الفلسفة اليونانية القديمة هي نظام فكري طُوِّر أول مرة في القرن السادس قبل الميلاد، وتميز بالتركيز على السبب الأول للظواهر القابلة للملاحظ. فهم اليونانيون القدماء العالم قبل تطوير هذا النظام على يد طاليس الملطي (حوالي ٥٨٥ ق.م)، على أنه خُلق بواسطة الآلهة.
اقترح طاليس دون إنكار وجود الآلهة، أن السبب الأول للوجود هو الماء. لم يواجه هذا الاقتراح أي رد فعل سلبي، أو اتهامات بالكفر، لأن الماء، باعتباره مصدراً للحياة يحيط بالأرض، ومرتبطًا بالفعل بالآلهة في الديانة اليونانية. أكمل أتباع طاليس، أناكسيماندر (حوالي ٦١٠ - حوالي ٥٤٦ ق.م)، وأنكسيمانس (حوالي ٥٤٦ ق.م)، دراساتهما، وفحصهما لطبيعة الواقع، لكنهما اقترحا عناصر مختلفة كسبب أول.
بدأ هؤلاء الرجال الثلاثة طريق البحث المعروف بالفلسفة اليونانية القديمة، التي طورها الفلاسفة المعروفون بما قبل سقراط، وهم الذين انخرطوا في التأمل الفلسفي، وتطوير مدارس فكرية مختلفة منذ المحاولات الأولى لطاليس حتى زمن سقراط الأثيني (470/469-399 ق.م)، الذي، وفقًا لتلميذه الأشهر أفلاطون (424/423-348/347 ق.م)، وسّع نطاق الفلسفة لتشمل ليس فقط السبب الأول، بل أيضًا الالتزام الأخلاقي، والخُلقي للفرد بتحسين الذات لذاتها، وخير المجتمع الأكبر. ألهم عمل أفلاطون تلميذه أرسطو من ستاغيرا (384-322 ق.م) لتأسيس مدرسته الخاصة برؤية خاصة به، قائمة على رؤية أفلاطون، لكنها تختلف عنها بشكل كبير.
سيصبح أرسطو فيمَا بعد معلم الإسكندر الأكبر (356-323 ق.م)، الذي نشر مفاهيم الفلسفة اليونانية في جميع أنحاء الشرق، عن طريق غزوه لبلاد فارس، ومناطق تركيا الحديثة، مرورًا بالعراق، وإيران، وعبر روسيا، نزولًا إلى الهند، ثم عائدًا نحو مصر، حيث أثرت هذه المفاهيم في تطور المدرسة الفكرية المعروفة بالأفلاطونية المحدثة، كما صاغها الفيلسوف أفلوطين (حوالي 202-274م)، الذي أثرت رؤيته، المستمدة من أفكار أفلاطون، حول العقل الإلهي، وواقع أعلى يوجه العالم المرئي في رؤية بولس الرسول (حوالي 5-64م) في فهمه، وتفسيره، لمهمة، ومعنى يسوع المسيح، مما وضع الأساس لتطور المسيحية.
كان لأعمال أرسطو، التي ستؤثر في المسيحية، بقدر تأثير أعمال أفلاطون، أيضًا دور أساسي في صياغة الفكر الإسلامي، بعد تأسيس الإسلام في القرن السابع الميلادي، وكذلك في المفاهيم اللاهوتية لليهودية، تعد الفلسفة اليونانية في الوقت الحاضر، الشكل الأساسي لأنظمة المعتقدات، والقيم الثقافية، والقوانين في جميع أنحاء العالم، إذ ساهمت بشكل كبير في تطورها.
الديانة اليونانية القديمة
كانت الديانة اليونانية القديمة تؤمن بأن العالم المرئي وكل ما فيه، خلقه الآلهة الخالدون الذين كانوا يهتمون بحياة البشر ويوجهونهم ويحميهم؛ وفي المقابل، كان البشر يشكرون هؤلاء المحسنين عن طريق الثناء والعبادة، التي أصبحت في نهاية المطاف مؤسسية عبر المعابد، والكهنة، والشعائر. قام الكاتب اليوناني هسيود (القرن الثامن قبل الميلاد) بتدوين هذا النظام الاعتقادي في عمله " ثيوغونيا \ أنساب أو مولد الآلهة"، كما قام الشاعر اليوناني هوميروس (القرن الثامن قبل الميلاد) بتوضيحه بالكامل في ملحمتيه "الإلياذة"، و"الأوديسة"
خلق آلهة جبل الأوليمبوس، البشر، وكذلك جميع النباتات، والحيوانات، وهم الذين نظموا الفصول، وعُدّوا السبب الأول للوجد. تطورت القصص، المعروفة الآن باسم الأساطير اليونانية، لتفسير جوانب مختلفة من الحياة، وكيف ينبغي فهم الآلهة وعبادتهم، وعلى هذا، في هذا المناخ الثقافي، لم يكن هناك دافع فكري، أو روحي للبحث عن السبب الأول؛ لأن حُدِّد، وعُرِّف فعلًا.
أصل الفلسفة اليونانية
كان طاليس الملطي انحرافًا ثقافيًا؛ من حيث أنه، بدلًا من قَبُول التعريف اللاهوتي لثقافته للسبب الأول، سعى إلى سببه الخاص عن طريق بحث عقلاني في العالم الطبيعي، منطلقًا مما يمكنه ملاحظته، عائدًا إلى ما تسبب في وجوده، ومع ذلك، فإن السؤال الذي طرحه الفلاسفة، والمؤرخون، وعلماء الاجتماع لاحقًا، هو كيف بدأ بحثه. لا يتفق العلماء المعاصرون بأي حال من الأحوال على إجابة لهذا السؤال، وعمومًا، يتبنون وجهتي نظر:
- طاليس مفكر أصيل طور طريقة جديدة للبحث.
- استمد طاليس فلسفته من المصادر البابلية، والمصرية.
ربطت مصر عَلاقة تجارية راسخة منذ زمن طويل، مع مدن بلاد ما بين النهرين، بما في ذلك بابل بالطبع، في زمن طاليس، وكان كل من البابليين، والمصريين يعتقدون أن الماء هو العنصر الأساسي للوجود. تروي قصة الخلق البابلية (من الإينوما إيليش\ عندما في العلى، حوالي 1750 ق.م في شكلها المكتوب) قصة الإلهة تيامات (ومعناها البحر)، وهزيمتها على يد الإله مردوخ الذي يخلق العالم بعد ذلك من بقاياها، كما تتضمن قصة الخلق المصرية الماء كعنصر أولي من الفوضى التي تنشأ منها الأرض، ويخضعها الإله آتوم لسيطرته، ويُؤسس النظام، مما يؤدي في النهاية إلى خلق الآلهة الأخرى، والحيوانات، والبشر.
ثبت منذ زمن بعيد أن الفلسفة اليونانية القديمة، بدأت في المستعمرات اليونانية في أيونيا، على ساحل آسيا الصغرى؛ حيث جاء أول ثلاثة فلاسفة قبل سقراط جميعهم من مَلَطْيَة الأيونية، وتعد المدرسة المَلَطْيَة أول مدرسة فلسفية يونانية. إن التفسير التقليدي لكيفية تصور طاليس لفلسفته هو ما ذُكر أولًا أعلاه، ومع ذلك، فإن النظرية الثانية تبدو أكثر منطقية، إذ لا تتطور أي مدرسة فكرية من الفراغ، ولا يوجد في الثقافة اليونانية في القرن السادس قبل الميلاد، ما يشير إلى أن البحث الفكري في سبب الظواهر الملحوظة، كان محل تقدير، أو تشجيع.
يشير الباحث جي. جي. إم. جيمس إلى أن العديد من الفلاسفة اللاحقين، من فيثاغورس إلى أفلاطون، يُقال إنهم درسوا في مصر، وطوروا فلسفاتهم هناك جزئيًا، ويقترح أن طاليس ربما درس أيضًا في مصر، وجعل من هذه الممارسة تقليدًا يتبعه الآخرون، وبالرغم من أن هذا قد يكون صحيحًا، إلا أنه لا توجد وثائق تدعم ذلك بشكل قاطع، في حين أنه من المعروف أن طاليس درس في بابل، ومن المؤكد أنه تعرض للفلسفة العراقية القديمة، وكذلك المصرية خلال دراسته هناك، ويرجح أن هذا كان مصدر إلهامه.
فلاسفة ما قبل سقراط
بدأ طاليس - ومع ذلك، قد يكون قد طور رؤيته أولًا حول البحث العقلاني، والتجريبي في طبيعة الواقع - حركة فكرية ألهمت الآخرين للقيام بالمثل. يُعرف هؤلاء الفلاسفة باسم ما قبل سقراط لأنهم سبقوا سقراط، ووفقًا لصياغة الباحث فورست إي. بيرد، كان الفلاسفة الرئيسون ما قبل سقراط هم:
- طاليس الملطي – حوالي 585 ق.م.
- أناكسيماندر – حوالي 610 - حوالي 546 ق.م.
- أنكسيمانس – حوالي 546 ق.م.
- فيثاغورس – حوالي 571 - 497 ق.م.
- زينوفانيس من كولوفون – حوالي 570 - 478 ق.م.
- هِرَقْليطُس – حوالي 500 ق.م.
- برمانيدس من إيليا – حوالي 485 ق.م.
- زينون من إيليا – حوالي 465 ق.م.
- أمبادوقليس– حوالي 484-424 ق.م.
- أناكسوغوراس – حوالي 500 - حوالي 428 ق.م.
- ديمُقْريطُس– حوالي 460 - حوالي 370 ق.م.
- ليوكيبوس – القرن الخامس قبل الميلاد تقريباً.
- بروتاغوراس – حوالي 485 - حوالي 415 ق.م.
- غورغياس– حوالي 427 ق.م.
- كريتياس – حوالي 460-403 ق.م.
ركز الثلاثة الأوائل على السبب الأول للوجود. ادعى طاليس أنه الماء، لكن أناكسيماندر رفض ذلك لمصلحة المفهوم الأعلى للأبيرون – "اللامحدود، اللامتناهي، أو غير المحدد" (بايرد، 10) – الذي كان قوة إبداعية أزلية، أما أنكسيمانس فقد عدّ الهواء هو السبب الأول لنفس السبب الذي جعل طاليس يختار الماء: إذ شعر أنه العنصر الأكثر أساسية بين جميع العناصر الأخرى، بأشكالها المتنوعة.
رفض فيثاغورس تعريف السبب الأول، واعتبر العدد هو الحقيقة؛ فالأعداد ليس لها بداية أو نهاية، وكذلك العالم، أو روح الإنسان. تمر الروح الخالدة للإنسان عبر تجسدات عدّة، وتكتسب الحكمة، وعلى الرغم من أن فيثاغورس يقترح أنها تلتحق في النهاية بروح أعلى (الله)، إلا أن كيفية تعريفه لتلك الروح العليا غير واضحة. يجيب زينوفانيس على ذلك بادعائه أن هناك إلهًا واحدًا فقط هو السبب الأول، وهو أيضًا حاكم العالم، رفض أيضًا الرؤية التشبيهية لآلهة الأولمبوس، لمصلحة رؤية توحيدية لله كروح خالصة.
رفض معاصره الأصغر، هيراقليطس، هذا الرأي، واستبدل "الله" بـ "التغير"؛ فالحياة بالنسبة لهيراقليطس، تدفقًا مستمرًا – فالتغير كان هو التعريف الحقيقي لـ "الحياة" – وجميع الأشياء تنشأ، وتزول ببساطة بسبب طبيعة الوجود.
جمع برمانيدس بين هذين الرأيين في مدرسته الايلية، التي علمت مذهب الأَحَدِيَّة، وهو الاعتقاد بأن كل الواقع المرئي يتكون من جوهر واحد فقط، غير مخلوق، وغير قابل للتدمير. طور فكر برمانيدس تلميذه زينون الإيلي، الذي أنشأ سلسلة من المفارقات المنطقية، لإثبات أن التعددية مجرد وهم من الحواس، وأن الواقع في الحقيقة موحد.
جمع أمبادوقليس بين فلسفات أسلافه، وفلسفته الخاصة، مدعيًا أن العناصر الأربعة نشأت نتيجة الصراع بين قوى الطبيعة المتعارضة، لكنها استمرت بفعل الحب، الذي عرّفه بأنه قوة خلاقة ومتجددة. أخذ أناكسوغوراس هذه الفكرة، وطور مفهومه عن "المتشابه واللامتشابه"، و"البذور"، فلا شيء يمكن أن يأتي مما لا يشبهه، وكل شيء يتكون من جسيمات ("بذور") تشكل ذلك الشيء بعينه.
أثرت نظريته حول "البذرة" في تطور مفهوم الذرة لدى ليوكيبوس، وتلميذه ديمُقْريطُس، اللذين، أثناء بحثهما في "بذرة" كل الأشياء، ادعيا أن الكون بأسره يتكون من أشياء "غير قابلة للانقسام" المعروفة باسم الذرات (أتاموس). ألهمت النظرية الذرّية ليوكيبوس في نظريته حول القدرية، إذ كما تتكون الذرات من العالم المرئي، فإن تحللها، وإعادة تشكيلها يوجهان مصير الإنسان.
شجعت أعمال هؤلاء الفلاسفة (والعديد من الآخرين الذين لم يُذكروا هنا) على تطور مهنة السفسطائي – وهم مثقفون متعلمون تعليمًا عاليًا كانوا، مقابل أجر، يدرّسون شباب الطبقة العليا من الذكور في اليونان هذه الفلسفات المختلفة كجزء من هدفهم في تعليم فن المهارة في الإقناع، لكسب الجدل. كانت الدعاوى القضائية شائعة في اليونان القديمة، ولا سيما في أثينا، وكانت المهارات التي يقدمها السفسطائيون ذات قيمة عالية، وكما جادل الفلاسفة الأوائل ضد ما كان يُعتبر "معرفة شائعة"، كذلك علّم السفسطائيون الوسائل التي يمكن بها "جعل القضية الأضعف تبدو هي الأفضل" في أي جدال.
أشهر هؤلاء المعلمين: بروتاغوراس، وغورغياس، وكريتياس. يُعرف بروتاغوراس بادعائه أن "الإنسان هو مقياس كل الأشياء"، أي إن كل شيء نسبي بالنسبة للتجربة الفردية والتفسير الشخصي. علّم غورغياس أن ما يسميه الناس "معرفة" هو مجرد رأي، وأن المعرفة الحقيقية لا يمكن فهمها، أما كريتياس، وهو من أوائل أتباع سقراط، فيُعرف بحجته أن الدين أُنشئ من قبل رجال أقوياء وذوي ذكاء، للسيطرة على الضعفاء والسذج.
سقراط، أفلاطون، والمدارس السقراطية
يعتبر بعض الناس سقراط نوعًا من السفسطائيين، لكنه كان يُعلم بحرية دون توقع مكافأة. لم يكتب سقراط شيئًا بنفسه، وكل ما معروف عن فلسفته يأتي من تلميذيه أفلاطون وإكسينوفون (430 - حوالي 354 ق.م)، ومن الأشكال التي اتخذتها فلسفته في المدارس الفلسفية اللاحقة التي أسسها أتباعه الآخرون مثل: أنطستينوس الأثيني (حوالي 44 -365 ق.م)، وإريستبوس القوريني (حوالي 435-356 ق.م)، وغيرهم.
كان تركيز سقراط على تحسين شخصية الفرد، التي عرّفها بأنها "النفس"، من أجل أن يعيش حياة فاضلة، وتتلخص رؤيته المركزية في القول المنسوب إليه من قبل أفلاطون بأن "الحياة التي لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش" (الدفاع 38ب)، وأنه لا ينبغي للمرء، لذلك، أن يكرر ببساطة ما تعلمه من الآخرين، بل عليه أن يفحص ما يؤمن به – وكيف تشكل معتقداته سلوكه – لكي يعرف نفسه حقًا، ويتصرف بعدل. تُعرض تعاليمه المركزية في أربعة من محاورات أفلاطون، التي تُنشر عادة تحت عنوان "أيام سقراط الأخيرة" – أوثيفرو، الدفاع، كريتو، وفيدو – والتي تروي اتهامه من قبل الأثينيين بتهمة الكفر، وإفساد الشباب، ومحاكمته، ووقته في السجن، وإعدامه.
حوارات أفلاطون الأخرى – التي يظهر في معظمها سقراط كشخصية محورية – قد تُظهر، أو لا تُظهر فكر سقراط الحقيق، حتى معاصرو أفلاطون ادعوا أن "سقراط" الذي ظهر في حواراته لم يكن يشبه المعلم الذي عرفوه. أسس أنطستينوس المدرسة الكلبية، التي ركزت على البساطة في العيش – وعلى السلوك بوصفه جوهر الشخصية – وإنكار أي رَفَاهيَة كمبدأ أساسي لها، في حين أسس إريستبوس المدرسة القورينائية للذة، حيث عُدّت الرَفَاهيَة، واللذة أعلى الأهداف التي يمكن للإنسان أن يطمح إليها. كان كلا هذين الرجلين من تلاميذ سقراط، تمامًا كما كان أفلاطون، لكن فلسفتيهما لا تشتركا في شيء يُذكر مع فلسفته.
إن الفلسفة التي ينسبها أفلاطون لسقراط، مهما كان ما علمه سقراط التاريخي، تقوم على مفهوم وجود عالم أبدي للحقيقة (عالم المثل)، الذي عُدّ فيه الواقع المرئي مجرد انعكاس لمفاهيم الحقيقة، والخير، والجمال، وغيرها، توجد في هذا العالم، وما يشير إليه الناس بأنه حقيقي أو جيد، أو جميل، هو مجرد محاولات للتعريف، وليس الأشياء نفسها. ادعى أفلاطون أن فهم الناس كان مظلمًا، ومحدودًا بسبب قبولهم لـ "الكذبة الحقيقية" (المعروفة أيضًا الزيف الداخلي)، التي جعلتهم يعتقدون خطأً بشأن أهم جوانب الحياة البشرية، ولكي يتحرر الإنسان من هذه الكذبة، عليه أن يعترف بوجود العالم الأعلى، ويوافق فهمه معه عن طريق السعي وراء الحكمة.
أرسطو وأفلوطين
يمكن أن يكون أفلاطون قد نسب أفكاره الفلسفية الخاصة إلى سقراط عمدًا؛ لتجنب المصير ذاته الذي واجهه معلمه. أُدين سقراط بتهمة الكفر، وأُعدم في عام 399 ق.م، مما أدى إلى تفرق أتباعه. ذهب أفلاطون بنفسه إلى مصر، وزار عددًا من الأماكن الأخرى قبل أن يعود إلى أثينا ليؤسس أكاديميته، ويبدأ في كتابة محاورات، ومن بين أشهر طلابه في المدرسة الجديدة كان أرسطو، ابن نيكوماخوس من ستاجيرا بالقرب من الحدود المقدونية.
رفض أرسطو نظرية المُثل لأفلاطون، وركز على نهج غائي في البحث الفلسفي، حيث يُتَوَصَّلُ إلى الأسباب الأولى عن طريق دراسة الحالات النهائية. يقول أرسطو إنه لا ينبغي للمرء أن يحاول فهم كيف تنمو الشجرة من البَذْرَة عن طريق التأمل في "ماهية الشجرة"، بل عن طريق النظر إلى الشجرة نفسها، وملاحظة كيف تنمو، وما الذي يشكل البَذْرَة، وما هو نوع التربة الأنسب لنموها، وبنفس الطريقة، لا يمكن للمرء أن يفهم الإنسانية عن طريق التفكير فيمَا "يجب" أن يكون عليه الإنسان، بل عن طريق التعرف على ما عليه الإنسان، وكيف يمكن للفرد أن يتحسن.
اعتقد أرسطو أن الهدف الكامل من حياة الإنسان هو السعادة. كان الناس غير سعداء لأنهم خلطوا بين الثروة المادية، أو المكانة أو العلاقات – وكلها أمور زائلة – وبين الرضا الداخلي الدائم، الذي يُزرع عن طريق تطوير التميّز ("التميز الشخصي")، الذي يسمح للإنسان بتجربة السعادة ("أن يكون ممتلكًا لروح طيبة")، وبعد تحقيق السعادة، لا يمكن للإنسان أن يفقدها، ويمكنه حينها أن يرى بوضوح، ليساعد الآخرين على بلوغ نفس الحالة. كان يعتقد أن السبب الأول هو قوة عرفها باسم المحرك الأول – الذي أطلق كل شيء في الحركة – ولكن بعد ذلك، الأشياء التي كانت في حركة بقيت في حركة. لم تكن الاهتمامات بشأن السبب الأول مهمة له بقدر فهم كيفية عمل العالم المرئي، وكيفية العيش فيه بأفضل طريقة.
أصبح أرسطو معلم الإسكندر الأكبر الذي نشر فلسفته، بالإضافة إلى فلسفة أسلافه، في جميع أنحاء العالم في الشرق الأدنى حتى الهند، وفي الوقت نفسه أسس أرسطو مدرسته الخاصة، الليسيوم، في أثينا ودرّس الطلاب هناك. بحث أرسطو في جميع مجالات ومعارف الإنسان تقريبًا طوال بقية حياته، وكان يُعرف ببساطة باسم "المعلم" من قبل الكتّاب اللاحقين.
لم يعتنق كل واحد من هؤلاء المفكرين اللاحقين فلسفته بالكامل، ومع ذلك كان من بينهم أفلوطين الذي أخذ أفضل ما في المثالية الأفلاطونية، والمنهج الغائي الأرسطي، ودمجهما في الفلسفة المعروفة بالأفلاطونية المحدثة، التي احتوت أيضًا على عناصر من التصوف الهندي، والمصري، والفارسي. هناك في هذه الفلسفة، حقيقة مطلقة - عظيمة جدًا لدرجة أن العقل البشري لا يستطيع إدراكها - لم تُخلق أبدًا، ولا يمكن أن تُفنى أبدًا، ولا يمكن حتى تسميتها؛ أطلق أفلوطين على هذه الحقيقة اسم "العقل" الذي يُترجم إلى "العقل الإلهي".
إن الغرض من الحياة، هو إيقاظ الروح لوعي العقل الإلهي، ثم العيش وفقًا لذلك. إن ما يسميه الناس "الشر"، هو نتيجة التعلق بالأشياء الزائلة في هذا العالم، والأوهام التي يظن الناس أنها تجعلهم سعداء؛ أما "الخير" الحقيقي فهو إدراك الطبيعة الزائلة، وغير المرضية في نهاية المطاف للعالم المادي، والتركيز على العقل الإلهي، الذي تأتي منه كل الخيرات في الحياة.
الخلاصة
يجيب أفلوطين على سؤال طاليس حول العلة الأولى، بالإجابة التي كان يحاول الابتعاد عنها، وهي الإلهية. كان (النوس\العقل الإلهي) مثل آلهة اليونان القديمة، اعتقادًا لا يمكن إثباته؛ إذ لا يعرف المرء عنه إلا من خلال الظواهر الملحوظة التي تُفسر وفقًا لمعتقد الفرد. شجع عدم رضا أفلوطين عن أي إجابة أخرى، إصراره على واقعية (النوس\العقل الإلهي). يجب لكي يكون لأي شيء في العالم حقيقة، أن يكون هناك مصدر للحقيقة، وإذا كان كل شيء نسبيًا للفرد، كما ادعى بروتاغوراس، فلا وجود لما يسمى بالحقيقة، بل هناك فقط الرأي. رفض أفلوطين، مثل أفلاطون، وجهة نظر بروتاغوراس، وأسس العقل الإلهي كمصدر ليس فقط للحقيقة، بل لكل الحياة والوعي ذاته.
ستؤثر أفكاره الأفلاطونية المحدثة على القديس بولس، في تطوير الرؤية المسيحية. فهم بولس الإله المسيحي إلى حد بعيد بنفس المصطلحات التي استخدمها أفلوطين في وصف (النوس\العقل الإلهي)، ولكن كإله فردي ذو شخصية مميزة بدلًا من عقل إلهي غامض. أثرت أعمال أرسطو، التي تُرجِمَت، وكانت أكثر شهرة في الشرق الأدنى، على تطور علم الكلام الإسلامي، في حين استند العلماء اليهود إلى أفكار أفلاطون، وأرسطو، وأفلوطين في تشكيل عقائدهم الخاصة.
ساهمت الفلسفة اليونانية القديمة أيضًا في تشكيل القيم الثقافية حول العالم، ليس فقط في البداية عن طريق فتوحات الإسكندر الأكبر، بل أيضًا عبر انتشارها بواسطة كُتّاب لاحقين. تُستمد القوانين المدنية، والمفاهيم العَلمانية للأخلاق حتى يومنا هذا من فلسفة اليونانيين، حتى أولئك الذين لم يقرأوا أعمال أي فيلسوف يوناني قديم، تأثروا بها بدرجات متفاوت، فمن تساؤل طاليس الأول حول الأسباب الأولى، إلى الميتافيزيقا المعقدة لأفلوطين، وجدت الفلسفة اليونانية القديمة جمهورًا معجبًا يبحث عن نفس الإجابات للأسئلة التي طرحتها، ومع انتشارها، وفرت الأساس الثقافي للحضارة الغربية.
