العقد الاجتماعي

تعريف

Mark Cartwright
بواسطة ، تمت ترجمته بواسطة عبد المجيد الشهاوي
نُشر في 02 February 2024
X
translations icon
متوفر بلغات أخرى: الإنجليزية, الفرنسية
Declaration of Independence by Trumbull (by John Trumbull, Public Domain)
إعلان الاستقلال من قبل ترامبل
John Trumbull (Public Domain)

العقد الاجتماعي هو مجرد فكرة فلسفية مفادها أن البشر عند نقطة ما حقيقية أو مفترضة في الماضي غادروا حالة الطبيعة للعيش معاً وتكوين مجتمعات عبر الاتفاق فيما بينهم على ما سيتمتعون به من حقوق والطريقة التي سيتم بها حُكمهم. وكان الهدف من العقد الاجتماعي هو تحسين وضع البشر عبر إنشاء سُلطة أساسها التراضي تَحمي حقوقاً معينة وتُعاقب من يعتدون على حقوق الآخرين. ورغم إنكار بعض الفلاسفة لإمكانية أن يكون حدثاً من هذا النوع قد وقع أبداً، إلا أن الفكرة بحد ذاتها كانت جذّابة لبعض المفكرين، بخاصة خلال عصر التنوير، كطريقة لتبرير مشاركة المواطنين وإبراز مميزات أحد أنواع الحكم على الآخر.

حالة الطبيعة

تنطوي فكرة ائتلاف المواطنين معاً لتشكيل عقد اجتماعي على تَقَصيّ في الطبيعة البشرية ونوع الحالة التي كان عليها الناس قبل الدخول في هكذا اتفاق. هذه الحالة السابقة على نشأة المجتمع تُسمى في الغالب حالة الطبيعة. وينشأ العقد الاجتماعي حين يقرر الناس مغادرة حالة الطبيعة وحكم أنفسهم مع التقيد بقواعد معينة، التي تضمن حقوقاً معينة. وقد يضطر المواطنون إلى التخلي عن حريات فردية معينة حتى يتسنى لهم التمتع بحريات أخرى والأمن الشخصي.

مع أن هذه الفكرة قد راودت خيال الفلاسفة منذ القِدَم، غير أن ثلاثة مفكرين من عصر التنوير على وجه الخصوص هم الذين صنعوا من حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي فكرتين أصيلتين في فلسفتهم: توماس هوبز (1588-1679)، وجون لوك (1632-1704)، وجان جاك روسو (1712-1778). وربما هذه الأفكار لم تعرف طريقها إلى التحقق في الممارسة أبداً، لكن تظل حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي من المفاهيم المفيدة لتسهيل النقاش حول ما ينبغي أن يحتفظ به المواطنون من حقوق في المجتمع السياسي المعاصر وكيف ينبغي على الحكومات حماية تلك الحقوق. كما أن الأفكار حول حالة الطبيعة تُثري أيضاً النقاش حول الطبيعة البشرية، الذي يُفيد بدوره في التعرف على نوع الحكم الأكثر ملائمة لها.

فالحقوق التي تمتع بها المرء في حالة الطبيعة يجب أن تُحفظ له في العقد الاجتماعي ولا يمكن أبداً سحبها منه.

العقد الاجتماعي لهوبز

بالنسبة لهوبز، لا يكترث البشر في حالة الطبيعة سوى بشيء واحد فقط، حفظ أنفسهم. ولما كان هناك، حسب هوبز، خوف أبدي من أن يوقع شخص ما آخر الأذى بالمرء، كان لزاماً على الناس استباق ذلك بإيقاع الأذى أولاً بالآخرين. وتؤدي هذه النزعة إلى حالة من الاحتراب الدائم أو ما يُسميها هوبز بدقة أكبر التهديد الأبدي بالعنف. هذه النظرة المتشائمة للبشر في حالة الطبيعة تُلخصها العبارة الشهيرة: "حياة الإنسان [كانت] انعزالية وفقيرة وقذرة ووحشية وقصيرة" (ليفياثان، الفصل 13). عندئذٍ اضطر البشر إلى التجمع معاً وتكوين مجتمعات لتفادي هذا المصير المروع. اتفق المواطنون على إبرام ’ميثاق‘ فيما بينهم (ليس بينهم وبين حكومة، وهي فكرة مختلفة). وتنازلوا بموجبه عن حريتهم المطلقة في حالة الطبيعة بهدف اكتساب حماية أكبر. لذلك تعين على الناس التخلي للدولة عن إرادتهم الحرة.

Leviathan Frontispiece
غلاف برسم ليفياثان
Abraham Bosse (Public Domain)

اعتقد هوبز أن المصلحة الذاتية الجامحة لدى البشر كانت تستلزم سلطة سياسية بالغة القوة، التي أسماها ليفياثان (على اسم وحش البحر في سفر أيوب في الكتاب المقدس) وكان عنوان أشهر أعماله، المنشور في عام 1651. هذه السلطة الأعظم، التي تصورها هوبز كملك مطلق الصلاحيات، ستعمل على تحقيق أفضل مصالح الكافة وتضمن اتباع الجميع لقواعد المجتمع. وقد رأى هوبز أن النظام الملكي أفضل من القائم على الأرستقراطية أو الديمقراطية. غير أن هوبز يَحْصُر صلاحيات ذو السيادة على الأمور السياسية والقانونية لأنه لا يُحبذ إقحام الحكام لأنفسهم في مسائل أخرى مثل الفنون. هناك، إذن، حتى بالنسبة لهوبز، أمل في أن يتمكن البشر من العيش معاً في سلام نسبي، تحديداً لأن البديل هو الاحتراب المميت في حالة الطبيعة.

لم يصدق فلاسفة من أمثال ديفيد هيوم بوجود ما يسمى حالة الطبيعة أو العقد الاجتماعي قط.

يقول المنتقدون لهوبز أن نظرته للطبيعة البشرية مفرطة في التشاؤم وأن حالة الطبيعة ليست بالسوء الذي يدعيه، وهو ما يعني أن هناك التزام أكبر بكثير يقع على عاتق المؤسسات السياسية لتوفير مجتمع أكثر إنصافاً وأمناً للعيش فيه، التزام أكبر ربما مما قَدَّره هوبز . ويقول آخرون أن الأمر برمته محض خيال على أية حال. ولا يزال يشكك آخرون في أنه لو كان البشر بهذا القدر الذي يدعيه هوبز من الانشغال بمصالحهم الذاتية، فهل كانوا حينئذٍ سيكترثون قط لإبرام عقد اجتماعي والتنازل طواعية عن بعض من حقوقهم؟ من جهته، يَدْفع هوبز بأن بعض الحقوق لا يتم التنازل عنها أبداً إلى ذو السيادة، على سبيل المثال يستطيع المواطنون رفض الامتثال لأوامر ذو السيادة إذا ما طالبهم بإيقاع الأذى البدني بأنفسهم أو تقديم شهادة ضد أنفسهم في ساحات القضاء. كذلك لم تَرُق للأرستقراطيين فكرة هوبز عن العقد الاجتماعي بالنظر إلى أنه وضع الجميع على قدم المساواة فيما يتعلق بحقوق مولدهم. وثَمَّة مجموعة منتقدة أخرى كانت المسيحيين الذين لم يرضيهم إصرار هوبز على أن المؤسسات الدينية ما كانت تمتلك الحق للتدخل في السياسة. وأخيراً، احتج أحد الفلاسفة المرموقين بأن الحياة بالنسبة للبعض تحت حاكم مُستبد، تحديداً بالنسبة لمجموعة أقلية، لم تكن تمثل تحسيناً على معيشتهم في كنف حالة الطبيعة. هذا المنتقد هو جون لوك.

العقد الاجتماعي لجون لوك

في عام 1689، نشر الفيلسوف الإنجليزي جون لوك ’رسالتان في الحُكْم‘، عرض فيهما فكرة أن البشر، في حالة الطبيعة، كانوا قادرين على العمل معاً باتباع القانون الكوني "لا ينبغي لأحد أن يؤذي آخر في حياته أو صحته أو حريته أو مقتنياته" (نقلا عن بوبكين، 77). ورغم اهتمام البشر بمصالحهم الذاتية، اعتقد لوك أن لدينا رادعاً ذاتياً طبيعياً. كما أننا نحتكم أيضاً إلى العقل لكي نضمن لكل واحد منا نصيباً من الخير العام. واختلف لوك مع قول هوبز أن الناس في حالة الطبيعة لم ينعموا بأي حقوق في ممتلكات، وهو ما يجعلهم حريصون على حماية هذا الحق في العقد الاجتماعي. إن الاعتداء على ممتلكات الشخص أو الانتقاص منها أو مصادرتها كان يعادل الاعتداء على ذلك الشخص ذاته، وهو ما جعل لوك يُدرج أيضاً الحق في الحياة والحرية الشخصية ضمن المصطلح الجامع ’ممتلكات‘. فالحقوق التي تمتع بها المرء في حالة الطبيعة يجب أن تُحفظ له في العقد الاجتماعي ولا يمكن أبداً سحبها منه (ما لم يقتضي الصالح العام ذلك). وبما أن كل شخص يتمتع بحقوق مساوية في حالة الطبيعة، فقد وجب أن يتمتع كل شخص بحقوق مساوية داخل المجتمع السياسي.

Title Page of Two Treatises of Government
صفحة عنوان ’رسالتان في الحكم‘
Unknown Photographer (Public Domain)

بالنسبة للوك، لأن الناس يُنشئون طواعية عقداً اجتماعياً، تصبح وظيفة الحكومة هي أن تخدم هؤلاء الناس وليس نفسها. فالناس ينشئون الحكومات وبرضاهم لحماية حقوقهم. بالتالي يصبح الأفراد أكثر أهمية من المؤسسات. ولم يشترط لوك إنشاء حكومة قوية كالتي اشترطها هوبز . بل رأى أن ’الناس‘ يجب أن يُحكموا لسبب بسيط هو أن ذلك هو السبيل الأقل ترجيحاً بكثير لأن يُفضي إلى حكم سلطوي واستبدادي مقارنة بحكومة تخضع لملك منفرد أو مجموعة نخبة صغيرة. إن أي حكومة لا تؤدي وظيفتها يمكن بمشروعية الإطاحة بها وتحرير عقد اجتماعي جديد. ولتفادي الخطر الحقيقي لأن تصبح الحكومات استبدادية، ينبغي أن يوجد فصل للسلطة بين التنفيذي (الملك)، التشريعي (غرفتي البرلمان العليا والدنيا)، والاتحادي (الذي يتعامل مع السياسة الخارجية). وثَمَّة فرع رابع، القضاء، حيث يَلقى كل من يخالف القانون جزائه. ينبغي على الحكومة تشجيع السلوك الخَيِّر في مواطنيها من خلال التعليم وإثابة النزوع الطبيعي لدى الناس نحو فعل الخير. وينادي لوك بالاعتدال في الآراء الدينية (باستثناء بالنسبة للكاثوليكيين لأنهم يدينون بالولاء لسلطة أجنبية، البابا) لأن هذه الأمور لا تمت بصلة لدور المرء كمواطن.

لقد تركت معظم أفكار لوك تأثيراً قوياً على الآباء المؤسسين لدستور الولايات المتحدة الأمريكية، لكن ذلك لم يمنع من أن يُلاقي عمله بعض الانتقادات بجانب ما تم توجيهه ضد هوبز، أن حالة الطبيعة والعقد الاجتماعي هي مجرد أفكار من صنع الخيال. كما أن نظام لوك لا يزال لا يوفر الحماية المطلوبة للأقليات، الذي يعني أن حالهم قد يظل بنفس السوء مثلما كان في حالة الطبيعة. وفيما يتعلق بالحقوق، لفت بعض المفكرين إلى أن العلاقة بين الحقوق والصالح العام غير واضحة. وأنها أحياناً لابد أن تتعارض (مثلاً، حقي في امتلاك سلاح خطير قد أُسِيء استعماله لاحقاً للتعدي على حق الملكية لشخص آخر)، وهكذا تصبح بعض الحقوق غير مطلقة بل مُقيدة بشروط. ومن الآن فصاعداً سينصب الجدل على ما هي بالضبط هذه الشروط التي تُقيد بعض الحقوق؟

العقد الاجتماعي لروسو

في ’الخطاب الثاني‘، المنشور في عام 1755، استقصى جان جاك روسو في منابع اللامساواة الجلية داخل المجتمع. واعتبر أن حالة الطبيعة تُعبر عن وضع بدائي تماماً، مكان حيث لم توجد أشياء مثل حيازة ممتلكات وكبرياء وحسد وضغائن، لأن هذه الأشياء لم تصل البشرية إلا عندما بدأت تُشكل مجتمعات. وافترض أن البشر في حالة الطبيعة كانوا أحراراً، متساوون، ولديهم غريزتين أساسيتين: حِس فطري لحفظ النفس وشفقة نحو الآخرين. وعندما ائتلف البشر معاً في مجتمعات أكثر تعقيداً، عندئذٍ تراجعت معدلات وفياتهم. وبدأ يتملكهم السعي وراء المصلحة الذاتية وجمع الثروة. ومن ثَّم كان المجتمع بطبيعته فاسد وطبقي ومُفلس أخلاقياً. والبشر المتمدنون غير سعداء وأنانيون وغير أحرار. كل هذا يرسم صورة أكثر قتامة للبشرية.

مع ذلك لم يوصد روسو باب الأمل. وضَمَّنَ كتابه ’العقد الاجتماعي‘، المنشور في عام 1762، خططاً لمجتمع أكثر إنصافاً. في هذا المجتمع المثالي، كما تخيله روسو، لا ينبغي لأحد قط أن يبيع نفسه، ولا ينبغي لشخص ثري قط أن يُسمح له بشراء شخص آخر. ما يشغل حكومته المثالية هو الحد من تجاوزات اللامساواة (وهو يُقر باستحالة تحقيق المساواة المطلقة). يجب أن يعيش الناس في مجتمع قائم على التراضي ويبرمون عقداً اجتماعياً فيما بينهم، بهدف نهائي أن يكون ذلك المجتمع هو الخير العام.

Jean-Jacques Rousseau, 1766
جان جاك روسو، 1766
Allan Ramsay (Public Domain)

يعتقد روسو أن الحكومة الأرستقراطية، أو بدقة أكبر، النخبوية (لأنه لا يقبل بطبقة النبلاء الوراثية) أفضل من الملكية (التي يمكن أن تصبح استبدادية) أو الديمقراطية (التي لا تستقر على حال بسبب تناحر الأحزاب). فالحكومة المثالية لدى روسو ليست نيابية، لأنه يعتقد أن من يحكمون ينبغي انتخابهم لكن للاضطلاع فقط بالمهام الإدارية، كوظيفتهم الأساسية. بينما الإرادة العامة هي التي تختار (بطريقة ما لم يوضحها) ما هو الأفضل للدولة ككل، وكل ما على الحكام فعله هو وضع هذه الإرادة العامة موضع التنفيذ. بهذه الطريقة يفصل روسو السيادة عن الحكم.

هكذا تُشكل فكرة الإرادة العامة أهمية حاسمة للعقد الاجتماعي لروسو. فالقوانين والحكومة القوية مطلوبة لإرشاد الإرادة العامة للناس حين قد تَضلُ السبيل خلافاً لذلك. بالنسبة لروسو، تُعبر الإرادة العامة عن محصلة توافق حيث يُضحي الأفراد بحرياتهم الشخصية الكاملة لتحقيق تالي أفضل خيار: ارتضاء قيد على الحرية الشخصية بهدف تفادي وضع لا توجد فيه حرية شخصية على الإطلاق. فالإرادة العامة، إذن، ليست مجرد مجموع إرادة كل فرد، بل هي أفضل مصالح المجتمع ككل. على سبيل المثال، إذا سُئلوا ما هي النسبة الضريبية التي قد يودون دفعها، قد يختار معظم الناس أقل نسبة ممكنة، حتى 0%. غير أن هذه النسبة قد تجعل من المستحيل على الدولة القيام بعملها، ولذلك تكون الإرادة العامة في هذه الحالة هي تنفيذ أفضل نسبة ضريبية لتمكين الدولة من تقديم الخدمات المطلوبة. بالنسبة لروسو، النتيجة المنطقية لهذه المقاربة هي أنه أينما وجدت الإرادة العامة، كان القرار الصائب. لكن بسبب هذه المعصومية، كما ذهب بعض المنتقدين، اكتسبت حكومة روسو سلطة هائلة بالنظر إلى تمكين الدولة، في المحصلة، من إجبار الناس على أن يكونوا أحراراً. من جانبه، يوضح روسو أن الأمر ليس بهذا السوء، بل إن ما يقع فعلاً هو أن الدولة تُعَلِّم مواطنيها كيف يضبطون أنفسهم، ومن ثم يصبحون أحراراً. ثم تضطلع الحكومة بوظيفتها الثانية، المتمثلة في تعليم الناس الحد من نزوعهم للتصرف بدافع المصلحة الذاتية.

وثَّمَة وظيفة ثالثة للحكومة هي حماية الممتلكات، التي يعتبرها روسو إحدى النواتج المؤسفة لنشأة المجتمع. فالممتلكات، التي ربما اكتُسبت بطريقة غير مشروعة في حالة الطبيعة، تحظى الآن بحماية القانون. وقد رأى روسو في ذلك غُبناً على هؤلاء من غير ذوي ممتلكات، ومن ثم يصبح العقد الاجتماعي أكثر فائدة بكثير للعناصر الثرية في المجتمع. مثل لوك، يقول روسو إنه في حال تعرض المواطنين لغُبن لا يُطاق، عندئذٍ يحق لهم الإطاحة بحكومتهم بالنظر إلى مخالفتها للعقد الاجتماعي. فالعقد الاجتماعي، إذن، بعيد عن الكمال، لكن هناك فلاسفة آخرون كانت لهم اعتراضات أكثر جدية بكثير على فكرة هكذا عقد بحد ذاتها.

الإرث والانتقادات

لقد ترك النقاش الفلسفي حول ما كان يتمتع به الناس من حقوق في حالة الطبيعة أثره على الأفكار حول أي من تلك الحقوق ينبغي على الحكومات حمايتها، كما قد رأينا. ولم يقتصر ذلك على الناحية النظرية فقط بل شمل الممارسة كذلك. وقد قدمت الولايات المتحدة الأمريكية المثال الأوضح حين أعلنت المستعمرات البريطانية الثلاثة عشر استقلالها وحررت دستورها الخاص والجديد بالكلية في عام 1789. كانت العديد من الأفكار المُضَمَّنة في هذا الدستور، وفي وثيقة الحقوق كذلك، مستوحاة من تلك الأفكار حول الحرية الشخصية والسعادة كما عرضها مفكرون من أمثل هوبز ولوك وروسو. وتأثرت بهذه الأفكار الجديدة حول العقد الاجتماعي والحكم عبر التراضي مجموعة أخرى من الثوريين كان على رأسهم متمردو الثورة الفرنسية (1789-1799). واستمر تأثير نظرية العقد الاجتماعي جلياً على النظرية السياسية الليبرالية والمحافظة على حد سواء.

Declaration of the Rights of Man and of the Citizen, 1789
إعلان حقوق الإنسان والمواطن، 1789
Jean-Jacques-François Le Barbier (Public Domain)

لكن ذلك لم يَحُل دون تعرض فكرة العقد الاجتماعي لانتقادات جادة. إذ لم يصدق فلاسفة من أمثال ديفيد هيوم (1711-1776) وجيريمي بينثام (1747-1832) بوجود ما يسمى حالة الطبيعة أو العقد الاجتماعي قط. وعن ذلك قال هيوم:

تقريباً كل الحكومات القائمة في الوقت الحاضر، أو التي يبقى لها أي أثر في سجل التاريخ، قد تأسست في الأصل، إما على أساس النهب أو الغزو، أو كليهما، دون أي ادعاء بتراضي مُنصف أو خضوع طوعي من جانب الناس. (جوتليب، 130)

وكان هناك مفكرون آخرون من أمثال فولتير (1694-1778)، ومونتسكيو (1689-1757)، وجيامباتيستا فيكو (1668-1744)، وآدم فيرجسون (1723-1816) لم يولوا أهمية تُذكر لفكرة العقد الاجتماعي بحجة أن البشر لا يمكنهم أصلاً الوجود خارج مجتمع من نوع أو آخر، الذي تُعد الأسرة أحد أهم أشكاله الأولية. على الجانب الآخر، قد يجادل بعض منظرو العقد الاجتماعي بأنهم لا يَعْنون أن شيئاً من قبيل حالة الطبيعة قد وجد فعلاً قط لكنهم مجرد يستخدمون هذه الفكرة، والفكرة حول عقد اجتماعي، لعرض وجهة نظرهم حول أفضل أنواع الحكم وأكثرها استقراراً. وقد نحى إيمانويل كانط (1724-1804) نفس هذا المنحى الافتراضي في تناوله لفكرة العقد الاجتماعي، قائلاً "إننا لسنا بحاجة إلى افتراض أن هذا العقد...يوجد فعلاً كحقيقة...بل هو...مجرد فكرة من بنات أفكار العقل، التي من دون شك لها قيمة عملية عظيمة...[لأنها] تمثل المعيار لاختبار صحة أي قانون" (جوتليب، 132).

وقد أورد هيوم انتقادات إضافية. أولاً، أنه حتى لو كان قد تم تحرير عقد اجتماعي ذات يوم بين المواطنين، فهذا لا يعني أنه ينبغي بأي حال على جيل اليوم أن يتقيد باتفاق من هذا النوع. لأنه "لا يمكن الافتراض الآن أن هكذا عقد بهذا القِدَم، وطرأت عليه تغييرات لا تحصى في الحكومات والأمراء، لا يزال يحتفظ بأي سلطة هذه الأيام" (جوتليب، 131). من جهتهم، يرد لوك وآخرون بالتصريح باعتقادهم أنه إذا ما قرر المرء أن يمكث في الدولة التي ولد فيها، فإنه بذلك يبرهن عن رضاه على حكومتها. لكن آدم سميث (1723-1790) قد بَيَّن أن هذه الحجة الضعيفة لتعريف الرضا باعتباره عدم الاحتجاج على غياب رضا المرء، يعني أنك إذا ما أُوتيّ بك على متن سفينة وأنت نائم ثم أبحرت السفينة في عرض المحيط، فأنت بذلك تبرهن عن رضاك على وجودك هناك حتى رغم عدم وجود مكان آخر لكي تذهب إليه. فالأرجح هو أن هيوم كان يود شرعنة مؤسسات الحكم ليس من خلال تصور اتفاق محدد عليها في الماضي من جانب المواطنين، لكن من خلال حقيقة أنها قد صمدت أمام اختبار الزمن لتتحول إلى تقاليد مصونة. وفي انتقاد آخر موجه لهيوم فيما يخص العقد الاجتماعي أنه لم يعتقد في أن الحكومة الفاشلة بررت للمواطنين التمرد عليها أو الإطاحة بها.

لقد شهد القرن التاسع عشر أفولاً في الاهتمام بفكرة العقد الاجتماعي. واتهمها بنثام أنها قد شتت الانتباه بعيداً عن طرق أخرى للنظر في قيمة القوانين (في حالته، كانت سعادة العدد الأكبر تمثل المعيار الرئيسي. وخَلُص فريدريك نيتشه (1844-1900) إلى أن جميع الحكام يستولون على السلطة ولا يتنازلون عنها أبداً طواعية. بينما رأى فلاسفة من أمثال جورج فيلهلم فريدريش هيجل (1770-1831) وكارل ماركس (1818-1883) في حالة الطبيعة، وبالتالي العقد الاجتماعي، مفاهيم عديمة النفع لأنهم اعتبروا الطبيعة البشرية كإحدى نواتج المجتمع، وهي حقيقة أثبتها علم الأحياء الاجتماعي. رغم ذلك، استمر مفكرون آخرون، خاصة جون راولز (1921-2002)، يجدون في مجرد فرضية العقد الاجتماعي (ما يسميه راولز "الوضع الأصلي") أداة مفيدة لتخيل ما هي بالضبط الحقوق والأنظمة السياسية التي قد يختار المواطن النزيه والعقلاني من تلقاء نفسه تأييدها إذا ما أُعطي له الاختيار وإذا لم يكن يعرف كيف قد يتأثر هو شخصياً بتلك القوانين. علاوة على ذلك، تستمر فكرة العقد الاجتماعي في توفير أداة مفيدة لمعالجة الهواجس المستمرة حول سبل التوفيق بين المواطنين ذوي الأهداف المختلفة ضمن نفس المجتمع وكيف يمكن حماية مصالح مجموعات الأقلية حين لا تَنْشد الأغلبية سوى حماية أنفسهم فقط.

أسئلة وأجوبة

ما هو العقد الاجتماعي ببساطة؟

ببساطة، العقد الاجتماعي هو اتفاق من المواطنين على ما لهم من حقوق والطريقة التي ينبغي بها حكمهم. وفيه قد يضطرون إلى التخلي عن بعض الحقوق أو تقليصها حتى يتمتع بالحماية جميع المواطنين. ويرى بعض الفلاسفة أن أهمية العقد الاجتماعي تكمن في أنه يتيح للمواطنين إعطاء رضاهم به وبحكومتهم.

ما هي الفائدة من فكرة العقد الاجتماعي؟

تفيد فكرة العقد الاجتماعي في تسليط الضوء على الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها المواطنون وأفضل شكل للحكومة يضمن تلك الحقوق. كما تفيد هذه النظرية أيضاً في معرفة متى يكون من المشروع استبدال حكومة فاشلة.

نبذة عن المترجم

عبد المجيد الشهاوي
مترجم متفرغ يحب القراءة والكتابة

نبذة عن الكاتب

Mark Cartwright
مارك كاتب وباحث ومؤرخ ومحرر. تشمل اهتماماته الخاصة الفنون والعمارة واكتشاف أفكار مشتركة بين الحضارات. وهو حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة السياسية ومدير النشر في WHE.

استشهد بهذا العمل

نمط APA

Cartwright, M. (2024, February 02). العقد الاجتماعي [Social Contract]. (ع. ا. الشهاوي, المترجم). World History Encyclopedia. تم استرجاعها من https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-22620/

أسلوب شيكاغو

Cartwright, Mark. "العقد الاجتماعي." تمت ترجمته بواسطة عبد المجيد الشهاوي. World History Encyclopedia. آخر تعديل February 02, 2024. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-22620/.

أسلوب إم إل إيه

Cartwright, Mark. "العقد الاجتماعي." تمت ترجمته بواسطة عبد المجيد الشهاوي. World History Encyclopedia. World History Encyclopedia, 02 Feb 2024. الويب. 17 Apr 2024.