أسباب الحرب العالمية الثانية

Mark Cartwright
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF

يمكن إرجاع أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) إلى اتفاقية السلام القاسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، والأزمة الاقتصادية التي شهدتها الثلاثينيات، في حين أن الأسباب المباشرة كانت الغزوات العدوانية التي شنتها ألمانيا وإيطاليا واليابان على جيرانها. كانت أوروبا الضعيفة والمقسمة، والولايات المتحدة الأمريكية الانعزالية، والاتحاد السوفيتي الانتهازي، جميعًا عازمون على تحقيق السلام، لكن سياسة التهدئة لم تؤد إلا إلى ما كان الجميع يخشاه: حرب عالمية أخرى طويلة ورهيبة.

Europe on the Eve of WWII, 1939
أوروبا عشية الحرب العالمية الثانية، م1939 Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

الأسباب الرئيسة للحرب العالمية الثانية كانت:

  • معاهدة فرساي القاسية
  • الأزمة الاقتصادية في الثلاثينيات
  • صعود الفاشية
  • إعادة تسلح ألمانيا
  • عبادة أدولف هتلر
  • سياسة الترضية من قبل القُوَى الغربية
  • معاهدات المنفعة المتبادلة بين دول المحور
  • انعدام المعاهدات بين الحلفاء
  • التوسع الإقليمي لألمانيا وإيطاليا واليابان
  • معاهدة عدم الاعتداء بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي
  • غزو بولندا في سبتمبر 1939م
  • الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربور البحرية الأمريكية

معاهدة فرساي

هُزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وفرض المنتصرون شروطًا قاسية لضمان استرداد بعض تكاليف الحرب ومنع ألمانيا من أن تصبح تهديدًا مستقبليًا، لم يكن المنتصرون في مِزَاج يسمح لهم بالتساهل؛ نظراً لتضرر الاقتصادات والشعوب الأوروبية بشدة من جرّاءِ الحرب، ولأن ألمانيا كانت على وشك الانتصار وصناعتها كانت لا تزل سليمة. ظلت ألمانيا دولة تُنذِرُ بالخطر، ومع ذلك، لم ترغب بريطانيا وفرنسا في تسوية عقابية تمامًا، لأن ذلك قد يؤدي إلى استمرار الاستياء ويجعل ألمانيا غير قادرة على أن تصبح سوقًا قيّمًا للصادرات.

كان على ألمانيا أن تتحمل المسؤولية الكاملة، أي الذنب، عن اندلاع الحرب العالمية الأولى.

حُدِّدَت شروط السلام في معاهدة فرساي، التي وقعتها جميع الأطراف باستثناء الاتحاد السوفيتي في 28 يونيو 1919م. يجب نزع السلاح من منطقة الراينلاند لتكون منطقة عازلة بين ألمانيا وفرنسا. نُزِعت جميع المستعمرات وإقليم السار - وهي منطقة غنية بالفحم في غرب ألمانيا - من سلطة ألمانيا، كما حصلت بولندا على المنطقة الصناعية في سيليزيا العليا ومنفذ إلى البحر، والذي شمل منطقة دانتسيغ (Gdánsk) وقطع شرق بروسيا عن بقية ألمانيا. استعادت فرنسا منطقتي الألزَس واللورين، كما اضطرت ألمانيا إلى دفع تعويضات حرب لفرنسا وبلجيكا، وفُرضت قيود على القوات المسلحة الألمانية؛ فلم يُسمح لها ببناء دبابات أو طائرات أو غواصات أو سفن حربية. أخيرًا، كان على ألمانيا أن تتحمل المسؤولية الكاملة، أي الذنب، عن بَدْء الحرب. عَدّ العديد من الألمان شروط السلام مهينة إلى حد بعيد.

أسست تلك التسوية تسع بلدان جديدة في أوروبا الشرقية، وهو ما شكل وصفة لعدم الاستقرار لأن جميعها كانت تتنازع على حدودها، والعديد منها كان يضم أقليات كبيرة تدعي أنها جزء من بلد آخر. نظرت ألمانيا وإيطاليا وروسيا - التي عادت إلى قوتها بعد التكاليف الباهظة للحرب العالمية الأولى - إلى هذه الدول الناشئة بحسد إمبريالي.

Newspaper Front Page Declaring the Signing of the Treaty of Versailles
صفحة أولى من صحيفة تعلن توقيع معاهدة فرساي. Kallen2021 (CC BY-SA)

وقعت ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي، على معاهدتين مهمتين؛ ضمنت معاهدة لوكارنو عام 1925م حدود ألمانيا الغربية، لكنها سمحت ببعض التغييرات في الشرق. وقعت 56 دولة على ميثاق كيلوغ – برييان لعام 1928م، وتعهدت جميع القُوَى العظمى بعدم استخدام الوسائل العسكرية في سياستها الخارجية. خُفِّضَتِ تعويضات ألمانيا المنصوص عليها في معاهدة فرساي من 6.6 مليون جنيه إسترليني إلى 2 مليون جنيه إسترليني، في عام 1929م، ثم ألغيت التعويضات بالكامل، في عام 1932م. كان كل هذا واعدًا للغاية، لكن خلال الثلاثينيات، بدأت شبكة الدبلوماسية الأوروبية المعقدة تتفكك بسرعة في ظل مناخ من التدهور الاقتصادي.

الأزمة الاقتصادية

أدى الكساد الكبير، الذي اندلع بسبب انهيار سوق الأوراق المالية في وول ستريت عام 1929م، إلى أزمة في العديد من الاقتصادات خلال الثلاثينيات؛ حيث حدث انهيار في التجارة العالمية، والأسعار، والتوظيف؛ ففي ألمانيا عام 1923م، حدث تضخم مفرط، مما جعل المدخرات عديمة القيمة، وهي ضربة لم تنسها الطبقة الوسطى الألمانية أبدًا. توقفت القروض المنتظمة من الولايات المتحدة (خُطَّة دوز)، التي كان الاقتصاد الألماني يعتمد عليها. سادت مواقف عدائية بين العديد من الدول مع انهيار التجارة الدولية. اتبعت الولايات المتحدة الأمريكية، أهم مقرض مالي في العالم، سياسة انعزالية. ركزت بريطانيا وفرنسا اهتمامهما على إمبراطوريتيهما فقط. أصبح سياسة الحماية والرسوم الجمركية هي القاعدة.

أصبحت ألمانيا مصممة على تحقيق الاكتفاء الذاتي وعدم الاعتماد على شركاء التجارة العالمية، وهي سياسة تتطلب الحصول على الموارد الطبيعية تأتي عن طريق الاحتلال العسكري، ورأت أن السبيل للخروج من الفوضى المالية هو إعادة التسلح على نطاق واسع، مما سيخلق فرص عمل في المصانع والقوات المسلحة. لم تقتصر هذه السياسة على تخزين الأسلحة فحسب، بل شملت أيضًا إنشاء اقتصاد موجه نحو الحرب الشاملة، حيث أُعطيت صناعة الأسلحة الأولوية من حيث الموارد، والطاقة، والمصانع، والعمال المهرة.

Adulation of Hitler, Bad Godesberg
تحية هتلر، باد غودسبيرغ Bundesarchiv, Bild 183-H12704 (CC BY-SA)

هتلر والحزب النازي

كانت الأحزاب القومية الفاشية تحقق نجاحًا كبيرًا في جميع أنحاء أوروبا. حكم بينيتو موسوليني (1883-1945) زعيم الحزب الفاشي، إيطاليا منذ عام 1922م، وبحلول عام 1939م، أصبح لإسبانيا حاكم فاشي هو الجنرال فرانكو (1892-1975م)، أما في ألمانيا، أصبح الحزب الفاشي الاشتراكي الوطني (الحزب النازي)، أكبر حزب بعد انتخابات يوليو ونوفمبر 1932م، تحت قبضة الزعيم أدولف هتلر (1889-1945م). كانت هناك أحزاب فاشية حتى في الديمقراطيات مثل بريطانيا. كان القادة الملهمين يحولون المشاعر القومية الشعبية إلى طريقة تفكير أكثر شرًا: الفاشية، بالرغم من أن الأحزاب الفاشية لم تكن متطابقة تمامًا في مختلف البلدان، إلا أنها كانت تشترك في بعض الأهداف الرئيسة. كان القادة الفاشيون يريدون السلطة المطلقة، ولتحقيق هذا النظام الجديد، ركزوا على "الرُضُوخ، والعداء للأجانب، والعنف الروتيني، وازدراء الضعفاء، والكراهية الشديدة للآراء المخالفة" (دير، 274). اكتسبت الأحزاب الفاشية شعبية في بدايتها باعتبارها معارضة للشيوعية، التي كان الكثيرون ينظرون إليها على أنها تهديد منذ الثورة الروسية عام 1917م، وفعلًا، في الدول الغربية، حالت الشكوك العميقة تجاه الشيوعية دون تشكيل تحالف سياسي وعسكري قوي مع الاتحاد السوفيتي، وهو ما كان من الممكن أن يؤدي في النهاية إلى تجنب الحرب.

كان السماح لألمانيا بإعادة التسلح جزءًا من سياسة الاسترضاء.

وعد هتلر بالانتقام من الإذلال الذي تعرضت له ألمانيا في معاهدة فرساي وبإعادة ألمانيا إلى عظمتها. اعتقد العديد من الألمان أنهم تعرضوا للخيانة من قبل القيادة العليا للجيش في الحرب العالمية الأولى، وكانوا قد سئموا من سلسلة الحكومات الائتلافية غير الفعالة التي توالت منذ الحرب. قدم هتلر، الذي لم تكن له صلات بالنخبة القائمة، بداية جديدة، والأهم من ذلك، وعد بخلق فرص عمل وتوفير الخبز في عصر كانت فيها معدلات البطالة والفقر مرتفعة للغاية. وعد الحزب النازي باقتصاد حَرَكِيّ يدعم التوسع الألماني، الذي كان يُنظر إليه على أنه مسعى مجيد، مع الترويج لفضائل الحرب. دعت النازية إلى توفير Lebensraum (مساحة العيش) للشعب الألماني – أراضٍ جديدة يمكنهم أن يزدهروا فيها. حددت النازية أعداءها الداخليين الرئيسين وهم: اليهود، والسلاف، والشيوعيون، والنقابيون، وجميعهم أشخاص كانوا يعيقون ألمانيا عن تحقيق كامل إمكاناتها، كما ادعى النازيون. دعت النازية إلى صراع دُوَليّ حيث يمكن للألمان تحقيق مصيرهم وإثبات أنهم العرق المتفوق. كانت هذه الأفكار، التي لم تكن أي منها جديدة تمامًا، تعني حتمية الحرب. قد يكون القول بأن الأنظمة الشمولية تحتاج إلى الحروب والديمقراطيات الليبرالية تحتاج إلى السلام لتزدهر قولًا مبسطًا، ولكنه صحيح إلى حد ما. وعد هتلر بأن الرايخ الثالث الجديد سيستمر لألف عام، وباستخدام الدعاية والعروض والقمع الوحشي للأفكار البديلة، صدقه الكثيرون لأنه استغل ببراعة الآراء السائدة منذ زمن طويل في ألمانيا والنمسا، وكما يقول ف. ماكدونو: "كان هتلر عازفًا على أنغام قديمة مصحوبة بآلات حديثة." (93)

دعا الرئيس الألماني باول فون هيندنبرغ (1847-1934)، في يناير 1933م - بعد أن استنفد جميع الخيارات الأخرى - هتلر لتولي منصب المستشار. بدأ هتلر بعد أن سحق أي معارضة منهجية، في تنفيذ سياساته الداخلية وإقامة نظام شمولي، وهو كل ما كتبه في كتابه "كفاحي" (Mein Kampf) عام 1924م. دمج هتلر فعليًا منصبي الرئيس والمستشار وأعلن نفسه زعيم ألمانيا أو الفوهرر، بعد توفي هيندنبرغ في أغسطس 1934م. أصبح هتلر هو الدولة، وكل ما كان مطلوبًا منه الآن لتحقيق حلمه المستحيل هو إعادة تسليح ألمانيا.

Bismarck at Sea
المدمرة بسمارك في البحر Bundesarchiv, Bild 193-04-1-26 (CC BY-SA)

إعادة تسلح ألمانيا

كان هتلر مصممًا على إعادة بناء القوات المسلحة للبلاد. تسارعت وتيرة إعادة التسلح بالرغم من قيود معاهدة فرساي، التي خرقها هتلر رسميًا في مارس 1935م. تضاعف الجيش فعلًا أربع أضعاف الحجم المسموح به، مما اضطر القُوَى الغربية، في النهاية إلى اتباع سياسة الحدّ من الخسائر؛ وُقِّعَت الاتفاقية البحرية الأنجلو-ألمانية، في يونيو 1935م، التي حددت قوة البحرية الألمانية بنسبة 35٪ من قوة البحرية الملكية البريطانية وسمحت لهتلر ببناء سفن عملاقة جديدة مثل: البارجة بسمارك.

كان على جميع أفراد القوات المسلحة أن يقسموا الولاء لهتلر شخصيًا، في مثال آخر على عبادة أدولف هتلر. حققت ألمانيا عمالة شبه كاملة بحلول عام 1938م، بفضل إعادة التسلح، وبذلك أوفى هتلر بوعوده للشعب الألماني، لكن آلة الحرب الألمانية الجديدة جاءت بتكلفة باهظة؛ فإعادة التسلح استلزمت استيراد كميات هائلة من المواد الخام، التي لم يكن من الممكن شراؤها لفترة أطول، حيث انقلبت ميزان المدفوعات الألماني منذ عام 1939م. بدا احتلال الأراضي التي توجد فيها هذه الموارد حلًا بسيطًا للمشكلة. كان لألمانيا مزيّة حاسمة على أعدائها في مجال التسلح، لكن هذه الحالة لم تدم طويلًا؛ بالنسبة لهتلر، حان وقت شن الهجوم.

سياسة الاسترضاء

كن السماح لألمانيا بإعادة التسلح جزءًا من سياسة الاسترضاء: تقديم تنازلات معقولة لتجنب كارثة الحرب الشاملة، لم تكن سياسة الاسترضاء، التي اتبعتها بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، تعني السلام بأي ثمن، ولكن المشكلة في هذه السياسة هي أنها أعطت، خطوة بخطوة، القُوَى العدوانية انطباعًا بأن استمرار عدوانها قد لا يؤدي بالضرورة إلى حرب أوسع نطاقًا، ولمراجعة هذه الخطوات، يجب أن ننظر إلى السياسة العالمية في أوائل الثلاثينيات.

League of Nations Cartoon
كاريكاتير عن عصبة الأمم Leonard Raven-Hill (Public Domain)

تأسست عصبة الأمم (سلف الأمم المتحدة الحالية) بعد الحرب العالمية الأولى لضمان تسوية النزاعات الدولية والحفاظ على السلام العالمي، وبالرغم من أن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (الذي تولى منصبه في الفترة 1913-1921م) أدّى دورًا أساسيًا في تشكيل العصبة، إلا أن الولايات المتحدة لم تنضم إليها أبدًا، مما أضعف المنظمة بشكل محفوف بالخطر. انضمت ألمانيا إلى المنظمة في عام 1926م، لكنها انسحبت منها في عام 1933م، وتبعتها اليابان في العام نفسه. أثبتت عصبة الأمم عجزها التام عن تحقيق أهدافها، كما اتضح بشكل صارخ من إخفاقها في منع غزو اليابان لمنشوريا في سبتمبر 1931م وغزو إيطاليا للحبشة (إثيوبيا) في أكتوبر 1935م. لا شك أن هتلر راقب هذه الأحداث وغياب أي رد عسكري من جانب العصبة باهتمام خاص، حيث كان يستعد لتوسيع حدود ألمانيا بعد تجديد قواته المسلحة.

اتبع هتلر بين عامي 1933م إلى عام 1935م، سياسة خارجية غامضة، حيث كان يوعد أحيانًا بأن نواياه سلمية، مما تسبب في إرباك الرأي العام بخدعه الدبلوماسية، مثل: معاهدة السلام مع بولندا في يناير 1934م، وتصريحه في وقت لاحق من نفس العام بأنه لا ينوي ضم النمسا إلى الرايخ، ثم، اعتبارًا من عام 1935م، أصبحت خططه أكثر وضوحًا، حتى وإن كان بعض المؤرخين يؤكدون أن الفوهرر لم يكن لديه أي خطط على الإطلاق، بل كان يقتنص الفرص التي يتيحها له أعداؤه؛ يدعي بعض المؤرخين أن هتلر لم يكن حرًا تمامًا في التصرف كما يشاء، بسبب القيود المفروضة عليه داخل الحزب النازي الذي كان يعاني من الفوضى والتفرق.

أُعيد توحيد إقليم السار مع ألمانيا في مارس 1935م، بعد إجراء استفتاء، وفي نفس العام، أُعلِنَ عن التجنيد الإجباري، وفي مارس 1936م، احتلت ألمانيا منطقة الراينلاند، وفي أكتوبر، أصبحت ألمانيا وإيطاليا حليفتين رسميتين في محور روما-برلين، وفي نوفمبر 1936م، وقعت إيطاليا وألمانيا (ثم اليابان لاحقًا) على حلف مناهضة الكومينترن (الدول الشيوعية)، وهو معاهدة للتعاون المتبادل في بناء إمبراطورية وتشكيل جبهة موحدة ضد الشيوعية، وفي مارس 1938م، حقق هتلر الانضمام، وهو التوحيد الرسمي لألمانيا والنمسا. شجع انعدام رد قوي من عصبة الأمم، احتلال هتلر لمنطقة السوديت، وهي المنطقة الصناعية في تشيكوسلوفاكيا التي تشترك في حدود مع ألمانيا، بحجة أن الأقلية الألمانية هناك تتعرض للقمع، مرة أخرى، لم تقم القُوَى الغربية بأي رد عسكري، بالرغم من توقيع فرنسا والاتحاد السوفيتي على معاهدة مساعدة مع التشيك. وُقِّعَت اتفاقية ميونيخ في سبتمبر 1938م بين ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، التي قبلت الحدود الجديدة الموسعة لألمانيا. لم يُدْعَى الاتحاد السوفيتي، وهي فرصة ضائعة وأخيرة لتقديم جبهة موحدة ضد الفاشية - ربما كان هذا هو الثمن الحقيقي لاتباع سياسة الاسترضاء واستبعاد أي استراتيجيات أخرى ممكنة. أعلن رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين (الذي شغل المنصب من 1937 إلى 1940م)، وهو يلوح أمام الصحفيين بورقة وقعها هتلر، بثقة أنه حقق "سلامًا بشرف" (دير، 597) وأننا نتمتع الآن بـ"سلام في عصرنا" (ماكدونو، 121). رُشِّحَ تشامبرلين لجائزة نوبل للسلام في ذلك العام.

Chamberlain, Daladier, Hitler, & Mussolini, Munich 1938
تشامبرلين، ودالادييه، وهتلر، وموسوليني، ميونيخ 1938 Bundesarchiv, Bild 183-R69173 (CC BY-SA)

لماذا قامت بريطانيا وفرنسا باسترضاء هتلر؟ كان الاسترضاء سياسة جذابة للقادة الغربيين، حيث كانت فظائع الحرب الأخيرة لا تزل حاضرة في أذهان الجميع. كانت فرنسا، على وجه الخصوص، ضعيفة سياسيًا في هذه الفترة، حيث شهدت 16 حكومة ائتلافية خلال الثلاثينيات. خشيت بريطانيا من فقدان إمبراطوريتها إذا ما أضعفتها حرب كبيرة أخرى. كان الرأي العام في بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، معارضًا بشدة للحرب وإعادة التسلح، علاوة على ذلك، لم يكن من المؤكد على الإطلاق أن هتلر سيواصل توسيع حدود ألمانيا؛ حيث وعد مؤكدًا أنه لا يطمح إلى أكثر من استعادة ألمانيا لأراضيها السابقة قبل الحرب العالمية الأولى. أخيرًا، فإن سياسة التهدئة، حتى لو لم يُعتقد فعليًا أنها سياسة لها أي فرصة للنجاح، فقد كسبت وقتًا حاسمًا للقوى الغربية لتتبع خُطا ألمانيا وتعيد تسلح نفسها. كانت هناك في بريطانيا وفرنسا، أيضًا جماعات ضغط قوية عَدّت إعادة التسلح مضيعة للموارد في أوقات الاضطراب الاقتصادي، وأشارت إلى أن ألمانيا كانت خامس أكبر عميل لبريطانيا في صادراتها. أظهرت الأحداث اللاحقة أن سياسة الاسترضاء كانت حماقة، حيث كان هتلر عازمًا على احتلال أكبر قدر ممكن من أوروبا، وأثبت سجله في خرق المعاهدات أن التفاوض معه عديم الجدوى، ربما كان الحفاظ على الصناعة الثقيلة التشيكية بعيدًا عن أيدي الألمان سببًا أفضل لخوض الحرب من الغزو اللاحق لبولندا، لكن بريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفيتي، لم يكونوا على استعداد للحرب في ذلك الوقت. لم تبدأ هذه البلدان في بناء اقتصادات موجهة للحرب بشكل جدي إلا في عام 1939م.

غزو بولندا

قامت ألمانيا وإيطاليا في عام 1939م، بمزيد من الأنشطة الهامة في سعيهما لاحتلال المزيد والمزيد من أوروبا. ضمت ألمانيا في مارس 1939م، بقية تشيكوسلوفاكيا وإقليم ميمل (جزء من ليتوانيا) إلى الرايخ الثالث، وبسبب الرعب المتزايد من هجمات النازيين على اليهود الألمان، بدأت القُوَى الغربية تتساءل عما إذا كان التفاوض مع هذا النظام يمكن أن يكون مبررًا من الناحية الأخلاقية، وأخيراً انتهى عهد الاسترضاء.

وعدت بريطانيا وفرنسا في 31 مارس، بضمان حدود بولندا، وفي أبريل، توسع هذا الضمان ليشمل رومانيَا، كما بدأت تركيا واليونان محادثات مع بريطانيا وفرنسا بشأن الحماية المتبادلة. أخيرًا، أدرك قادة بريطانيا وفرنسا أن الفاشيين عازمون على التوسع الإقليمي بأي ثمن. كانت هناك فعلًا حرب أهلية قائمة، وهي الحرب الأهلية الإسبانية 1936-1939م، التي شارك فيها بشكل مباشر الجيش الألماني والإيطالي من جهة والمساعدات السوفيتية من جهة أخرى. احتلت إيطاليا في أبريل، ألبانيا، وفي نهاية الشهر نفسه، نبذ هتلر الاتفاقية البحرية الأنجلو-ألمانية، وفي مايو 1939م، وقعت إيطاليا وألمانيا تحالفًا عسكريًا، "حلف الصلب".

أبرمت ألمانيا في أغسطس 1939م، معاهدة عدم اعتداء مع الاتحاد السوفيتي، وهي معاهدة مولوتوف-ريبنتروب (المعاهدة النازية-السوفيتية)، التي سميت على اسم وزيري خارجية كل دولة. كان الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين (1878-1953م) يدرك بشكل متزايد أن بريطانيا وفرنسا تبدوان مستعدتين تمامًا لإرضاء هتلر طالمَا أنه يتحرك شرقًا في اتجاهه. لم تتحقق إمكانية "الأمن الجماعي" (تعاون بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي) بسبب انعدام الثقة بين الأطراف، على النقيض من ذلك، سمح الميثاق النازي السوفيتي لستالين بالاستيلاء على شرق بولندا وإبقاء الاتحاد السوفيتي خارج الحرب لفترة من الوقت، مما أكسبه وقتًا ثمينًا لإعادة التسلح، وربما أيضًا أن إمكانية قيام ألمانيا بشن حرب في الغرب فقط ضد بريطانيا وفرنسا –"الشيك على بياض" الذي قدمه ستالين لهتلر - من شأنه إضعاف الدول الثلاث بما يكفي بحيث لا تتمكن من تهديد الاتحاد السوفيتي.

Explosion of USS Shaw, Pearl Harbour
تفجير المدمرة يو إس إس شو، بيرل هاربر Unknown Photographer (Public Domain)

كانت أوروبا عبارة عن بِرْمِيل بارود ينتظر شرارة واحدة لتفجيره وإشعال الحرب. جاءت الشرارة سريعًا مع غزو ألمانيا لبولندا في الأول من سبتمبر 1939م، في اليوم التالي، حذر تشامبرلين هتلر من أن الحرب ستندلع إذا لم تنسحب ألمانيا، تجاهل هتلر الإنذار، في 3 سبتمبر، أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا من أجل حماية الدول الحرة والمستقلة. ظلت إيطاليا - التي كانت تنتظر في الكواليس لترى ما قد يحدث لمصلحتها - محايدة في الوقت الحالي، كما انتظر العالم بفارغ الصبر ليرى ما سيحدث بعد ذلك. كان الجواب غير المتوقع هو لا شيء على الإطلاق.

الحرب العالمية

استمرت "الحرب المزيفة"، التي لم يتواجه فيها الحلفاء وقوى المحور بشكل مباشر، حتى أبريل 1940م عندما غزت ألمانيا النرويج. غزت ألمانيا في مايو، البلدان المنخفضة وفرنسا. أثبتت ألمانيا أنها لا يمكن إيقافها، وبحلول نهاية يونيو، سقطت فرنسا، في أكتوبر، غزت إيطاليا اليونان. في عام 1941م، احتلت ألمانيا يوغوسلافيا. بقيت بريطانيا وحدها تقاتل من أجل البقاء حتى غزا هتلر الاتحاد السوفيتي في يونيو 1941م (عملية بارباروسا).

أصبحت الحرب صراعًا عالميًا عندما هاجمت اليابان الأسطول البحري الأمريكي في بيرل هاربور، هاواي، في 7 ديسمبر 1941م. غزت اليابان فعلًا شرق الصين بسبب قلقها من صعود القومية الصينية، ثم احتلت معظم جَنُوب شرق آسيا بحثًا عن المجد الإمبراطوري والموارد الطبيعية، ولا سيما النفط، الذي كان استيراده مقيدًا بحظر أمريكي، ربما كانت اليابان تأمل في أن تمنع الأحداث في أوروبا أي رد فعل مباشر ضدها، لكن الولايات المتحدة انضمت في النهاية إلى الصراع. لم يتحقق السلام إلا بعد أن عانى العالم أربع سنوات أخرى طويلة ومريرة من الحرب.

أسئلة وأجوبة

ما هي الأسباب الثلاثة الرئيسية للحرب العالمية الثانية؟

الأسباب الثلاثة الرئيسة للحرب العالمية الثانية هي: 1. التوسع الإقليمي العدواني من قبل ألمانيا واليابان وإيطاليا. 2. سياسة الاسترضاء التي اتبعتها دول الحلفاء. 3. قرار ستالين بالتحالف مع ألمانيا.

أي حدث أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية؟

كان غزو ألمانيا لبولندا في 1 سبتمبر 1939، الحدث الذي أدى رسمياً إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية

لماذا لم يوقف الحلفاء هتلر في وقت أبكر مما فعلوا؟

لم يفعل الحلفاء (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية) شيئًا لوقف هتلر قبل غزوه لبولندا لأنهم اعتقدوا أن بعض مظالمه كانت مبررة، وأرادوا تجنب حرب عالمية أخرى، ولم يكونوا مستعدين للحرب من حيث قواتهم المسلحة وإنتاج الأسلحة.

نبذة عن المترجم

Mahmoud Ismael
معلم تاريخ، ودراسات اجتماعية، حاصل على ليسانس الأداب، تخصص تاريخ، ومهتم بترجمة المقالات والأبحاث التاريخية.

نبذة عن الكاتب

Mark Cartwright
مارك كاتب وباحث ومؤرخ ومحرر متفرغ. يهتم بالفنون والعمارة وباكتشاف الأفكار والمفاهيم مشتركة بين الحضارات. حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة السياسية ويشغل منصب مدير النشر في موسوعة تاريخ العالم.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Cartwright, M. (2025, July 14). أسباب الحرب العالمية الثانية. (M. Ismael, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2409/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Cartwright, Mark. "أسباب الحرب العالمية الثانية." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, July 14, 2025. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2409/.

التوثيق بنمط MLA

Cartwright, Mark. "أسباب الحرب العالمية الثانية." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, 14 Jul 2025, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2409/.

إزالة الإعلانات