كان أمنحتب الثالث (حوالي 1386–1353 ق.م.) تاسع ملوك الأسرة الثامنة عشرة في مصر القديمة. كما عُرف بأسماء أخرى مثل نب ماعت رع، وأمنوفيس الثالث (Amenophis III)، وأمونحتب، وأمانا-حاتبا، وهي أسماء ترتبط جميعها بفكرة رضا الإله آمون، أو – كما في لقب نب ماعت رع – بمفهوم الماعت، أي النظام والعدل والتوازن الكوني.
كان أمنحتب الثالث ابن الفرعون تحتمس الرابع وزوجته الثانوية موت إمويا، وزوج الملكة تي، ووالد الفرعون أخناتون، وجد كلٍّ من توت عنخ آمون وعنخ إس إن آمون. وتمثلت أبرز إسهاماته في الحضارة المصرية في الحفاظ على السلام والازدهار، الأمر الذي أتاح له تكريس جانب كبير من حكمه لدعم الفنون والعمارة.
شُيِّدت في عهده العديد من أروع المنشآت في مصر القديمة، كما عزز من خلال حملاته العسكرية حدود دولته ووسّع نطاق نفوذها. وقد حكم مصر بالاشتراك مع الملكة تي لمدة 38 عامًا حتى وفاته، ثم خلفه ابنه أمنحتب الرابع، الذي عُرف لاحقًا باسم أخناتون.
عصر الازدهار في عهد أمنحتب الثالث
ورث أمنحتب الثالث عن والده، تحتمس الرابع، إمبراطوريةً شاسعة تمتعت بقدر هائل من الثروة والقوة والنفوذ. ويكتب عالم المصريات زاهي حواس: «وُلد أمنحتب الثالث في عالم كانت فيه مصر تتربع على قمة القوة والهيمنة. كانت خزائنها تعج بالذهب، وكانت الدول التابعة لها تنحني خضوعًا أمام حكام الأرضين الأقوياء [مصر]» (ص 27). لم يكن أمنحتب الثالث قد تجاوز الثانية عشرة من عمره عندما اعتلى العرش، وتزوج من تي في احتفال ملكي رسمي. ومن الجوانب اللافتة في علاقته بزوجته أنه، عقب زواجهما مباشرة، منحها لقب الزوجة الملكية العظمى، وهو شرف لم تنله والدته موت إمويا قط. وقد منحها هذا اللقب مكانة رسمية جعلتها تتقدم على والدة الملك في شؤون البلاط الملكي.
وبعد إتمام زواجه، شرع الملك في مواصلة السياسات التي انتهجها والده، إلى جانب تنفيذ مشروعات عمرانية جديدة في مختلف أنحاء مصر. وكان بارعًا في فن الدبلوماسية، إذ جعل الممالك الأخرى مدينة له بفضل ما أغدقه عليها من هدايا ذهبية فاخرة، الأمر الذي جعلها تميل إلى الاستجابة لرغباته، وهو ما كانت تفعله باستمرار. وقد اشتهر بسخائه تجاه الملوك الحلفاء، وتمتع بعلاقات دبلوماسية وتجارية مثمرة مع الدول المحيطة بمصر، مما أسهم في ترسيخ الاستقرار والازدهار خلال عهده.
كما عُرف أمنحتب الثالث بأنه صياد ورياضي ماهر، وتفاخر في أحد نقوشه قائلاً: «بلغ إجمالي عدد الأسود التي قتلها جلالته بسهامه الخاصة، منذ السنة الأولى وحتى السنة العاشرة من حكمه، 102 أسدًا بريًا» (ناردو، ص 19). وإلى جانب ذلك، كان أمنحتب الثالث قائدًا عسكريًا كفؤًا؛ إذ يرى المؤرخ بنسون أنه «ربما شارك بنفسه، أو قاد قادته العسكريين، في حملة عسكرية واحدة في النوبة، كما أمر بنقش كتابات تذكارية لتخليد تلك الحملة» (بنسون، ص 18).
كما حافظ أمنحتب الثالث على كرامة نساء مصر، إذ رفض الطلبات التي تقدم بها بعض الحكام الأجانب لإرسال أميرات مصريات ليتزوجوهن، مؤكدًا أن أي ابنة لمصر لم تُرسل قط إلى أرض أجنبية، ولن يحدث ذلك في عهده. وبهذه السياسة، كما في غيرها، سار أمنحتب الثالث على نهج والده، بل وطوّر كثيرًا من سياساته. وعلى الصعيد الديني، اتبع النهج نفسه؛ فقد كان من أشد المؤيدين للديانة المصرية القديمة، ووجد فيها المجال الأمثل للتعبير عن شغفه الأكبر، وهو رعاية الفنون وتنفيذ المشروعات العمرانية الضخمة.
المنشآت الأثرية الضخمة
يصف المؤرخ ويل ديورانت عظمة آثار أمنحتب الثالث بقوله: «يقف عملاقان من الحجر، يجسدان أمنحتب الثالث، أكثر ملوك مصر ترفًا. يبلغ ارتفاع كل منهما سبعين قدمًا، ويزن نحو سبعمائة طن، وقد نُحت كل تمثال من كتلة صخرية واحدة» (ديورانت، ص 141). كان أمنحتب الثالث يتطلع إلى أن يجعل مصر في أبهى صورة من العظمة والروعة، بحيث تثير الدهشة والإعجاب في نفوس كل من يراها. ويشهد على نجاحه في تحقيق هذه الرؤية ما يزيد على 250 مبنى ومعبدًا وتمثالًا ولوحة تذكارية أمر بتشييدها خلال فترة حكمه.
أما التمثالان اللذان أشار إليهما ديورانت، فيُعرفان اليوم باسم تمثالي ممنون، وهما كل ما تبقى من المعبد الجنائزي الضخم الذي شيده أمنحتب الثالث. ومع ذلك، فإن حجمهما الهائل ودقة تفاصيلهما الفنية يوحيان بأن المعبد نفسه، وكذلك مشروعاته المعمارية الأخرى التي لم يبق منها أثر، كانت تضاهي هذين التمثالين في الروعة، بل ربما فاقتهما عظمة وإبهارًا.
ومن بين هذه المشروعات كان قصر ملقطة الفاخر، الذي شُيِّد على الضفة الغربية لنهر النيل، مقابل العاصمة طيبة. ويكتب المؤرخ مارغريت بونسون:
حمل هذا المجمع الضخم اسم "بيت نب ماعت رع بوصفه بهاء آتون". وقد ضم منتجعًا ملكيًا وبحيرة يزيد طولها على ميل واحد، ويبدو أنها أُنشئت خلال خمسة عشر يومًا فقط باستخدام تقنيات متقدمة لتوجيه المياه والتحكم في تدفقها. كما ضم المجمع مساكن للملكة تي، ولأخناتون، ابن الملك وولي عهده. بل إن أمنحتب أمر أيضًا ببناء مركب ملكي للنزهات، أُهدي إلى الإله آتون، ليستخدم في الرحلات فوق البحيرة» (بونسون، ص 18)
وكان أمنحتب الثالث كثيرًا ما يقوم بهذه النزهات بصحبة الملكة تي، ويبدو أنها كانت أقرب رفاقه، سواء في حياته العامة أو الخاصة. وفي الواقع، تمتعت تي بمكانة تكاد تكون مساوية، أو مساوية تمامًا، لمكانة زوجها؛ إذ كثيرًا ما صُوِّرت في التماثيل بالحجم نفسه الذي صُوِّر به الملك، في رمز واضح إلى الانسجام والمساواة بينهما. وبينما انشغل أمنحتب الثالث بمشروعاته العمرانية، تولت الملكة تي إدارة شؤون الدولة والإشراف على القصر الملكي في ملقطة.
ويتضح حجم مسؤولياتها من خلال الرسائل التي بعث بها الحكام الأجانب إليها، فضلًا عن العدد الكبير من المنشآت التي أُقيمت في عهد أمنحتب الثالث. فإلى جانب ما سبق، أمر بإقامة 600 تمثال للإلهة سخمت حول معبد موت جنوب الكرنك، كما جدد المعبد القائم في الكرنك، وشيّد معابد مخصصة للإله آمون، وأقام تماثيل تجسد الإله، ونصب لوحات تذكارية سجلت إنجازاته، ووضع الأسود الجرانيتية أمام معبد صولب في النوبة، وزيّن جدران المعابد والآثار بمناظر تُخلِّد انتصاراته وتُبرز رضا الآلهة عنه.
وفي السنة الأولى من حكمه، أمر بافتتاح محاجر جديدة للحجر الجيري في منطقة طرة، وظلت هذه المحاجر تمد مشروعاته العمرانية بالحجارة طوال فترة حكمه حتى استُنفدت إلى حد كبير. وانتشرت صور الفرعون وآلهته في سهول مصر ووديانها، كما أُعيد ترميم العديد من المدن، وحُسِّنت الطرق، فأصبح السفر أكثر سهولة. وقد أسهمت سهولة التنقل في تمكين التجار من إيصال بضائعهم إلى الأسواق بسرعة أكبر، مما أدى إلى تنشيط الحركة التجارية وتعزيز الاقتصاد. ومع استمرار تدفق الجزية والإيرادات من الدول التابعة، ازدادت ثروة مصر في عهد أمنحتب الثالث، وتمتع الشعب بحالة من الرخاء والاستقرار، وظلت سلطة العرش راسخة، باستثناء التهديد المتزايد الذي مثله كهنة عبادة الإله آمون.
إله الشمس وكهنة آمون
كانت هناك قوة أخرى في مصر أخذت تنمو باطراد قبل وقت طويل من اعتلاء أمنحتب الثالث العرش، وهي كهنوت الإله آمون. ففي مصر القديمة، كان امتلاك الأراضي يعني امتلاك الثروة والنفوذ، وبحلول عهد أمنحتب الثالث أصبح كهنة آمون يملكون من الأراضي ما يكاد يعادل ما يملكه الملك نفسه.
وانطلاقًا من احترامه للتقاليد الدينية السائدة، لم يتدخل أمنحتب الثالث في أعمال كهنة آمون أو في شؤون معابدهم. ومع ذلك، ويُعتقد أن ثروتهم الهائلة، وما مثلته من تهديد لسلطة العرش، كان لها تأثير عميق ، كان لها تأثير عميق في ابنه، الذي عُرف لاحقًا باسم أخناتون.
وكان الإله آتون واحدًا من بين آلهة عديدة عبدها المصريون القدماء، إلا أنه حظي بمكانة خاصة لدى الأسرة الملكية، وهي المكانة التي ستتجلى لاحقًا في الإصلاحات الدينية التي أعلنها أخناتون. أما في عهد أمنحتب الثالث، فلم يكن آتون سوى إله يُعبد إلى جانب بقية الآلهة
ولعل أمنحتب الثالث، في محاولة للحد من النفوذ المتزايد لكهنة آمون، حرص على أن يربط نفسه بالإله آتون بصورة أوثق من أي فرعون سبقه. وكان آتون في الأصل إلهًا شمسيًا ذا مكانة محدودة، إلا أن أمنحتب الثالث رفع منزلته، وجعله الإله الشخصي للفرعون. ويكتب عالم المصريات زاهي حواس:
كان إله الشمس كيانًا معقدًا، وقد تطورت عقيدته على مدى آلاف السنين. فإلى جانب تجسده الرئيسي في هيئة رع، ارتبط هذا الإله بالإله الخالق أتوم، وكذلك بآلهة مثل خبري... وأوزيريس، الذي كان رع يتحد معه أثناء الليل. وكان آتون أحد تجليات هذا الإله؛ ووفقًا لنصوص ترجع على الأقل إلى عصر الدولة الوسطى، فقد كان آتون يمثل قرص الشمس الذي يتحد معه الملك بعد وفاته. وقد اختار أمنحتب الثالث هذا التجلي الإلهي، الذي تميز بكونه غير ذي هيئة بشرية، ليكون محورًا رئيسيًا لتجسيده. وقد طُرح رأي مفاده أن صعود مكانة آتون ارتبط تحديدًا بالحفاظ على الإمبراطورية، باعتبار أن الشمس كانت، من الناحية النظرية على الأقل، تهيمن على جميع الأراضي التي تشرق عليها. ومن خلال ربط نفسه بقرص الشمس المرئي، وضع الملك نفسه، من الناحية الرمزية، فوق جميع الأراضي التي يمكن رؤية الشمس فيها، أي فوق العالم المعروف بأسره. (ص 31)
لم يكن رفع أمنحتب الثالث مكانة آتون بوصفه إلهه الشخصي أمرًا غير مألوف، إذ اعتاد الفراعنة في العصور السابقة الارتباط بعبادة إله معين يفضلونه. ومن الواضح أن أمنحتب الثالث لم يُهمل الآلهة الأخرى تفضيلًا لآتون. وإذا كان هدفه من إبراز مكانة آتون ذا دوافع سياسية، فإنه لم يحقق نجاحًا يُذكر خلال فترة حكمه. فقد استمرت عبادة آمون في النمو وتكديس الثروات، واستمرت بذلك في تشكيل تهديد للأسرة المالكة ولسلطان العرش.
وفاة أمنحتب وحكم أخناتون
عانى أمنحتب الثالث في سنواته الأخيرة من مشكلات شديدة في الأسنان، والتهاب المفاصل، وربما السمنة أيضًا. وقد كتب إلى توشرتا، ملك ميتاني، الذي كانت إحدى بناته، تادوخيبا، من بين زوجات أمنحتب الثالث الثانويات، يطلب منه إرسال تمثال الإلهة عشتار الذي سبق أن زار مصر عند زواجه من تادوخيبا، ليشفيه. ولا يزال إرسال هذا التمثال موضع جدل بين الباحثين في العصر الحديث، كما لا يزال المرض الذي كان يعاني منه أمنحتب الثالث على وجه الدقة غير محسوم. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن مشكلاته في الأسنان أدت إلى خراج تسبب في وفاته، إلا أن هذا الرأي محل خلاف.
توفي أمنحتب الثالث عام 1353 ق.م.، وتعبر الرسائل الواردة من حكام أجانب، مثل توشرتا، عن حزنهم لوفاته وتقديمهم التعازي إلى الملكة تي. كما توضح هذه الرسائل أن هؤلاء الملوك كانوا يأملون في استمرار العلاقات الطيبة نفسها مع مصر في عهد الملك الجديد كما كانت في عهد أمنحتب الثالث. وبعد وفاة أمنحتب الثالث، اعتلى ابنه، الذي كان يُعرف آنذاك باسم أمنحتب الرابع، العرش.
في البداية، لم يكن هناك ما يميز حكم أمنحتب الرابع عن حكم والده؛ فقد استمر في تشييد المعابد وإقامة الآثار كما كان الحال من قبل. إلا أنه في السنة الخامسة من حكمه شهد تحولًا دينيًا، فحظر الديانة المصرية القديمة، وأغلق المعابد، ومنع جميع الممارسات الدينية. وحلَّ محل العقيدة القديمة دينًا جديدًا هو الآتونية، كما غيّر اسمه إلى أخناتون، وأقام أول نظام توحيدي تفرضه الدولة في تاريخ العالم.
واصل أخناتون تشييد الآثار والمعابد كما فعل والده، ولكن «هذه المعابد لم تكن مكرسة لآمون، بل لقرص الشمس بوصفه آتون» (حواس، ص 36). وأصبح آتون الإله الواحد الحقيقي للكون، بينما عُدَّ أخناتون التجسيد الحي لهذا الإله. وهجر الملك الجديد قصره في طيبة، وبنى مدينة جديدة هي أخت آتون («أفق آتون»)، المعروفة أيضًا باسم العمارنة، على أرض لم يسبق تعميرها في وسط مصر.
ومن قصره الجديد أصدر مراسيمه الملكية، إلا أنه يبدو أنه كرس معظم وقته لإصلاحاته الدينية، وأهمل شؤون الدولة، ولا سيما السياسة الخارجية. وفقدت مصر عددًا من الدول التابعة لها، مثل جبيل، وتبددت الآمال التي أعرب عنها الحكام الأجانب في استمرار العلاقات الطيبة مع مصر.
وتولت زوجته، الملكة نفرتيتي، مسؤوليات زوجها، ورغم كفاءتها في أداء هذه المهام، فإن إهماله لواجباته كان قد تسبب بالفعل في خسائر جسيمة لثروة مصر ومكانتها. وخلال فترة العمارنة، أخذت خزينة الدولة تنفد تدريجيًا، وضعفت كفاءة الجيش وانضباطه، وعانى المصريون، بعد حرمانهم من معتقداتهم الدينية التقليدية والمنافع الاقتصادية المرتبطة بالممارسات الدينية.
أما الذين كانوا يبيعون التماثيل أو التمائم أو الأحجبة خارج المعابد، فقد فقدوا مصدر رزقهم، لأن بيع هذه الأشياء أصبح غير قانوني، كما أصبح العاملون في تلك المعابد أو المرتبطون بها بلا عمل. وأُهملت الشؤون الخارجية بالقدر نفسه الذي أُهملت به الشؤون الداخلية، وبحلول وفاة أخناتون عام 1336 ق.م. كانت مصر قد ابتعدت كثيرًا عن ذروة مجدها التي بلغتها في عهد أمنحتب الثالث.
وحاول توت عنخ آمون، ابن أخناتون وخليفته، أن يعيد إلى بلاده ازدهارها خلال السنوات العشر القصيرة التي حكم فيها، لكنه توفي في سن الثامنة عشرة قبل أن يتمكن من تحقيق أهدافه. ومع ذلك، فقد ألغى إصلاحات والده الدينية، وأعاد فتح المعابد، وأعاد الديانة القديمة. وواصل خليفته آي هذه السياسات، إلا أن خليفته حورمحب هو الذي محا، أو حاول أن يمحو، ما ألحقته سياسات أخناتون من ضرر بالبلاد.
ودمر حورمحب مدينة أخت آتون، وهدم معابد وآثار آتون، ونفذ ذلك على نحو بالغ الشمول حتى إن الأجيال اللاحقة من المصريين اعتقدت أنه كان خليفة أمنحتب الثالث مباشرة. وقد أعاد حورمحب إلى مصر جانبًا من الازدهار الذي كانت تنعم به قبل عهد أخناتون، غير أن مصر لم تستطع بعد ذلك أن تبلغ المكانة التي وصلت إليها في عهد أمنحتب الثالث، ذلك الفرعون المترف، والدبلوماسي البارع، والصياد، والمحارب، والباني العظيم للآثار المصرية.
