عدَّ زعيم ألمانيا النازيِّة، أدولف هتلر (1889-1945)، اليهود أعداءً للدولة، إذ أشاع من خلال حملة الترويج الكاذبة والمستمرة، بأنهم السبب في رُكود الدولة الاقتصادي والثقافي. وقد أسندت هذه الدعاية الكاذبة إلى نظرية التفوق العرقي الأبيض، والتي استعان بها هتلر إلى جانب مواقف شعبية أُخرى لزيادة الدعم للحزب النازي. والأهم من ذلك، أنه وبعد ترسيخ حُكمه الدكتاتوري، اعتمد هتلر على معاداة السامية والنظرية العِرقيَّة، لتصوير الحرب العالمية الثانية (1939–1945) على أنها صراع لبقاء ألمانيا في وجه المؤامرة العالمية اليهودية، ولتبرير إبادة ملايين اليهود في اوروبا في المحرقة (الهولوكوست)، حسب وجهة نظره.
ومنذ العام 1933، اتخذ النازيون سلسلة من الإجراءات المُمنهجة تجاه اليهود. كما استُوليَ على ثروات اليهود وأعمالهم التجارية، وجُرِّدوا من الجنسية وغيرها من الحقوق، وجرى تشجيعهم وإجبارهم على الهجرة إلى جانب إلزامهم بارتداء شارات تعريفية وجمعهم في المعازل. وبحسب ما أطلق عليه هتلر "الحل الأخير للمسألة اليهودية" (يودناين)، فقد أُرسلوا إلى معسكرات للاعتقال، حيث قُتلوا خنقًا في غرف الغاز داخل معسكرات مثل أوشفيتز، أو بإجبارهم على العمل كالعبيد حتى تخور قواهم الجسدية على المواصلة. ولم يَكُن اليهود وحدهم ضحايا الحقد النازي، فعلى سبيل المثال عانى الشيوعيونَ والغجر وأسرى الحرب السوفييتيين أيضًأ، إلا أن اليهود كانوا أكبر فئة مُستهدفة للكُره النازي. وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، كان قد قُتل حوالي ستة ملايين يهودي في أنحاء اوروبا.
لِمَ اليهود؟
إن السؤال يَكمُن في سبب كُره هتلر والنازيين لليهود إلى حد ارتكابهم أفظع الأمور بحقهم. ولكن إجابة هذا السؤال معقدة، إذ تتضمن تداخلًا بين عدة عوامل منها تاريخ معاداة السامية الذي تطور في القرن العشرين، إلى جانب النظرية العِرقية للنازيين وتطلعات هتلر السياسية والجغرافية.
وقد بغض هتلر والنازيون اليهود لعِدة أسباب منها اعتقادهم بكون اليهود:
- سببًا في هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918).
- سببًا في المشاكل الاقتصادية للبلاد كزيادة معدلات البطالة.
- ساعين للهيمنة على الاقتصاد والثقافة الألمانية.
- سببًا لانعدام الأخلاق في المجتمع الحديث.
- إمّا فاحشي الثراء ويحرمون الألمان من الثروة، أو شديدي الفُقر مع احتمالية كونهم مجرمين.
- مُخلصين لديانتهم أكثر من ولائهم للدولة.
- أعداءً للمسيحيين.
- ساعين للهجوم على حدود ألمانيا تحت ستار البلشفية والرأسمالية.
- أدنى عِرقيًا من الآريين (غير اليهود).
إلّا أن المؤرخين قد اجمعوا على غياب الأدلة الحقيقية لإثبات صِحة هذه المعتقدات.
كبش الفداء التقليدي
تولى هتلر في عشرينيات القرن الماضي قيادة حزب العُمال الألماني الاشتراكي القومي اليميني المُتطرف، والذي يُعرف اختصارًا بالحزب النازي. ورغم أنّه لم يكُن حزبًا اشتراكيًا ولم يهتم بشؤون العمال فعليًا، فقد كان هتلر من اختار اسمه بناءً على مصالحه في استقطاب أكبر عدد من المُنتخِبين. وفضلًا عن الإهانة التي لحقت بألمانيا بعد الخسارة في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، فقد شهدت الدولة ضائقات اقتصادية شديدة، والتي أدت بدورها إلى تضخُّم مفرط وانهيار اقتصادي. وبعد فترة قصيرة من التعافي، ازدادت معدلات البطالة من جديد بسبب الكساد الكبير عام 1929، فقد شهدت التجارة العالمية آنذاك حالة من الركود. كما بدت حكومة جمهورية "فايمار"، وهو الاسم التي كانت تعرف به ألمانيا آنذاك، غير قادرة على التعامل مع هذه المشاكل، في وقتٍ خسرَ فيه الملايين وظائفهم ومدخراتهم. وبهذا، قدَّم هتلر والنازيين أنفسهم كأفضل حل لمعاناة ألمانيا. فقد تعهّد هتلر في خطاباته بإعادة ألمانيا إلى أوج عظمتها مرة أُخرى، وذلك بتحقيق التوظيف الكامل واستعادة الازدهار الاقتصادي والثقافي.
وكان اليهود إحدى الأقليات التي خصها النازيون بكونها السبب في جميع مشاكل ألمانيا. وفي العام 1933، "بلغ عدد السكان في الجمهورية الألمانية ممن أعلنوا هويتهم اليهودية حوالي 525,000 شخصًا، وكان منهم 100,000 مُهاجرًا جديدًا من اوروبا الشرقية" (Cesarini, 7).
ولم تكُن معاداة السامية أمرًا جديدًا أو مُقتصرًا على الحزب النازي، وكانت في الغالب نابعة من مشاعر الغيرة. فقد كان اليهود أفضل تعليمًا عن غيرهم من فئات المُجتمع، إضافةً إلى وضعهم المعيشي الميسور. وفي أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، "بلغ متوسط دخل الأسرة اليهودية ثلاثة أضعاف متوسط دخل الأُسر غير اليهودية. رُغم وجود شريحة لا بأس بها من اليهود الفقراء" (Cesarini, 7). وقد شكّل اليهود في المدن والبلدات الكبيرة نسبة كبيرة استثنائية في بعض المهن والصناعات. فقد بلغت نسبة اليهود الألمان العاملين في الأراضي 2%، بينما بلغت نسبة تُجار الجُملة اليهود في قطاع الزراعة 25%. كما كانت ثلثي متاجر بيع الملابس بالتجزئة مِلكًا لليهود، بما فيها عِدّة متاجر كُبرى شهيرة. إلا أنه "ظلت هناك معاداة كامنة للسامية أواسط شريحة واسعة من الطبقة الوسطى الألمانية، إذ كان الاعتقاد السائد بأن عدد المحامين والأطباء اليهود قد فاق العدد" (Dülffer, 140).
لم تَكن معاداة السامية وليدة القرن العشرين، بل أبعد من ذلك بكثير. كما كان بين اليهود والمسيحيين عداوة امتدت لقرون سابقة، فبحسب الأناجيل الواردة في العهد الجديد في الكتاب المقدس، فكان بعض المسيحيين يعتقدون بأن اليهود هُم المسؤولون عن محاكمة يسوع الناصري وصلبه. وكان القس الألماني مارتن لوثر (1483-1546)،"المؤسس العظيم للبروتستانتية، مُعاديًا بشدة لليهود ومؤمنًا بالطاعة المُطلقة للسلطة السياسية" (Shirer, 236). وعلى عكس بعض الجماعات الدينية الأُخرى، فقد سُمِح لليهود بإقراض المال مُقابل تقاضي الفائدة، ولهذا السبب كانت الصورة النمطية حولهم توحي بكونهم أغنياءً وطمّاعين. وفي العصور الوسطى، اعتُبر اليهود كبش فداء في مختلف الأزمات، كالهزائم في الحروب وانتشار مرض الطاعون. ونتيجةً لمعاداة المسيحيين للسامية في العصور الوسطى وخلال حركة الإصلاح الديني، فقد خضع اليهود في العديد من الدول الاوروبية لقيود صارمة، وأُجبروا على العيش في المعازل وكانوا ضحايا للمجازر والمذابح المُدبرة.
وبالعودة للقرن العشرين، فقد عومِل اليهود مُعاملةً قاسية، خصوصًا في دول اوروبا الشرقية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى وبعد سقوط بعض الامبراطوريات، كالإمبراطورية النمساوية الهنغارية. ونتيجةً لذلك، هاجر اليهود إلى دول مثل ألمانيا، ساعين لتوفير حياة أكثر أمانًا واستقرارًا. وكان معظم هؤلاء المهاجرين من اليهود فقراء، إلّا أنه يُذكر بأن غيرهم حققوا نجاحًا، الأمر الذي أثار غيرة وسخط بعض السكان المحليين.
آراء هتلر الشخصية
لم تكُن آراء هتلر المعادية للسامية مُجرد قناعٍ سياسي لتلبية مصالحه، بل كانت تنُم أيضًا عن قناعته الشخصية وغيره ممن تبنى هذه القناعة من أعضاء الحزب النازي بمختلف المستويات. وكان لهتلر صديق يدعى أوجست كوبزيك، عاش معه في شبابه في فيينا، وقد أفصح في تسجيل بالآتي: "لقد كان كُرهه المُتراكم تجاه جميع القوى التي شكلت تهديدًا للألمان، مُنصَب بشكل أساسي على اليهود الذين لعبوا دورًا بارزًا في فيينا." (McDonough, 110). وعلى ما يبدو، فقد كان هتلر متعصبًا من عدد اليهود الكبير الذين عاشوا في فيينا، مما أفقدها طابعها الألماني على حد وصفه. وبالرغم من ذلك، فكان لهتلر أقارب من اليهود وكان يمضي أُمسياتً موسيقية في بعض المنازل اليهودية في فيينا. إلّا أن آرائه الخاصة قد أُفصح عنها في رسالة كتبها لأحد أصدقائه عام 1919:
ومن الحقائق ما يلي: أولًا، إنّ اليهودية عِرق في حد ذاتها وليست مُجرد رابطة دينية، كما أن سعيهم المحموم وراء المال برقصهم حول العجل الذهبي، يتحوّل إلى صراع قاسٍ للاستحواذ على ما نعتبره ثمينًا وذو قيمة. واليهودي في آثاره وعواقبه، فهو أشبه بمرض السل العنصري الذي يصيب الأُمم.
(McDonough, 128)
وهكذا كان هتلر، يعتبر أهل ديانة معينة وكأنهم من عِرق مستقل بحد ذاته. كما روّج هتلر بدعم من خبير دعايته المُضللة جوزيف غوبلز (1897-1945)، بأن اليهود هم العدو الأول للشعب الألماني. وأوضح بشكل متكرر حسب وجهة نظره، بكون اليهود هم المسؤولين عن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وقال بأنهم أصرّوا بشكل متكرر على إنهاء الحرب قبل أوانها، مما أضعف من عزيمة الشعب الألماني للقتال. كما كان يعتقد هتلر بأن لدى اليهود سيطرة تامة على الاقتصاد، الأمر الذي أثّر سلبًا على القدرة الحربية. وهكذا، بات اليهود بالنسبة لهتلر جزءًا من مؤامرة دولية للسيطرة على اقتصاد ألمانيا وغنائمها بعد الحرب، مما سيمنع عامة الناس من المضي قُدمًا والازدهار. وبهذا، فقد مزج النازيين بين فكرة العدو المشترك مع النظرية العِرقية المتناقضة والزائفة علميًا، لمنحهم ذريعة علمية وأكاديمية تُبرر مُعاملتهم تجاه اليهود.
النظرية العِرقية النازيّة
كان المُنَظِر العرقي للحزب النازي، ألفريد روزنبيرغ (1893-1946)، قد تبنى أفكارًا معادية للساميّة والمسيحية معًا. وعلى الرغم من دراسته للهندسة المعمارية، إلا أنه أصبح مهتمًا بالنظرية العِرقية من خلال اطِّلاعه على أعمال كُتّاب مثل آرثر دو غوبينو (1816-1882) وهيوستن ستيوارت تشامبرلين (1855-1927) الذين كانا يؤمنان بوجود عِرق شمالي متفوّق، يجعل من جميع الأعراق الأُخرى أدنى منه. وكتب روزنبيرغ كتابه الأول عام 1920، تحت عنوان (The Track of the Jews through the Ages) عَرَض فيه أفكاره المتناقضة والمُعقدة التي تشير إلى كون اليهود وراء كل من الرأسمالية والبلشفية، وبأنهم يُدمرون الثقافة والأخلاق أينما حلّوا.
كان روزنبيرغ من المؤمنين بنظرية المؤامرة، إذ استندت معظم الأفكار التي تبناها على أبحاث مُزيفة كتبها آخرون. وعلى النقيض مما ادّعاه روزنبيرغ، فلم يَكُن اليهود من المُستفيدين من الثورة الروسية عام 1917، بل كانوا أبرز ضحاياها جراء ما تعرضوا له من مذابح وحشية. كما كانت أفكار روزنبيرغ غالبًا مبنية على احصائيات غير دقيقة، كتلك المُتعلقة بأعداد المفوضين السوفييت اليهود، أو على معلومات مُضللة مثل الادّعاء بأن المساعدات الخارجية الأمريكية كانت تُعطى لليهود فقط، مع أن الأمر ليس كذلك. وهكذا، أقنع روزنبيرغ نفسه وزملائه النازيين معه بأن اليهود يحيكون معًا مؤامرة عالمية هدفها السيطرة على العالم.
وجاء ضمن بنود برنامج الحزب النازي للعام 1920، نص خاص باليهود ذُكِر فيه:
لا يحق لأحد أن يكون مواطنًا في الدولة ما لم يكُن من أبناء الأُمة. ولا يُعد من أبناء الأمة إلّا صاحب الدم الألماني، مهما كانت عقيدته. ولذلك، لا يمكن لأي يهودي أن يكون من أبناء الأُمة.
(McDonough, 111)
وبحلول عام 1923، أصبح روزنبيرغ مُحررًا لصالح جريدة الحزب النازي " فولكشر بيوباختر"، وهي إحدى النشرات التي مُلئت بالدعاية النازية التي تحض على كراهية اليهود والشيوعيين وغيرهم ممن لم ينسجم مع أفكار النازيِّة. وقد "أججت روايات المؤامرة المتواصلة التي روَّج لها روزنبيرغ، من النزعة العدوانية داخل معاداة الساميِّة النازيِّة" (Gellately, 51).
وبعد انقلاب بير هول الذي نفذه هتلر وباء بالفشل في نوفمبر عام 1923، أُرسل هتلر إلى السجن، حيث كتب كتابه الشهير "كفاحي". ومع زيارات روزنبيرغ اليومية لهتلر، فقد أدرج في كتابه أفكار روزنبيرغ المعادية للسامية ضمن نظرية اعتبرت اليهود الألمان أعداءً للدولة، وبأنهم السبب الرئيسي لعدم تحقيق ألمانيا إمكاناتها. وكان يرى هتلر بأن هذه الإمكانية لن تُدرك إلا إذا حكم الدولة ألمان "آريون" من سلالة نقية، وهو مصطلح استخدمه النازيين للإشارة إلى غير اليهود، واستُخدم في المقام الأول للإشارة إلى الشعوب البيضاء كشعب شمال اوروبا.
كما تبنى هتلر نظرية المؤامرة التي تزعُم بكون اليهود عازمين على السيطرة على العالم. ومن خلال المساواة بين الشيوعيين الثوريين وجشع الرأسماليين مع اليهود، تَمكن هتلر من الترويج للشعب الألماني بأن الاتحاد السوفيتي ودول مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة كانت تسعى إلى مهاجمة ألمانيا. ولهذا، كان يرى هتلر بأن على ألمانيا الدفاع عن نفسها. كما عليها التخلص من الأعداء الموجودين فيها. علاوة على ذلك، كان هتلر يطمح بتحويل ألمانيا إلى دولة عسكرية، إذ سيساهم ذلك على تقليل البطالة ومنح ألمانيا القدرة على غزو دول أُخرى والاستفادة من مواردها. كما سيساعد النازيين على إحكام قبضتهم على المجتمع بأكمله. وبالتالي، قدّم هتلر فكرة الخوض في حرب على أنها ضرورة لنجاة ألمانيا.
وقد ترافقت النظرية العِرقية مع الاعتقاد بأن على عِرق السادة، أو ما يُسمى بـ "سادة البشر"، التعرُض المستمر للاختبار وتعزيزه من خلال صراع لا متناهِ مع أعراق كرهها النازيين واعتبروها شعوبًا دونية، مثل اليهود والسلافيين. كما تأثرت فكرة الصراع اللامتناهِ بين الأعراق بالداروينية الاجتماعية، وهو مصطلح يدعو لتطبيق قوانين الطبيعة ومبدأ البقاء للأصلح على المجتمع البشري. وبالنسبة لهتلر، فإن إنجاح فكرة عِرق السادة يتطلب مزيدًا من الأراضي والموارد، والتوسع الألماني في هذه الحالة، خصوصًا إلى الشرق، كان مبررًا. وكان هذا التوسع بهدف البحث عن مساحة معيشية أو ما يُدعى "مجال حيوي"، من شأنه أن يُدخل الآريين في صراع أكبر مع السُلافيين واليهود.
وفي عام 1930، أصدر روزنبيرغ كتابه "أسطورة القرن العشرين"، ليتبيّن بأن كان هو وهتلر يضعان المخطط ذاته القائم على العِرق لمستقبل ألمانيا، وهو مخطط هدفه الأول الشعب اليهودي. وفي هذا الكتاب، جمع روزنبيرغ خليطًا عشوائيًا من علوم زائفة وتاريخ لحضارات قديمة وحديثة، سواء حقيقية أم مُتخيلة، لصياغة نظرية ترفض الديمقراطية والليبرالية معًا، لتستعيض عنها بنظام ديكتاتوري يقوده عِرق "مُتفوق" مُتحكمًا بغيره من الأعراق الأدنى. أما لقب العِرق المتفوق فقد أُطلق على الآريين، إذ اعتبر روزنبيرغ بأن نخبة "عِرق السادة" بينهم هم الآريين الجرمانيين. وفي المقابل، كان اليهود وأصحاب البشرة السوداء متموضعين في أدنى مراتب سُلم روزنبيرغ الاجتماعي.
كما كان للنظرية العِرقية النازيّة دور في زيادة شعبية الحزب النازي في انتخابات البرلمان الألماني خلال عشرينيات القرن الماضي، مستغلة وجود نزعة شائعة لمعاداة الساميّة. إلا أنه كان هناك أحزاب أُخرى مُعادية للساميّة، لذلك لم تكن هذه المُعاداة هي السبب الوحيد لشعبية الحزب النازي. وكما أشار باحث الهولوكوست البارز ديفيد سيزاريني، فإن "الحزب النازي لم يرتقي إلى السلطة بسبب معاداته للساميّة" (ص xxx). ولهذا، فإن السؤال عن كيفية وصول هتلر إلى السلطة لا يمكن اختزاله بإجابة واحدة. وكان من بين العوامل الأُخرى التي شدت الناس لهذا الحزب، الوعود بزيادة فرص العمل واستعادة مجد وكرامة ألمانيا بعد ما حل بها من إذلال نتيجة خسارتها في الحرب العالمية الأولى ومعاهدة فرساي.
وعندما عُرض على هتلر أن يُصبح مستشارًا وأسّس دكتاتوريته عام 1933، برزت حينها معاداة الساميّة لدى النازيين بشكل أوضح عبر سياساتهم. أما النظرية العِرقية النازيّة فقد جرى تطبيقها كذريعة لتبرير بعض الإجراءات العملية، مثل مصادرة ثروات اليهود وتوفير مُبرر للغزو العسكري. فكما أوضح سيزاريني، فإن السياسة النازيّة "كانت تستنير باستمرار من خلال وهم 'العدو اليهودي'" (ص xxxi). ويرى بعض المؤرخين أن النظرية العِرقية النازيّة "يمكن اعتبارها مُجرد دعاية شكلية لاستراتيجية سياسية اتسمت بكونها انتهازية أو تشكلت تبعًا للظروف" (Dear, 608). كما لم يكُن من السهل انتقاد النظرية العِرقية ونتائجها العملية علنًا، إذ "كان الامتثال الأيديولوجي يُفرض على السكان، ومعارضة هذه الأهداف الأيديولوجية تستوجب عقوبات عنيفة" (Dear, 608). ومن المهم ألّا نغفل عن كون النظام النازي نظامًا شموليًا، إذ أن استخدامه للأفكار المتعلقة بالعِرق لم يكُن بهدف التعبير عن معاداة السامية فحسب، بل للتحكم بالجميع، سواءً اليهود أو غيرهم. علاوةً على ذلك، فقد "منحت السياسة العِرقية الدولة صلاحية التدخل في مجالات أكثر خصوصية وشخصية" (Cesarini,56).
"حلول" هتلر "للمسألة اليهودية"
وبعد إقرار هتلر بكون اليهود يشكلون "مشكلة" وبوجوب التخلص منهم من الأراضي الألمانية، شرع بتنفيذ سلسلة من "الحلول". وتمثل الحل الأول بتعطيل الحياة اليومية لليهود، وذلك بإخراجهم من القرى للعيش في البلدات والمُدن الأوسع. وسرعان ما ظهرت الحلول الأخرى التي تصاعدت معها أعمال الترهيب شيئًا فشيئًا. كما دأبت الدعاية النازيِّة، مستعينًة بالصحف والراديو والأفلام، على تبرير تلك الأعمال. ومن الجدير بالذكر أن البعض من غير اليهود كانوا قد رأوا الفرصة في الاستحواذ على ثروات وزبائن الشركات اليهودية، والتي انتهى بها المطاف بالإغلاق. وفي بداية الحكم النازي، صدحت بعض الأصوات المُعارضة، والتي سرعان ما أثبتت عدم فاعليتها في الحد من الديكتاتورية النازية في سعيها لتحقيق أهدافها. أما أولئك الذين عبّروا عن رأيهم، فقد جرى التحقيق معهم من قبل جهاز الشرطة النازيِّة (الغِستابو)، الأمر الذي استدعى الضرب أو السجن أو ما هو أسوء.
وكان ضمن الحلول المتعددة التي شرع النازيين في تطبيقها، تشجيع اليهود على الهجرة ونزع حقوق المواطنة وترهيبهم والاعتداء عليهم بالضرب وتخريب ممتلكاتهم وحصرهم داخل المعازل المغلقة. وأُقرّت قوانين نورمبرغ عام 1935 لمعرفة من ستُطبق عليه تلك الإجراءات، والتي حددت من يُعتبر يهودي حسب وجهة نظر نازيّة، وهو من كان يمتلك ثلاث أجداد يهود فأكثر. وهكذا، أصبح مئات الآلاف من الأشخاص الذين لا يعتبرون أنفُسهم يهودًا مُصنفون على أنهم يهود من قِبل النظام النازي. كما أراد النازيون الحفاظ على "نقاء" دم الآريين، ولهذا السبب تضمنت قوانين نورمبرغ بنودًا تحظر إقامة علاقات جسدية بين اليهود وغير اليهود. وقد ساعدت فكرة الدم "غير النقي" النازيين على "خلق صورة لليهودي الألماني بصفته مغايرًا ودخيلًا وخطرًا" (Dear, 285).
ورغم كل الصعوبات التي فُرضت على اليهود، فقد شعر هتلر بالإحباط لفشل جميع "حلوله" في إخلاء الأراضي الألمانية من عدوه الأول. بل على العكس، فمع توسع حدود ألمانيا منذ عام 1938 عبر عملية تُدعى (أنشلوس) والتي ضمت بموجبها النمسا واحتلال هتلر لتشيكوسلوفاكيا وغزو بولندا عام 1939، وجد هتلر نفسه يحكم ملايين إضافية من اليهود الذين باتوا تحت الحكم النازي.
وفي النهاية، استقر هتلر على ما أطلق عليه "الحل الأخير"، وهو أشبه بخطة سرية هدفها قتل ملايين اليهود (وغيرهم) بواسطة العمل القسري وفي معسكرات للإبادة. كما تعرض اليهود للقتل من قِبل وحدات قتل متنقلة تُدعى (أينزاتسغروبن). ولم يتوقف القتل إلا عند حلول ربيع 1945. وفي أبريل في نفس العام، أقدم هتلر على الانتحار بعد أن كتب "وصيته السياسية" الأخيرة، والتي ظهر فيها أنه لا يزال على قناعة راسخة بكون اليهود السبب في اندلاع الحرب. وهكذا، انهارت ألمانيا وأعلن الحلفاء انتصارهم في اوروبا في مايو عام 1945. وخلال محاكمات نورنبيرغ بعد الحرب، تحقق قدر من العدالة تمثل في إدانة رجال مثل روزنبيرغ لارتكابه جرائم ضد الإنسانية، ومن ثم أُعدم شنقًا. وتبعه لاحقًا عدد من مجرمي الحرب النازيين ليمتثلوا أمام العدالة.
وقد أسفرت الهولوكوست عن مقتل ما يقارب ستة ملايين يهودي في جميع أنحاء اوروبا المُحتلة. واعتمدت الأمم المتحدة يوم 27 يناير يومًا لإحياء ذكرى الهولوكوست، وهو اليوم الذي جرى فيه تحرير مُعسكر الإبادة والاعتقال النازي أوشفيتز.
