موقف روما من انتشار المسيحية

مقال

Rebecca Denova
بواسطة ، تمت ترجمته بواسطة Mahmoud Ismael
نُشر في 09 February 2021
X

ادعت طائفة من اليهود خلال القرن الأول الميلادي، في القدس أن معلمهم يسوع الناصري، هو "مسيح" بني إسرائيل، وكلمة "المسيح" تعني "الممسوح بالزيت المقدس"، أو الشخص الذي اختاره إله إسرائيل ليحكم عندما يتدخل الرب في تاريخ البشرية ليحقق العدل، صُلب "يسوع" على يد الحاكم الروماني "بيلاطس البنطي" 30م لإعلانه قيام مملكة غير مملكة روما، وادعى أتباعه أنه بعد برهة قصيرة من وفاته، قام من بين الأموات وهو الآن في السماء عن يمين الآب، وأولئك الذين اتبعوا تعاليم (يسوع، الكلمة اليونانية لـ 'المسيح') سيبعثون في الحياة الآخرة.

نشر أتباعه هذه الرسالة ("بشارة" (إنجيل) الملكوت) في مدن الإمبراطورية الرومانية الشرقية وخارجها، وكان رد الفعل الأولي هو الصدمة والارتباك، فبطل القصة لم يكن ميتاً فحسب، بل مات مصلوباً، وهي العقوبة الرومانية لتهمة الخيانة، وقد أدرك "بولس" مدى جوهرية هذا الأمر عندما أشار إلى "عثرة الصليب" في (كورنثوس الأولي 1: 23).

The Growth of Christianity in the Roman Empire
انتشار المسيحية في الإمبراطورية الرومانية
Simeon Netchev (CC BY-NC-SA)

التقى المبشرون خلال أسفارهم، بغير اليهود او ما يسمونهم ("الأمم" في العهد الجديد) الذين أرادوا الانضمام إلى تلك الحركة الجديدة، فقرر الرسل أنه ليس شرطاً علي الأمم أن يتحولوا إلى اليهودية أولاً، فسرعان ما فاق عدد أتباعهم عدد اليهود أنفسهم، ومع ذلك، كان على هؤلاء الأمم أن يكفوا عن عبادة الأصنام، الأمر الذي غير المفهوم القديم القائل بأن دين الفرد هو الطريقة التي يعيش بها حياته، وعادات الأسلاف هي التي نقلتها الآلهة، فنقل ولاء الفرد إلى المجموعة الجديدة لا يتطلب تغيير نمط الحياة فحسب، بل يتطلب في كثير من الأحيان انقسام أسري، فمن خلال ما وجدناه في رسائل "بولس" وأعمال الرسل، أدت هذه التعاليم إلى اضطرابات مدنية، وبحلول نهاية القرن الأول، بدأت روما في اضطهاد وإعدام هؤلاء الأشخاص بسبب هذه التعاليم.

عبادات البطل وعبادة الإمبراطور

قام أبطال يونانيون نصف بشر ونصف آلهة مثل "هرقل" في بعض الأحيان، بأعمال عظيمة في الحياة، وبعد وفاتهم، كان يُعتقد أنهم بين الآلهة أو في الحقول الإليزيوم في العالم السفلي، وعُرفت هذه العملية باسم التَألِيه ("أَلَّه")، وادعت عدة بلدان أن بها مقابر هؤلاء الأبطال حيث كان الناس يحجون إلي تلك المقابر للصلاة والتبرك، فجسدت هذه المواقع الجانب الاجتماعي للعلاقات بين الرعاة والعملاء، والالتزامات بين الطبقات الاجتماعية، ويمكن لهؤلاء لأبطال أن يكونوا وسطاء في حضرة الآلهة لصالح مجتمعاتهم، ومن ثم، كانوا آلهة/ إلهات راعية، واستعار الرومان الفكرة لأول مرة عند قبر "شيبيون الإفريقي" الذي هزم "حَنبَعل" في الحرب البونيقية الثانية (218-201 م).

أشتهر "نيرون" (حكم من 54 إلى 68م) سيئ السمعة بأنه أول إمبراطور روماني يضطهد المسيحيين،

نشأت عبادة الإمبراطور بعد "اغتيال يوليوس قيصر" عام 44 ق.م، حيث ترك عامة الناس رموزًا في الموقع الذي أحرقوا فيه جسده في الساحة العامة، توفي "يوليوس" بدون ابن شرعي وعين ابن أخيه الأكبر، "أوكتافيوس"، باعتباره الوريث الشرعي المتبنى له، والذي سيصبح "أغسطس" المستقبلي (حكم من 27 ق.م إلى 14 م)، وصادف عبور مذنب فوق روما أثناء الألعاب الجنائزية، فأعلن الشعب و"أغسطس" أن ذلك علامة على أن "يوليوس قيصر " أصبح الآن إلهًا حيًا، وقبل السناتو تلك العبادة الرسمية، والتي استفاد منها أيضًا "أغسطس" بصفته الآن ابنًا للإله، فمن الأن وصاعدًا، قاموا بتأليه معظم الأباطرة الرومان عند وفاتهم.

قدم الملوك الشرقيون التماسًا إلى "أغسطس" للسماح لهم ببناء المعابد وعبادته، بعد معركة "أكتيوم البحرية" ونهاية الحرب الأهلية في عام 31 ق.م، وهنا أدرك أغسطس الميزة المالية والدعائية لهذه المعابد ومن ثم منح الإذن لهم ببنائها، وكان من المقرر أن تكون معابد الإلهة في روما حيث يمكن للناس أن يصلوا من أجل خير الإمبراطورية الرومانية والعائلة الأولى.

حريق روما الكبير والثورة اليهودية

أشتهر "نيرون" (حكم من 54 إلى 68م) سيئ السمعة بأنه أول إمبراطور روماني يضطهد المسيحيين، فعندما اتُهم بإشعال حريق روما المروع عام 64 م، ولتبديد الشكوك، ألصق التهمة بالمسيحيين، فقبض عليهم ودعا الفقراء المشردين إلى وليمة وأطلعهم على مكان تعذيب المسيحيين وصلبهم، وكان هذا هو الوقت الذي يُزعم فيه أن بطرس مات مصلوباً رأسًا على عقب، وعلى الرغم من أن موقع الصلب "هضبة الفاتيكان"، أصبح فيما بعد كاتدرائية القديس بطرس، لكن توجد إشكالية في تلك الرواية نظراُ لعدم وجود شهادة شهود عيان عليها، والمصدر الأقدم لتلك الرواية هو المؤرخ الروماني "تاسيتوس" (56-120 م)، الذي كتب حوالي 110م، وإذا كان "نيرون" قد فعل هذا في الواقع، فقد كان عملاً فردياً، إذ لم تكن هناك سياسة رسمية تجاه المسيحيين.

The Crucifixion of Saint Peter by Caravaggio
صلب القديس بطرس لكارافاجيو
Caravaggio (Public Domain)

أرسل "نيرون" الإمبراطور المستقبلي "فسبازيان" (حكم 69-79)، لمواجهة ثورة اليهود ضد الإمبراطورية الرومانية عام 66م، انتحر "نيرون" عام 68م بينما كان "فسبازيان" يقاتل في الجليل، وتلا ذلك فترة اضطرابات عرفت بعام الأباطرة الأربعة (69م)، وعندما انتصر "فسبازيان" ، ترك ابنه "تيتوس" مسؤولاً عن إنهاء تمرد اليهود في عام 70م، فحاصر "تيتوس" (حكم 79-81 م) القدس ودمر الهيكل اليهودي، وأصبح المال الذي يتبرع به اليهود لصيانة الهيكل ضريبة يهودية سيرسلونها الآن إلى روما كتعويضات عن حربها ضدهم.

جريمة الالحاد

أعاد الابن الثاني لــــــــــ"فسبازيان"، "دوميتيان" (حكم من 81 إلى 96 م)، جميع السياسات القديمة التي من شأنها تسريع اغتيال الأباطرة، فسرعان ما بحث في الخزانة متذكراً الضريبة اليهودية التي فرضها والده، والتي أُهمل تحصيلها، فأرسل الحرس البرايتوري لتمشيط المساكن بحثًا عن اليهود لدفع ما عليهم، وحدث ذلك على الأرجح عندما علمت روما رسميًا بوجود أشخاص اتبعوا إله اليهود وهم ليسوا بيهود ولم يتبعوا الديانة الرومانية، وتقاليد الآباء.

فعدم احترام عبادات الدولة يعني أنك لا تريد أن تنجح في الإمبراطورية الرومانية، فإغضاب الآلهة بهذا الشكل يمكن أن يؤدي إلى كوارث طبيعية وحروب، وبالتالي فإن الإلحاد يعادل الخيانة، وكانت عقوبته الموت.

أصر "دوميتيان" على مخاطبته بــــــــــ "الرب والإله"، وأمر الجميع في الإمبراطورية بعبادته في معابد الإمبراطورية مع تقديم تضحيات على شكل تبرعات نقدية، لكن المسيحيين رفضوا إطاعة أوامر الإمبراطور، ونتيجة لذلك، اتُهموا بالإلحاد، وكان الإلحاد يعني الكفر بالآلهة، وفي الوقت نفسه كان جريمة مدنية ضد الدولة، فعدم احترام عبادات الدولة يعني أنك لا تريد أن تنجح في الإمبراطورية الرومانية، فإغضاب الآلهة بهذا الشكل يمكن أن يؤدي إلى كوارث طبيعية وحروب، وبالتالي فإن الإلحاد يعادل الخيانة، وكانت عقوبته الموت، وذلك كان سبب قتل المسيحيين في الساحات، اعفي "يوليوس قيصر" (100-44 ق.م) اليهود من عبادات الدولة، وجاء ذلك مكافأةً للمرتزقة اليهود بين جحافل جيشه في الشرق.

تتعلق التهمة الثانية بالتجمعات الاجتماعية/الدينية الرومانية المعروفة باسم "المجتمع"، فهذه المجموعات تشترك في اهتمامات مشتركة أو مهارات تجارية، ويجتمع الأعضاء تحت مظلة إله أو إلهة لتناول وجبة مشتركة، ومع ذلك، كان على "المجتمع" الحصول على إذن من الحكومة، ولم يكن لدى المسيحيين هذا الترخيص للتجمع، وبالتالي، نُظر للمسيحية كدين غير قانوني.

أول دليل لدينا على المحاكمات المسيحية يأتي من "بلينيوس الأصغر" (61-112م)، حاكم مقاطعة بيثينيا حوالي 110م، ففي رسالة إلى الإمبراطور "تراجان"، ذكر أنه بعد أن اعتقل بعض المسيحيين، أُحضر بعض تماثيل الآلهة وتمثال نصفي للإمبراطور، وتم إعدام أولئك الذين رفضوا رمي قليل من البخور أثناء أداء القسم أمام تلك التماثيل، فأجاب "تراجان" أنه إذا تحدى المسيحيون النظام علنًا، فيجب القبض عليهم ولكن لا ينبغي مطاردتهم.

الأزمات والاضطهاد الروماني

يذكر التاريخ التقليدي للمسيحية (بالإضافة إلى الترانيم الكاثوليكية) آلاف الشهداء المسيحيين، رغم قلة الأدلة التاريخية على هذا الادعاء، فعلى مدار 300 عام، لم يكن لدينا دليل على الاضطهاد سوى سبع أو ثماني مرات، وعادةً في المقاطعات فقط، وحتى ذلك الحين، ليس لدينا سوى عدد قليل من الأسماء، وذلك لأن الاضطهاد كان مرتبطًا بشكل مباشر بحدوث أزمة، مثل المجاعة والجفاف والزلازل والأوبئة والجيوش الغازية و التي فسرت على أنها غضب من الآلهة، لكن في الأعم، تم التسامح مع المسيحيين، ولم يكن من الضروري العثور على كبش فداء إلا في فترات الأزمات؛ فكانت التهمة أن هؤلاء المسيحيون هم الذين أغضبوا الآلهة، وكان الجميع يعرف أين يعيش المسيحيون – في المساكن والمدن المزدحمة – وكان من الملاحظ أنهم يقبعوا في منازلهم خلال الأعياد الدينية العديدة، وخلال فترة الأزمات، فكان من السهل القبض عليهم.

أعظم فترتين من الاضطهاد كانتا في عهد "دكيوس" (حكم 249-251 م) و"دقلديانوس" (حكم 284-305 م)، حيث عانت الإمبراطورية الرومانية في عام 250م من عدد كبير من الكوارث - التضخم، والمجاعة، والجيوش الغازية، والطاعون، فأصدر "دكيوس" مرسومًا يقضي بضرورة مثول كل فرد في الإمبراطورية في المعابد الإمبراطورية واسترضاء الآلهة، فذلاً عن ذلك، يحتاج الأشخاص إلى إيصال يثبت أنهم كانوا هناك، لكن عندما رفض المسيحيون هذا المرسوم ازدهرت السوق السوداء للإيصالات.

Decius (Facial Reconstruction)
الإمبراطور ديكيوس(إعادة بناء الوجه)
Daniel Voshart (Copyright)

توقف الاضطهاد لفترة بعد حكم "دكيوس"، ومع ذلك، جلبت أزمة القرن الثالث عدم استقرار اقتصادي وعسكري، ففي المنافسة المستمرة على العرش، من بين 25 من “أباطرة الثكنات" اللاحقين، مات ثلاثة فقط على فراشهم، وفي تلك الفترات القصيرة من السلطة، اتخذ عدد قليل منهم خطوات جريئة لإضفاء الشرعية على المسيحية، فقط لتجنيدهم في الجيش الروماني، ونحن نعلم أن بعض المسيحيين انضموا إلى الجيش، لكن معظمهم لم يشاركوا فيه، وبما أن حكام وأباء المدن التقليديين كانوا بعيدًا عن الحرب، استولى المسيحيون على المناصب التقليدية في المدن، ومن خلال أعمالهم الخيرية المتعلقة بالطعام والملابس ومستشفياتهم المبكرة، أصبح هؤلاء المسيحيون يتمتعون بشعبية لدى الجماهير.

شرع "دقلديانوس" عام 284م باتخاذ خطوات لاستعادة نهضة الإمبراطورية، ففي عام 302م، أثناء تقديم إحدى التضحيات، اكتشف كاهن أحشاء حيوانات مقززة في المعبد، فألقى دقلديانوس باللوم على المسيحيين، وأمر باعتقالهم، وحرق كتبهم المقدسة، فأصبح هذا يعرف باسم "الاضطهاد الكبير (والأخير)."، فعند تقاعد "دقلديانوس" غير المسبوق، تقاتل العديد من الأفراد علي منصب الإمبراطور، ففي الغرب، نجح "قسطنطين الأول" (حكم من 306 إلى 337م) في هزيمة "ماكسينتيوس" عند جسر ميلفيان في روما، وادعى فيما بعد أنه انتصر في المعركة بسبب الإله المسيحي وأصبح مسيحياً، وأصدر "مرسوم ميلانو" عام 313م، مما جعل المسيحية دينًا قانونيًا في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية.

الساحات

لم يكن في روما مؤسسة راسخة للمجرمين المدانين؛ ولم تكن هناك فترات محددة للاحتجاز أو السجن مدى الحياة، فكان لكل مدينة زنزانات احتجاز للسجناء المدانين حتى يأتي الحاكم التالي، وكانت العقوبة تعتمد على الطبقة الاجتماعية، فكانت عقوبة الطبقات العليا بتهمة القتل أو الخيانة هي قطع الرأس، تم إعدام المجرمين من الطبقة الدنيا في الساحات، التي كانت بمثابة أدوات للدعاية، وبرهان عام على القانون والنظام الروماني.

كان الصيد (بقيادة “bestiarii”، "مصارعي الوحوش")، شكلاً من أشكال الترفيه، أحاطت روما الساحات حرفيًا بالرمال وأشجار النخيل، وكان مصارعو الوحوش يعيدون تمثيل أسر الحيوانات البرية مثل الأسود والفهود والدببة، كما تم استخدام الحيوانات لتنفيذ أحكام الإعدام من قبل الدولة، وتم إجبار بعض المدانين على المشاركة في عمليات الصيد، ولكن في أغلب الأحيان مربوطون بالأوتاد كفريسة للحيوان المفترس.

A Christian Dirce
ديركي المسيحية
Franciszek Stolot (CC BY-SA)

لم يقاتل "المُجَالدون" المسيحيين في ساحات القتال، وذلك خلافاً للاعتقاد الشائع، فألعاب "المُجَالدون" عبارة عن ألعاب جنائزية نشأت مع الحضارة "الإترورية القديمة"، حيث يتقاتل عبدان حتى الموت، والخاسر يرافق سيده في الحياة الآخرة، وطورت روما هذه الفكرة إلى صناعة بها مدارس للمُجَالدون، وكان "المُجَالدون" يتقاتلون أحيانًا حتى الموت علي شرف جنائزي، تُسمى "مونيرا"، لكن هذا كان نادرًا، حيث كان تدريب "المُجَالدون" باهظ الثمن، فلن يتم إهدارهم على المجرمين العاديين، علاوة على ذلك، ومن حيث الروح الرياضية الجيدة، يعد العرض سيئًا إذا قاتل "المُجَالد" ضد مدان غير مدرب.

الانتقادات

تأتي مصادرنا لسوء الحظ، عن أدب العالم القديم من رجال متعلمين من الطبقة العليا، وليس لدينا أي فكرة عن رأي اليونانيين أو الرومان العاديين من الطبقة الدنيا عن المسيحية، ولكن من بين النخبة المتعلمة، كان هناك انتقاد للمسيحيين، قام اثنان من فلاسفة القرن الثاني الميلادي، الذين قرأوا الكتب المسيحية وأجروا مقابلات مع المسيحيين، بكتابة أطروحات ضد المسيحية، صور "سيلسوس" في كتابه "الكلمة الحقة" يسوع على أنه محتال عادي، يستخدم السحر للتأثير على الحشود، وحذر من أن المسيحيين يشكلون خطرًا لأنهم يقدمون أسلوب حياة بديل يقلب الأعراف الاجتماعية والدينية التقليدية رأسًا على عقب.

وابتداءً من القرن الثاني الميلادي وصاعداً، كتب الأساقفة المسيحيون ردودًا على مثل هذه الانتقادات والتي أصبحت في النهاية لاهوتًا مسيحيًا.

كان "جالينوس"، وهو طبيب من القرن الثاني الميلادي خدم الأسرة الإمبراطورية، يثني كثيرًا على الممارسات المسيحية الصحية مثل (الاعتدال في الطعام والشراب وكبح الشهوة الجنسية)، لكنه انتقد أيضًا منطقهم، خاصةً في قصة الخلق في سفر التكوين، وادعى "جالينوس" أنه من المستحيل الخلق من العدم، (ومن هنا جاءت الاعتقاد المسيحي اللاحق ضد "جالينوس" والمعروف باسم “creatio ex nihilo” أو "الخلق من العدم".)، وابتداءً من القرن الثاني الميلادي وصاعداً، كتب الأساقفة المسيحيون ردودًا على مثل هذه الانتقادات والتي أصبحت في النهاية لاهوتًا مسيحيًا.

نص آخر معروف باسم "أوكتافيوس" بقلم "مينوسيوس فيليكس" (حوالي 197 م)، غالبًا ما يُساء فهمه باعتباره جدلًا قياسيًا ضد المسيحية، فهو حوار بين صديقين يناقشان رأي الناس في المسيحيين، يحتوي النص على تهمة سيئة السمعة الآن وهي أن التنشئة المسيحية تنطوي على قيام المرشح بقتل طفل غير مسيحي وهو متنكر بالدقيق الأبيض، وفي نهاية الحفل، تقوم الكلاب المدربة بإنزال المصابيح ويقوم الجميع بالتحرش بأقرب جيرانهم في طقوس جنسية جماعية، ومع ذلك، فإن هذا النص كتبه مسيحي، على الأرجح في صيغة هجاء.

مفهوم الاستشهاد وعبادة القديسين

تمرد اليهود عام 167 ق.م، ضد الحاكم اليوناني "أنطيوخوس الرابع" الذي حظر العادات اليهودية، وفي سفر "المكابيين الثاني"، أثناء تعذيب الضحايا، ألقوا اخر خطبهم، لقد ضحوا بحياتهم عن طيب خاطر لأن الرب " فَسَيُقِيمُنَا لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ." ("anatasis" باليونانية، و"قيامة" بالإنجليزية)، وتم وضع مصطلح "الشهيد" (والذي يعني witness باليونانية)، وكانت مكافأة الاستشهاد هي الترجمة الفورية للحضور مع الرب في السماء، اعتمد المسيحيون هذا المفهوم لكل من مات في سبيل إيمانهم،

فعلى مر القرون ظهر تاريخ الشهداء وقصص معاناتهم وموتهم، وذلك القالب مأخوذ من آلام المسيح ومحنه، لم تقدم الحكومة الرومانية أي خدمات في زنزانات الاحتجاز، التي كانت رطبة ومظلمة ومليئة بالجرذان، فأحدث الجوع تغيرات فسيولوجية في الجسم، وكان السجين يقضي وقته في التفكير في الموت القادم، مما أدى إلى ظهور الرؤى، لعبت العديد من الرؤى كحلول لتسوية النزاعات المعاصرة في المجتمعات، علاوة على ذلك، قدم تاريخ الشهداء أيضًا تفاصيل عن معجزات هؤلاء الشهداء، فهناك قصص عن تشويه الأطراف لكنها تنمو من جديد، واستعادة البصر بعد العمى، وقصص الشهداء العذارى اللاتي كان يجب اغتصابهن قبل الإعدام لأن القانون الروماني كان يمنع إعدام العذراء، لكن الحراس لم يتمكنوا من اغتصابهم وظلوا عذاري حتي وفاتها.

Miracle of St. Mark by Tintoretto
معجزة القديس مرقس لتنتوريتو
Didier Descouens (CC BY-SA)

بعد تحول قسطنطين للمسيحية، كانت هناك فرص محدودة للاستشهاد التقليدي، وبعد أن أصبحت المسيحية الآن دينًا قانونيًا، بدأوا في بناء الكنائس واستولوا على البازيليكا البلدية، وهي في الأصل قاعات مدنية، في ثمانينيات القرن الثالث الميلادي، قام أسقف ميلانو، "أمبروز"، بحل مشكلة إنشاء هذه الأماكن المقدسة عن طريق نبش الهياكل العظمية لاثنين من الشهداء الأكبر سنًا من الجنود ووضعهما حرفيًا في جدران كنيسته الجديدة، تبدأ مخن هذه الفترة ظهور عبادة القديسين، واستعارة مفهوم الآلهة والأبطال، فأصبحت مقابر الشهداء تقاطعات بين السماء والأرض، سافر الحجاج إليها طلباً للصلاة و الشفاعة، بناءً على نفس مفهوم العلاقة بين الرعاة والعملاء، مما أدى إلى خلق القديسين الشفعاء في التقليد الكاثوليكي.

كان الابتكار في هذا النظام هو عبادة الذخائر، فأصبحت بقايا العظام (وأجزاء الجسم المختلفة) مقدسةً الأن وتلك الأشياء المقدسة يمكن أن تسهل العلاج بالمعجزة، صدم هذا الابتكار مرة أخرى كلاً من اليهود والأمم لأنه ينتهك مفهوم تدنيس الجثث، ومع ذلك، فإن تجارة الذخائر (معظمها مزيف) أصبحت شائنة للغاية في العصور الوسطى، حتى تم القضاء عليها خلال فترة الإصلاح البروتستانتي من قبل "مارتن لوثر" ضد الفاتيكان.

خاتمة

تعد نشأة المسيحية وانتصارها النهائي في أوروبا العصور الوسطى موضوعًا رئيسيًا يهم المؤرخين حاليًا، فكانت وجهة النظر التقليدية هي أن المسيحية تقدم نظامًا أخلاقيًا وعزاءً لعالم محروم روحياً، ومن الواضح أن هذا ليس صحيحاً، حيث كان القدماء أتقياء ومستيقظين روحياً مثل المسيحيين، استوعبت المسيحية هذه الثقافة ولكنها أضافت ابتكارات فريدة وقدمت معني جديدًا، وفي عالم لا يوجد فيه يقين بشأن الحياة الآخرة، قدمت المسيحية ضمانًا لدخول الشخص الجنة، فعندما تحول "قسطنطين الكبير"، كم من الناس رأوا أن رياح التغيير السياسي هي وسيلة عملية للبقاء على قيد الحياة والمضي قدمًا؟

قائمة المصادر والمراجع

موسوعة التاريخ العالمي هي إحدى شركات Amazon Associate وتحصل على عمولة على مشتريات الكتب المؤهلة.

نبذة عن المترجم

Mahmoud Ismael
مدرس تاريخ مهتم بترجمة المقالات والأبحاث التاريخية.

نبذة عن الكاتب

Rebecca Denova
الدكتورة ريبيكا آي. دينوفا، محاضرة بداول كامل في جامعة بيتسبرغ حيث تدرس المسيحية المبكرة في قسم الدرسات الدينية. وأنهت مؤخرا كتابها: "ديانات اليونان وروما" لدرا نشر (وايلي بلاكويل).

استشهد بهذا العمل

نمط APA

Denova, R. (2021, February 09). موقف روما من انتشار المسيحية [Rome's Response to the Spread of Christianity]. (M. Ismael, المترجم). World History Encyclopedia. تم استرجاعها من https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1671/

أسلوب شيكاغو

Denova, Rebecca. "موقف روما من انتشار المسيحية." تمت ترجمته بواسطة Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia. آخر تعديل February 09, 2021. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1671/.

أسلوب إم إل إيه

Denova, Rebecca. "موقف روما من انتشار المسيحية." تمت ترجمته بواسطة Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia. World History Encyclopedia, 09 Feb 2021. الويب. 28 May 2024.