلاء على كلِّ حال، خاصةً في مملكة قشتالة (بإسبانيا حاليًا). أمَّا هذا التعدِّي على فرسان الهيكل فلم يكن له تأثيرٌ يُذكَر على غيره من التنظيمات العسكرية. ومُقتَرَح دمج جميع التنظيمات في كيانٍ واحد لم يسفر عن شيء؛ فلم ينجُ سوى الفرسان التوتونيين -الذين ربما استحقوا الانتقاد أكثر من أيَّ نظامٍ آخر- لما كان لهم من صِلاتٍ وثيقةٍ بالحُكَّام الألمان العلمانيين. وقد نقل فرسان التيوتون مقرهم من فيينا مبتعدين به إلى بروسيا، في حين نقل فرسان الإسبتارية مقرَّهم إلى ملاذٍ أأمن في رودس. كلاهما انتقلا سنة 1309م، ولعلّهما ضمنا بذلك بقاء التنظيمين بشكلٍ أو بآخر حتَّى يومنا هذا.
