يُمكنا فهم مصطلح "التاريخ" (من الكلمة اليونانية ἱστορία، التي تعني ”التعلم أو المعرفة عن طريق الاستفسار“)، وهو مصطلح يشير إلى الماضي عمومًا، ولكنه يُعرَّف عادةً بأنه دراسة الماضي من النقطة التي توفرت فيها مصادر مكتوبة فصاعدًا.
هناك عقبات تحول دون أن نتمتع برؤية واضحة تمامًا، ومتواصلة للماضي. أولًا، علينا أن نتذكر أن الجميع – ليس نحن فحسب، بل أيضًا الناس عبر التاريخ – يتشكلون حسب تربيتهم، والمجتمعات، والأزمنة، التي يعيشون فيها، وعلينا أن نحذر من إلصاق تسمياتنا وقيمنا على الحقب الماضية. ثانيًا، تتكون رؤيتنا للماضي من مجموع الأشياء التي نجت بطريقة ما من اختبار الزمن، وذلك بسبب الصدف والقرارات التي اتخذها أشخاص قبل عصرنا. لذلك، لا نحصل إلا على رؤية مجزأة ومشوهة؛ الأمر أشبه بمحاولة إكمال أُحْجِيَّة بها الكثير من القطع غريبة الشكل والمفقودة.
يتعين علينا لسد الفجوة في سياق الماضي الذي نرغب في دراسته، أن ندقق بعناية في مجموعة كبيرة من المصادر – وليس فقط المصادر المكتوبة – وأن نتجنب الوقوع في الأخطاء قدر الإمكان، ويقدم مجال علم الآثار، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا المجال، مساعدة لا تقدر بثمن في تحقيق ذلك، لذا سنناقش هذه المصادر هنا أيضًا.
كشف المصادر
المصادر هي طريقتنا في النظر إلى الماضي، ولكن الأنواع المختلفة منها لها مزاياها وصعوباتها. أول تمييز يجب القيام به هو بين المصادر الأولية والثانوية. المصدر الأولي هو مادة مباشرة تنبع (تقريبًا) من الحِقْبَة الزمنية التي يريد المرء دراستها، في حين أن المصدر الثانوي هو خطوة إضافية بعيدة عن تلك الحِقْبَة – عمل "غير مباشر" ناتج عن إعادة بناء وتفسير للماضي باستخدام المواد الأولية، مثل: الكتب المدرسية، والمقالات، وبالطبع المواقع الإلكترونية مثل موقعنا هذا.
المصادر الأولية
ومع ذلك، مهما كانت مصادر الماضي الفعلية رائعة، لا يمكننا ببساطة أن نفترض أن كلّما تخبرنا به (أو كلّما نعتقد أنها تخبرنا به) صحيح، أو أننا قادرون تلقائيًا على تفسير محتوياتها وسياقها بشكل صحيح؛ فهي من صنع البشر، من داخل سياقاتهم الخاصة. لذا، فإن الحفاظ على نَظْرَة نقدية وطرح الأسئلة هو السبيل الصحيح، ومن الجيد مقارنة مصادر مختلفة حول نفس الموضوع لمعرفة ما إذا كان هناك أي نوع من الإجماع.
هناك بعض الأسئلة العامة التي يجب أن تطرحها على أي نوع من المصادر:
- ما نوع المصدر؟ ما الذي يخبرنا به شكله؟ هل هو نقش محفور بدقة، أم قطعة فَخَّار غير مزخرفة ومستعملة بكثرة، أم رسالة مكتوبة بخط عشوائي على ورق رخيص؟
- من صنع المصدر؟ كيف جمعوا المعلومات اللازمة؟ هل كانوا شهود عِيان، أم اعتمدوا على البحث في مصادر أخرى أو على روايات أشخاص شهدوا الحدث؟ هل يمكن أن يكونوا متحيزين؟
- ما الهدف من صُنع المصدر؟ هل أراد صانعه سرد قصة حقيقية أم، على سبيل المثال، التأثير على الآخرين عن طريق الدعاية؟ ما مدى موثوقية ذلك؟
- ما السياق الذي صُنع فيه المصدر؟ من المفيد لفهم المصدر، معرفة بعض المعلومات عن المجتمع، والسياق المباشر الذي صُنع فيه. يختلف المصدر المسيحي الذي كُتب في وقت كانت فيه المسيحية لا تزل ديانة مضطهدة عن المصدر الذي كُتب بعد أن أصبحت المسيحية الديانة الرسمية. قارنه بمصادر أخرى من نفس الحِقْبَة/تتعلق بنفس الموضوع لمساعدتك في تقييم مدى موثوقية المصدر ومساعدتك في تفسير محتواه.
- ما محتوى المصدر، وكيف نفسره؟ ما الذي يخبرنا به، وما الذي لا يخبرنا به؟ ما حدوده؟ ما الأسئلة التي يمكن أن يجيب عليها هذا المصدر؟
إن المصادر المختلفة، مع ذلك، تنطوي على مزايا ومخاطر مختلفة؛ وسنناقش ذلك بمزيد من التفصيل أدناه.
المصادر المدونة
من أمثلة المصادر المكتوبة الأولية: الرسائل المعاصرة، وشهادات شهود العِيان، والوثائق الرسمية، والإعلانات والمراسيم السياسية، والنصوص الإدارية، والتاريخ، والسير الذاتية المكتوبة في الحِقْبَة قيد الدراسة.
المزايا: التفاصيل؛ الجانب الشخصي؛ السياق.
إن المستوى الفريد من التفاصيل الذي تقدمه المصادر المكتوبة عمومًا هو بمنزلة منجم ذهب واضح للمؤرخ الطموح، علاوة على ذلك، فإن قراءة مصدر مكتوب تميل إلى إخبارك بشيء عن المؤلف، والسياق الذي يُكتب فيه، وكذلك الموضوع الذي يهتم به.
يمكن أن تؤدي التفاصيل الواردة في بعض المصادر المكتوبة، إلى اكتشافات غير متوقعة، مثل: الحقيقة المذهلة أن الفينيقيين كانوا يبحرون فعلًا حول رأس الرجاء الصالح (جَنُوب أفريقيا) في قوارب مفتوحة منذ عام 600 ق.م. كتب هيرودوت، "أبو التاريخ"، في كتابه "تمحيص الأخبار" - وهو عمل يروي أحداث الحروب اليونانية الفارسية (499-479 ق.م) – أن:
"ولقد قدم هؤلاء البحارة عرضًا عن رحلتهم ولكنني لا أصدقه، وإن شاء آخرون أن يأخذوا به، ومفاده أنهم شقوا طريقهم في البحر غربًا، والشمس إلى يمينهم – شمالًا منهم. وهكذا كان مبدأ اكتشاف أن ليبيا (أفريقيا) محاطة بالمياه، وبهذه الطريقة اكتشفت مساحة ليبيا أول مرة." (هيرودوت – 4 -42).
كانت الشمس جَنُوب خط الاستواء، فعلًا على الجانب الأيمن من البحارة خلال إبحارهم غربًا حول الخليج – وهي تفصيلة لم يكن البحارة ليعرفوها لو لم يشهدوها بأنفسهم، لذا يبدو أنها صحيحة.
المخاطر: النقل؛ والموثوقية، والتحيز، والنوايا؛ والمعاصرة
العقبة الأولى التي تواجه المصادر المكتوبة هي نقلها؛ فالمواد مثل: البردي، والرق، والورق، لا تدوم إلى الأبد، لذا فإن المصادر التي أمامنا الآن عادة ما تكون قد نُسخت، ورُوجِعَت، وحُرّفت، بل وتُرجمت في مرحلة ما، وقد تتضمن أخطاء أو تغييرات متعمدة، وهذا يضع حاجزًا رفيعًا بيننا والنص الأصلي.
ثانيًا، قد لا يكون المؤلفون موثوقين، أو قد يكونوا متحيزين، أو قد تكون لديهم نوايا معينة، تهدد موضوعية المصدر، لسوء الحظ، التزوير ليس مستبعدًا تمامًا، كما يتضح بجلاء من (هبة قسطنطين). يمكن أن يساعد طرح الأسئلة التالية في استكشاف هذه القضايا:
- من صنع المصدر، وما هي خلفيته أو خلفيتها؟
لا يمكن إنكار أن الناس مرتبطون بخلفياتهم – تربيتهم، وأسرهم، والعصر الذي عاشوا فيه، وما إلى ذلك، وعلينا أن ندرس المصدر من داخل هذا الإطار.
- ماذا نعرف عن السياق الذي صُنع فيه المصدر؟
تؤثر عدة عوامل على محتوى المصدر مثل: القيم السائدة، والمدارس الفكرية، والدين، والوضع السياسي، والرقابة المحتملة، وكذلك ما إذا كان المصدر قد كُلِّف من قبل شخص ما أم لا؟ يمكن أن تساعد مقارنة المصدر بمصادر أخرى (من نفس النوع) من نفس الحِقْبَة أو تتعلق بنفس الموضوع في تحديد مدى موثوقيته، وتساعدك في تكوين صورة عما قد يكون حدث فعلًا.
- هل كان لدى المبدع هدف محدد أو جمهور محدد؟
تقدم الرسالة الشخصية التي تهدف إلى إعلان حب كاتبها لمتلقيها نوعًا مختلفًا من المعلومات عن تلك التي تقدمها الدعاية المكتوبة بهدف تعزيز مكانة الحاكم، بالطبع، قد لا يكون الهدف سهلًا للغاية.
ثالثًا، من المهم التحقق مما إذا كان المؤلف موجودًا فعلًا خلال الأحداث التي يكتب عنها. الأسئلة التي يجب طرحها هي:
- هل كان المؤلف معاصرًا و/أو شاهد عِيان؟
- إذا كان الجواب لا: من أين حصلوا على معلوماتهم، وما مدى موثوقية تلك المعلومات؟ قد تكون المعلومات مستمدة من وثائق أو شهود عِيان أو مصادر أخرى متاحة لهم.
- إذا كانت الإجابة بنعم: هل شاهدوا الحدث الذي يصفونه بأنفسهم؟ ما مدى دِقَّة ذاكرتهم؟ على سبيل المثال، كونك تعيش في نفس الحِقْبَة الزمنية التي عاشت فيها الإمبراطورة "وو من سونغ" الصينية لا يعني تلقائيًا أنك كنت في وضع يسمح لك برؤية الملابس التي كانت ترتديها في صباح يوم اثنين معين.
لم يكن هيرودوت، على سبيل المثال، شاهد عِيان بنفسه، بالرغم من أنه كان عادةً ذو عقل نقدي لائق، إلا أنه كان أحيانًا يخطئ في تقييمه لمصادره - فالشخص الذي أقنعه بأن الأرجل الخلفية للإبل لها أربعة عظام فخذ وأربعة مفاصل ركبة لا بد أنه كان سعيدًا جدًا. (هيرودوت – 3 -103)، علاوة على ذلك، عندما تسجل خطب كاملة حرفيًا، لا بد أن يتساءل المرء عن مدى معقولية أن شاهد عِيان، تذكر كل شيء، في بعض الأحيان لفترة طويلة من الزمن، وثانيًا، أن المؤلف قد سجل الخطاب بِرُمَّته تمامًا كما روى الشاهد، دون صِيَاغَته ليلائم روايته المطلوبة.
علم النقوش
يشير علم النقوش إلى دراسة النقوش المحفورة على أسطح مختلفة مثل: الحجر، والمعدن، والخشب، والألواح الطينية، أو حتى الشمع، التي قد تختلف اختلافًا كبيرًا في الطول من مجرد كلمات مختصرة، وألواح إدارية إلى تصوير مراسيم رسمية كاملة.
المزايا: عادة ما تكون متينة؛ ومرئية
عادةً ما تكون النقوش متينة جدًا بسبب طبيعة المواد المستخدمة في صنعها، بالرغم من أن تعرض النقش للعوامل الجوية قد يؤثر قليلًا على متانته، وغالبًا ما كان الهدف من النقوش أن تكون مرئية للجمهور، بحيث تلفت الأنظار مثل: لافتة نيون كبيرة، ويُشارك محتواها مع أكبر عدد ممكن من الناس.
المخاطر: الجَمهور؛ المبدعون؛ النوايا
إن هذه الطبيعة العامة مع ذلك، وفي كثير من الأحيان لا تعني أنه ينبغي قَبُول النقوش - دون تفكير - على أنها تظهر الحقيقة الدقيقة، فقد كان لها مؤلفون أو مفوضون لديهم أغراض معينة؛ ففي بعض الأحيان، يتبين أن النقوش مزورة، أو نُقلت ولم تعد في مواقعها الأصلية. الأمور التي يجب مراعاتها هي:
- من صنع أو طلب بصنع النقش؟
هل هي، على سبيل المثال، أم وحيدة نقشت عبارة معقدة، ومبالغ فيها، وعاطفية على شاهد قبر ابنها الصغير، ليراها المارة، أم أنها إعلان من حاكم يربط نفسه بمهارة بقوة إلهية؟
- ما الهدف من النقش؟
ربما صُنع لإعلام الجمهور أو لتسجيل الأحداث أو للتبجيل أو للتأثير على الرأي العام.
- هل يمكن تحديد تاريخها (عن طريق عناصر مثل: السياق، أو النصب التذكاري، أو اللغة)، وهل يتطابق التاريخ مع محتوى النقش؟
يعد البانثيون في روما، من الأمثلة الجيدة على الطبيعة المضللة أحيانًا للنقوش، فهو مبنى يثير الغضب أحيانًا عند النظر إليه عن قرب مع مجموعات السياح بصحبة مرشدين لا يعرفون القصة كاملة. تنص النقوش على ما يلي:
(م)اركوس (أ)غريبا (بن) ل(وسيوس) (ال) ق(نصل) ثلاث مرات، صنع هذا (ماركوس أغريبا بن لوسيوس، القنصل لثلاث مرات، صنع هذا).
يتبين بعد فك رموز هذا النص – أن الاختصارات هي اختصارات موحدة تستخدم بشكل روتيني في نقوش روما القديمة – يمكن الاستنتاج أن المبنى شُيِّد على يد ماركوس أغريبا، الذراع الأيمن للإمبراطور أغسطس، ومع ذلك، خُتِم الطوب المستخدم في بناء المبنى بأسماء القناصل الذين كانوا في مناصبهم وقت صنعه، مما سمح لنا بتأريخه إلى ما بعد أغريبا بحوالي قرن ونصف، ليكون بدلًا من ذلك في الجزء الأول من عهد الإمبراطور هادريان، على الأرجح بين (117-126-8 م). أراد هذا الرجل الطيب تكريم مبنى سابق في نفس الموقع، كان قد بناه أغريبا حوالي عام 25 ق.م، وقرر وضع نقش أغريبا على سطحه الجديد، لذلك، هناك ما هو أكثر مما تراه العين.
المستوطنات والمباني والآثار
الفوائد: مصممة لتدوم؛ تشير إلى بنية المجتمعات
تتجلى الحياة اليومية للناس، من خلال بقايا منازلهم، والمباني التي كانوا يستخدمونها، مثل: المحاكم، والمخابز، والمدارس. يمكن أن تكشف النصب التذكارية، التي لا تقتصر عادة على عرض النقوش على جمهورها، عن الرسائل التي كان صانعوها الأقوياء يصرخون بها إلى العالم عن طريق هندستها المعمارية، وصورها، وعلى هذا، يمكن استخدامها لإعادة بناء بنية المجتمعات.
المخاطر: لا يُحافظ عليها دائمًا بشكل جيد؛ استنتاج المعنى؛ الدعاية
تختلف بالطبع، المتانة الفعلية بشكل كبير، وأحيانًا لا يتبقى سوى الأساسات، لذا يجب أن نسأل:
- كيف يمكننا إعادة بناء البقايا بدقة (ماديًا أو ورقيًا)؟
أصبح علماء الآثار بارعين في "قراءة" القطع المتبقية؛ ومقارنة البقايا مع غيرها من القطع التي قد تكون محفوظة بشكل أفضل، أو مع المصادر الأولية التي تصف الهيكل؛ وإعادة بناء ما هو في الأساس لغز ثلاثي الأبعاد معقد للغاية، إما ورقيًا، أو عن طريق ترميم البقايا المعنية فعليًا، قد تكون القطع والأجزاء نُقلت، أو دُمرت، أو حُرّكت، أو سقطت وما إلى ذلك، لذا من المهم أن نضع في اعتبارنا أن عملية حل اللغز قد تتطلب بعض التخمينات وقد تؤدي إلى ارتكاب أخطاء.
- ما وظيفة هذا البناء؟
- كيف نفسر ما قد يخبرنا به عن ثقافة ما؟
يضم موقع بالينكي على سبيل المثال، - وهي من مدن حضارة المايا المهمة تقع في المكسيك الحالية - مجموعة من المعابد التي تندرج تحت سياق الدعاية والرمزية؛ حيث شُيدت معابد الصليب، والصليب المُوَرَّق، والشمس، التي كُرست في عام 692 م، بتكليف من الملك "كان بلعام". توضح منحوتاتهم، ونقوشهم عَلاقة الملك بالآلهة: فهو يُصور على أنه حامي الخصوبة، والذرة، والمطر.
شرعن "كان بلعام"، حكمه عن طريق تصوير نسبه وكذلك مشهد تلقيه سلطته من أسلافه، من الناحية العملية، كانت هذه المعابد مراكز احتفالية مهمة أيضًا، يرتبط الجانب السياسي بشكل واضح بالسياق الشعائري في هذا الموقع - وهو أمر يتناسب جيدًا مع السياق الثقافي الأوسع للمايا - وكمصدر، يجب تفسيره ضمن هذا الإطار.
القطع الأثرية
الفوائد: الحياة اليومية؛ الاستخدام؛ المجتمع والثقافة.
المخاطر: استنتاج المعنى؛ استنتاج أدلة عن المجتمع.
القطع الأثرية هي أشياء من صنع الإنسان ذات أهمية أثرية، وغالبًا ما تكون من سياق ثقافي، ومن أمثلة ذلك: الفَخَّار، والأواني، والأدوات، والمجوهرات، التي يمكن أن تطلعنا على الحياة اليومية، والأسلوب، والثقافة؛ والفن - بما في ذلك التماثيل - الذي يمكن أن يكون عامًا أو خاصًا، ويعكس المجتمع بطريقة ما؛ والعملات المعدنية، التي هي أكثر سياسية - وغالبًا ما تكون موحدة، وتعلن رسالة مرئية تميل إلى أن تكون دعاية لتعزيز صورة الحاكم. يجب أن نسأل عن كل قطعة أثرية:
- ما استخدامها أو الغرض منه؟
- ماذا يمكن أن تخبرنا عن بنية المجتمع وثقافته؟
ومن الأمثلة على ذلك "فخاريات بنتشونغ الكورية" التي تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وهي أواني خزفية عملية الاستخدام ذات لون أزرق مخضر مع طبقة بيضاء، وعادة ما تكون مزينة بمزيج من الأشكال الهندسية والطبيعية مثل: نبتة الفاونيا ، والطيور، والأسماك، معززة بنقاط، وهي مثيرة للاهتمام ليس فقط بسبب سياقها المنزلي والضوء الذي تلقيه على الحياة اليومية، ولكن أيضًا لأنها كانت تنتجها مصانع فَخَّار لا تخضع لسيطرة الدولة - على عكس أنواع أخرى من الفَخَّار الكوري، وهذا يعني أن الأواني بنتشونغ تظهر الكثير من النكهة الإقليمية والتنوع غير التقليدي، فضلًا عن إظهار تفضيلات الأشخاص الذين طلبوا هذه الأواني، وهذا يساعدنا في إضفاء اللون على حياة ومنازل الكوريين العاديين الذين عاشوا في ذلك الوقت.
العظام
الفوائد: التشكل؛ الصحة، والأدلة ذات الصلة؛ ملء الفراغات؛ الأدلة الجينية
توفر دراسة العظام أدلة حول الصحة، والجنس، والعمر، والحجم، والنظام الغذائي، وما إلى ذلك، كما أنه من الممكن استخراج الحمض النووي القديم، بالرغم صعوبة ذلك. يساعد السياق الذي عُثر فيه على العظام، والحقبة الزمنية التي تعود إليها في استكمال المعلومات المتعلقة بمجتمعاتها، وهذا أمر مهم فعلًا في دعم المصادر التاريخية، حيث إن المقابر الجماعية لضحايا الطاعون الأسود، على سبيل المثال، تدعم الصورة التي رسمتها السجلات المكتوبة، ولكن بالنسبة للجانب ما قبل التاريخي من الأمور، فإن العظام لا غنى عنها حقًا في مساعدتنا على ملء الفراغات.
لا توجد لدينا مصادر مكتوبة بالنسبة لأماكن مثل أستراليا، عن اقتحام الغربيين لها بوحشية في عام 1788 م. هنا، يمكن أن تنبهنا العظام إلى وجود الإنسان في العصور ما قبل التاريخ في مناطق معينة، على سبيل المثال، عن طريق تتبع العظام التي عُثر عليها في مواقع مثل: مالاكونانجا 2 في الإقليم الشمالي لأستراليا، التي يرجع تاريخها إلى حوالي 53000 عام، ومقابر بحيرة مونغو الشهيرة في جَنُوب أستراليا التي يرجع تاريخها إلى حوالي 41000 عام، يمكننا استكمال استعمار أستراليا في بداياته.
المخاطر: التأريخ؛ سياق التفسير.
إن تحديد عمر العظام مع ذلك، ليس دائمًا أمرًا سهلًا، ومن الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار ما يلي:
- هل التواريخ دقيقة من الناحية العلمية و/أو الأثرية؟ هل من الممكن أن يكون هناك تلوث، أو أن الرواسب تحركت، أو أن العظام نُقلت؟
- كيف ينبغي تفسير السياق الذي عُثر فيه على العظام؟ ماذا يخبرك السياق عن العظام نفسها؟
المصادر الثانوية
قد نميل إلى الاعتقاد بأن المصادر الثانوية هي نوع من الملاذ الآمن، بعد المتاهة التي تمثلها المصادر الأولية، حيث أخذ الباحثون المتمرسون جميع القضايا المذكورة أعلاه في الاعتبار ووصلوا فعلًا إلى أقرب ما يمكن من التاريخ الفعلي.
قد يكون هذا رغمًا عن ذلك، سذاجة بعض الشيء؛ فالأشخاص الذين يكتبون المواد الثانوية مرتبطون بسياقاتهم الخاصة تمامًا مثل القدماء الذين يدرسونهم، مرة أخرى، يجب أن نكون حذرين من التحيز والأهداف المحتملة، وكذلك من مدى الدقة - فمن السهل جدًا استخلاص استنتاجات تدعم فرضيتك، فحتى لو بدا المصدر الثانوي موثوقًا لأنه يوضح لك المصادر التي استخدمها، أو ويبدو أنه يستخلص استنتاجات منطقية منها، فيمكن أن يكون المؤلف قد اختار بعناية المصادر التي تدعم روايته، بدلًا من تقديمها بشكل محايد، لمنع التضليل، من المهم دائمًا دراسة أكثر من مصدر ثانوي واحد. قارن بين الكتب والمقالات المختلفة حول الموضوع الذي تبحث فيه، وبعد تقييم موثوقية كل مصدر ونقاط قوته وضعفه، حاول الحصول على رؤية كاملة قدر الإمكان للموضوع.
يفيدنا طرح الأسئلة التالية، عند استخدام المصادر الثانوية:
- هل تلقى المؤلف تدريبًا في المجال المناسب، وهل يتمتع بسمعة طيبة في الأوساط الأكاديمية؟
قراءة التعليقات يمكن أن تكون مفيدة جدًا في هذا الصدد.
- أين نُشر المصدر وهل يمكن أن يؤثر ذلك على المحتوى بأي شكل من الأشكال؟
كانت دراستي للتاريخ في هولندا مليئة بالعديد من الكتب المدرسية ذات الطابع الغربي، التي للأسف لم تكن توفر الكثير من المعرفة (أو حتى الاهتمام) فيمَا يتعلق بمناطق أخرى من العالم، ثم إن بعض المجلات تتمتع بسمعة أفضل من غيرها عندما يتعلق الأمر بالمقالات.
- متى نُشر المصدر؟
الزمن يتغير. قد لا يكون الكتاب المدرسي الذي كتب في ستينيات القرن العشرين متاحًا لجميع المعلومات التي لدينا الآن، وقد يكون متأثرًا بالأفكار السائدة في ذلك الوقت حول كيفية دراسة التاريخ.
- ما نطاق المصدر؟
يقدم التاريخ الاجتماعي صورة مختلفة عن التاريخ العسكري، لذا تأكد من اختيار المصادر التي تتوافق مع الأسئلة التي تريد الإجابة عليها بنفسك.
- ما المصادر التي استخدمها المؤلف وما مدى نقده لها؟
من المهم أن يوثق المؤلف استخدامه للمصادر، حتى تتمكن من فحصها بنفسك إذا لزم الأمر. انتبه إلى الاستخدام الانتقائي للمصادر؛ لا ينبغي للمؤلف أن يختار فقط المصادر التي تتناسب مع فرضيته، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار مجموعة كاملة من المعلومات الأولية.
تتنوع المواد التي يمكن الاستفسار عنها، على سبيل المثال: من الكتب المدرسية، وكتب الدورات الدراسية إلى الكتب المستقلة والمقالات (بما في ذلك المقالات العلمية التي قد يصعب على غير العلماء الحكم على دقتها) والمواقع الإلكترونية – ولكن تحقق من اختيار تلك التي تعرض قوائم المصادر وأسماء المؤلفين، فطالمَا حافظت على روح النقد، فهناك ثروة من المعلومات تحت تصرفك.

