كان مارتن لوثر (1483-1546م) قسًا، وراهبًا، ولاهوتيًا ألمانيًا، أصبح الشخصية المركزية في الحركة الدينية، والثقافية المعروفة باسم الإصلاح البروتستانتي، وبالرغم من تعبير المصلحين السابقين عن آراء لوثر، إلا أن شخصيته الفاتنة، واستخدامه الفعال للطباعة شجعا على قَبُول رؤيته للمسيحية على نطاق واسع.
وُلد مارتن لوثر لوالدين من الطبقة الدنيا، كانا يأملان أن يصبح محاميًا، لكن إصراره على تعريف الحقائق التي لا يمكن دحضها، إلى جانب طلبه للمساعدة الإلهية خلال عاصفة، دفعه إلى أن يصبح راهبًا أوغسطينياً. كان لوثر كاهنًا متدينًا - وإن كان مضطربًا - في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في فيتنبرغ، ألمانيا، إلى أن دفعه غضبه من سياسة الكنيسة، ولا سيما بيع صكوك الغفران، إلى التشكيك في سلطة الكنيسة.
لم يكن لوثر ينوي في البداية تحدي هيكل الكنيسة أو البابا؛ حيث كانت أطروحات مارتن لوثر الـ 95 لعام 1517م دعوة لمناقشة سياسات، وممارسات الكنيسة التي وجدها مزعجة وغير كتابية. كان الوثيقة الأصلية، المكتوبة باللاتينية، موجهة إلى الجَمهور الكنسي، ولكنها تُرجمت إلى الألمانية من قبل أصدقائه ومؤيديه، وبفضل ظهور المِطْبَعَة حوالي عام 1440م، انتشرت الأطروحات في جميع أنحاء ألمانيا وصولًا إلى دول أخرى، مما أشعل شرارة الإصلاح البروتستانتي.
الطفولة والنذر
ولد لوثر في إيسليبن، ألمانيا الحالية، عام 1483م، وهي منطقة كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية الرومانية المقدسة. كان والداه من الطبقة العليا من الفلاحين، حيث لم يكن والده مرتبطًا بالأرض كفلاح، بل كان يمتلك عددًا من مناجم النحاس. يعلق الباحث رولاند هـ. بينتون قائلًا:
"كان والده، هانز لوثر، ووالدته، مارغريتا، من [الفلاحين] الألمان القويين، القصيرين، ذوي البَشَرَة الداكنة، ولم يكونوا في الواقع يعملون في زراعة الأرض لأن هانز، بصفته ابنًا بلا ميراث، انتقل من المزرعة إلى المناجم. ازدهر في أعماق الأرض، بمساعدة القديسة آن، شفيعة عمال المناجم، حتى أصبح مالكًا لستة مَسابِك؛ ومع ذلك، لم يكن فاحش الثراء، فكان علي زوجته أن تذهب إلى الغابة وتجلب الحطب إلى المنزل. كانت أجواء الأسرة تشبه أجواء الفلاحين: قاسية، خشنة، فظة أحيانًا، ساذجة، ومتدينة. كان هانز العجوز يصلي بجانب ابنه، وكانت مارغريتا امرأة صالحة." (10-11)
كان لوثر الأكبر بين عدد من الأطفال، وحرص والده على أن يتلقى تعليمًا جيدًا حتى يصبح محاميًا، ويرتقي في السلم الاجتماعي إلى مكانة أكثر راحة. تلقى لوثر تعليمه الأول في ماغدبورغ وإيزناخ، قبل أن يلتحق بجامعة إرفورت في عام 1501م في عمر السابعة عشر، ووفقًا لكتاباته اللاحقة، واجه صعوبات في دراسته وترك برنامَج القانون، معتقدًا أنه لا معنى له في نهاية المطاف.
قاد بحث لوثر عن معنى ملموس وثابت، للحياة، إلى الفلسفة، لكنه وجدها غير مرضية بنفس القدر، لاعتمادها على العقل البشري، وتفسير الظروف المتغيرة التي لا يمكن الوثوق بها، كما شعر، أن التفكير العقلي مَعِيب لأن البشر بالضرورة تحت رحمة التفسيرات الذاتية لتجاربهم. كان يؤمن بأن الله هو الحقيقة المطلقة، لكنه لم يكن لديه أي فكرة عن كيفية السعي إلى تحقيق أي تواصل ذي مغزى أو دائم. تربى لوثر على الخوف من الله باعتباره قاضيًا صارمًا لا يرحم، ولم يكن بإمكانه تصور أي صورة أخرى للإله.
هبت عاصفة في يوليو 1505م، عندما كان لوثر عائدًا إلى الجامعة على الطريق، وضربت صاعقة شجرة قريبة. خاف لوثر وصرخ: "أيتها القديسة آن، ساعديني! وسأصبح راهبًا!" (بينتون، 5). عدّ هذا نذرًا رسميًا، وعند وصوله إلى الجامعة، باع كتبه وترك الدراسة، ودخل دير القديس أوغسطين في نفس الشهر في 17 يوليو 1505م، مما أثار استياء والده.
الأزمة الروحية والوحي
أخذ لوثر نذره للقديسة آن على محمل الجِدّ لخوفه من الموت، وعدّ أن القديسة أنقذت حياته في يوم العاصفة. كان خوفه من الموت نابعًا مباشرة من فهمه لله ككائن إلهي، قادر وعالم بكل شيء، يرى ما في قلوب الناس ويعاقبهم على أخطائهم، وإدراكًا منه لكونه إنسانًا مليئًا بالعيوب، لم ير لوثر أي طريق نحو مغفرة الله أو الحياة بعد الموت في الجنة، ولم يستطع إلا أن يتخيل عذاب الجحيم الأبدي.
كرّس لوثر نفسه لانضباط صارم في الصلاة، والصوم، والاعتراف المستمر بالخطايا، ودراسة الكتاب المقدس، لكنه لم يستطع أن يتصور وجود إله محب يمنح المغفرة. كتب لوثر لاحقًا عن رؤيته لله في ذلك الوقت:
"أليس منافيًا لكل منطق طبيعي أن الله، لمجرد نزوة منه، يتخلى عن البشر ويقسّي قلوبهم ويلعنهم، كما لو كان يستمتع بالخطايا وبعذاب البائسين إلى الأبد، وهو الذي يقال عنه إنه رحيم وخيّر؟ يبدو هذا ظالمًا وقاسيًا ولا يطاق من الله، مما أدى إلى إهانة الكثيرين في جميع العصور، ومن لا يشعر بالإهانة؟ لقد دفعتني هذه الفكرة أكثر من مرة إلى هاوية اليأس العميقة لدرجة أنني تمنيت لو لم أكن مخلوقًا. أحب الله؟ كنت أكرهه!" (بينتون، 44)
اشتكى لوثر لمعلمه چوهان ڤون ستاوپيتز من معاناته، متوقعًا ربما أن يعفيه من الرهبنة، ولكن ستاوپيتز طلب منه بدلًا من ذلك أن يكمل درجة الدكتوراه ويخلفه في كرسي ستاوپيتز للدراسات الكتابية في جامعة فيتنبرغ. لم يقبل لوثر هذه النصيحة بسرور؛ بحجة أن هذا المسار سيقتله، لكن ستاوپيتز أكد له أنه إذا كان الأمر كذلك، فسيجد الكثير ليشغل به وقته في الجنة.
حصل لوثر على درجة الدكتوراه عام 1512م، وتولى منصب ستاوپيتز، وأصبح عضوًا في هيئة التدريس بالجامعة، وحوالي عام 1513م، توصل إلى إيحاء بشأن طبيعة الله خلال قراءته لرسالة القديس بولس إلى أهل روما. أثرت فيه بشدة الفِقْرة من رسالة بولس إلى أهل رومية 17:1 التي تقول، في جزء منها، "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا". كتب لاحقًا عن تلك اللحظة:
"فكرت ليل نهار حتى رأيت الصلة بين عدل الله والقول بأن "الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا"، عندها أدركت أن عدل الله هو البر الذي، عن طريق النعمة والرحمة المطلقة، يبررنا الله بالإيمان، عندها شعرت أنني ولدت من جديد ودخلت من الأبواب المفتوحة إلى الجنة. اكتسبت الكتب المقدسة بِرُمَّتها معنى جديدًا، فبينما كانت "عدالة الله" تملأني بالكراهية من قبل، أصبحت الآن حلوة بشكل لا يوصف، وحبًا أكبر. أصبح هذا المقطع من رسالة بولس بوابتي إلى السماء." (بينتون، 51)
أثرت هذه التجربة على لوثر وأقنعته بأولوية الكتاب المقدس على تعاليم الكنيسة، حيث لم تتمكن الكنيسة من تقديم أي شيء ذي مغزى له في التعامل مع صراعاته الروحية، في حين أن المقطع الكتابي فتح الطريق أمامه للتواصل الكامل مع الإلهي.
الخمسة والتسعين أطروحة
بدأ لوثر - بمجرد أن فهم طبيعة الله كما وردت في الكتاب المقدس - يشكك بجدية في الرؤية التي شجعتها الكنيسة في العصور الوسطى عن الله. إذا كان الإنسان ينال الخلاص بالإيمان وحده، كما كان يعتقد لوثر، فمَا الغرض من كل السياسات، والقواعد، والعشور التي فرضتها الكنيسة على المؤمنين؟ أين يوجد في الكتاب المقدس ذلك الدليل لتعاليم الكنيسة حول المطهر، تلك المنطقة الوسطى بين الجحيم والجنة حيث يُعذب خَطَأَة بالنار حتى يتطهروا من خطاياهم ويتمكنوا من دخول الجنة؟ بل وأين يوجد التبرير الكتابي لوجود البابا؟
أصبحت أسئلة لوثر أكثر إلحاحًا في عام 1516م، عندما طلب رئيس أساقفة ماينز، ألبرشت فون براندنبورغ، من البابا ليو العاشر السماح ببيع صكوك الغفران - وهي صكوك يُزعم أنها تقلل من مدة البقاء في المطهر - في منطقته. كان ألبرشت مثقلًا بالديون، في ذلك الوقت ووافق على تقاسم أموال صكوك الغفران مع ليو العاشر الذي كان بحاجة إلى أموال لإعادة بناء كاتدرائية القديس بطرس في روما. أرسل ليو العاشر الراهب الدومينيكي يوهان تتسل إلى المنطقة عام 1516، واعترض لوثر، الذي لم يكن على علم بالاتفاق الذي أبرمه رئيس الأساقفة والبابا، بكتابة "مناقشة حول سلطان وفعالية صكوك الغفران"، التي عُرفت لاحقًا باسم "الخمسة والتسعين أطروحة".
قام لوثر وفقًا للتقاليد، بتثبيت وثيقته على باب كنيسة فيتنبرغ في 31 أكتوبر 1517م، عشية عيد جميع القديسين، لكن الدراسات الحديثة تشكك في صحة هذا الادعاء. تُدُوولَت قصة لوثر وباب الكنيسة لاحقًا من قبل صديق لوثر وزميله فيليب ملانكتون (1497-1560م) الذي لم يكن موجودًا في فيتنبرغ في ذلك الوقت، ومع ذلك، يقر الباحثون بأن تثبيت حججه على باب الكنيسة هو نوع من الإيماءات الدرامية التي اشتهر بها لوثر. ترجم أتباع لوثر أطروحاته إلى الألمانية، وطبعوها، ووزعوها، مما أثار تحديات واسعة النطاق للسلطة الكنسية في ألمانيا، ثم تُرجمت وانتشرت في إنجلترا وفرنسا ومناطق أخرى.
لم تكن الـ 95 أطروحة مع ذلك، تهدف إلى تحدي الكنيسة بشكل مباشر، وهي إلى ذلك لم تكن شيئًا جديدًا، حيث عرض لوثر اعتراضاته على اللاهوت المدرسي، في 97 أطروحة قدمها قبل شهر واحد فقط في سبتمبر. لم تقترح الـــ 95 أطروحة، المكتوبة باللاتينية، سوى 95 "نقطة حديث" للمناقشة، لكنها أصبحت حافزًا للإصلاح بمجرد ترجمتها وتوزيعها لأنها شكلت، بالنسبة للناس، تحديًا لسلطة الكنيسة.
سواء نُشرت الـ 95 أطروحة على باب كنيسة فيتنبرغ أم لا، فقد أرسلها لوثر إلى ألبرشت فون براندنبورغ الذي فحصها للتأكد من عدم احتوائها على هرطقات، وأرسلها إلى روما، ثم أرسل البابا ليو العاشر عددًا من الوفود لإقناع لوثر بأنه مخطئ، خاصة فيمَا يتعلق بادعائه أن البابا يجب أن يمول بناء كاتدرائية القديس بطرس بدلاً من طلب المال من الفقراء. كان من بين أشهر المندوبين الكاردينال توماس كاييتان (1468-1534م) الذي حاول في أوغسبورغ عام 1518، إعادة لوثر إلى العقيدة الأرثوذكسية، دون جدوى،
كان من بين المندوبين المشهورين الآخرين اللاهوتي يوهان إيك (1486-1543م)، وهو صديق سابق للوثر، رأى خلال الجدال مع لوثر وزميله المصلح اندرياس كارلستادت (1486-1541م) في لايبزيغ عام 1519م، أنه في حالة انعدام سلطة مركزية تفسر الكتاب المقدس، فإن أي شخص يقرأه يمكنه تفسيره بنفسه، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى الفوضى لأن كل الناس ليسوا قادرون على فهم الكتاب المقدس بشكل صحيح. ادعى إيك أن الكنيسة تعتمد على تقليد علمي (نفس التقليد الذي اشتكى منه لوثر في سبتمبر 1517م) في تفسير الكتاب المقدس، مما يعني أن فهمها صحيح وأن ادعاءات لوثر بشأن التبرير بالإيمان خاطئة. رفض لوثر التراجع، وفي عام 1520م، أصدرت البابوية مرسوم "قُمْ يَا رَبُّ!" البابوي الذي هدد لوثر بالحرمان الكنسي، فرد لوثر بإحراقه علنًا في فيتنبرغ في ديسمبر من نفس العام.
مدينة فرميزة وقلعة فارتبورغ
حُرم لوثر كنسيًا في يناير 1521م، وأحيلت قضيته إلى السلطات العلمانية التي استدعته للمثول أمام مجلس فرميزة، وهي جلسة استماع في مدينة فرميزة. رأس الجَلسة الإمبراطور الروماني المقدس تشارلز الخامس، ومثّل الكنيسة يوهان إيك (ليس نفس الشخص المذكور أعلاه) الذي ضغط مرة أخرى على لوثر للتراجع عن آرائه. وعد فريدريك الثالث (الحكيم، 1463-1525م)، أحد نبلاء ساكسونيا الذين انتخبوا الإمبراطور، الذي كان متعاطفًا مع آراء لوثر، بتأمين مرور آمن له من وإلى جَلسة الاستماع.
رفض لوثر في 18 أبريل 1521م، التراجع عن آرائه، وألقى الخُطْبة الشهير الذي تضمن العبارات التالية:
"ما لم يُقنعوني بالبرهان من الكتاب المقدس أو من العقل الواضح (لأني لا أؤمن بالباباوات ولا بالمجامع وحدها، إذ ثبت أنها كثيرًا ما أخطأت وتناقضت)، فإني مرتبط بنصوص الكتاب المقدس التي استشهدت بها، وضميري أسير لكلمة الله. لا أستطيع أن أتراجع، ولا أريد أن أتراجع، لأن مخالفة الضمير ليست آمنة ولا سليمة. هكذا أقف، ولا أستطيع غير ذلك. فليعنّي الله. آمين." (روبر، 172)
قيل إن لوثر عندما انتهى من حديثه، رفع ذراعه في تحية تقليدية للفارس بعد فوزه في مباراة، وكما هو الحال مع الـ 95 أطروحة، يتحدى الباحثون المعاصرون إدراج العبارة الشهيرة "هكذا أقف" في خطاب مارتن لوثر في مجلس فرميزة، حيث إنها لا تظهر إلا في النصوص اللاحقة للجلسة، ولكن هذه العبارة مقبولة عمومًا على أنها أصلية.
أُدين لوثر باعتباره خارجًا عن القانون في 25 مايو 1521م، مما يعني أن أي شخص يقدم له المساعدة سيُحاكم، ويمكن قتله دون عواقب، وفي طريق عودته إلى فيتنبرغ من فرميزة، اختطفه جنود فريدريك الثالث، متنكرين في زي قطّاع طرق لتشتيت الشكوك، وأخذوه إلى قلعة فريدريك في فارتبورغ حيث حُمي. كتب لوثر خلال وجوده في فارتبورغ، بشكل مستمر تقريبًا وترجم العهد الجديد من اللاتينية إلى الألمانية، الذي سرعان ما أصبح من أكثر الكتب مبيعًا بفضل سرعة وكفاءة المِطْبَعَة.
ثورة الفلاحين
كانت المِطْبَعَة في الواقع، "السلاح السري" للوثر، الذي سمح له ليس فقط بنشر آرائه بسرعة، بل وأيضًا بنشر صور تظهره كشخصية بطولية و"رجل الشعب" الذي يتحدى السلطات التي كانت تحافظ على سياسات عدم المساواة وتبقي الشعب فقيرًا، لم يكن لدى من سبقوا لوثر من "المصلحين الأوائل" مثل حنا ويكليف من إنجلترا (1330-1384م) ويان هوس من بوهيميا (1369-1415م) إمكانية الوصول إلى هذا النوع من التقنية، حيث لم تكن المِطْبَعَة قد اخترعت بعد، وكان عليهم الاعتماد على الطباعة بالحفر على الخشب، التي كانت تستغرق وقتًا أطول وتنتج نصوصًا أقل جودة، في حين كانت المِطْبَعَة في عصر لوثر قادرة على إنتاج الكتيبات والملصقات والكتب وأي شيء آخر بسرعة، ثم تتاح بعد ذلك للجمهور.
كان بإمكان السكان الاستماع إلى قراءة هذه المواد لهم، بالرغم من أن معظمهم كانوا أُمِّيُّونَ، وأصبح لوثر بطلًا للشعب الذي بدأ، بتشجيع من القادة المحليين، في التمرد في فيتنبرغ، مما أدى إلى اندلاع حرب الفلاحين الألمان (1524-1525م) التي شجعها، جزئيًا، أحد المعجبين السابقين بلوثر الذي تحول إلى (عدو) له، توماس مونتسر، (1489-1525)، الذي كان يبشر بتفسير أخروي/صوفي للمسيحية. توقع الفلاحون أن يخرج لوثر لدعم قضيتهم، ولكنه بدلًا من ذلك، شجب العنف، مستشهدًا بالكتاب المقدس حول أهمية طاعة السلطة الزمنية، وأنهى الثورة في ثماني خطب ألقاها في فيتنبرغ.
غير لوثر في وقت لاحق، رأيه وشجع على مقاومة السلطة الظالمة، لكن في ذلك الوقت، كان يعتقد أنه يتبع ضميره والكتاب المقدس في إدانة العنف والحفاظ على الوضع الراهن، ومع ذلك، أشار النقاد إلى أنه ربما كان مدفوعًا بعلاقته مع فريدريك الثالث، الذي كانت أراضيه وثروته، وعلى هذا حماية لوثر، مهددة بالثورة. طرح مونتسر هذه التهمة في هجماته المكتوبة على لوثر بين عامي 1521م و1524م، كما طرحها كارلشتات الذي ألقى باللوم على لوثر لوقفه تقدم الإصلاح في فيتنبرغ بناءً على طلب فريدريك الثالث.
الزواج واللوثرية
تزوج لوثر في يونيو 1525م من كاترينا فون بورا (1499-1552م)، وهي راهبة سابقة كانت كتبت إلى لوثر في عام 1523م، تطلب مساعدته في تحريرها هي وبعض زميلاتها من الدير. رتب لوثر لتهريبهم في عربة محملة ببراميل الرِّنْجَة ووجد منازل مناسبة لجميع النساء باستثناء كاترينا، التي أرادت الزواج منه. توصل لوثر فعلًا إلى انعدام أساس كتابي لزواج رجال الدين، وبالرغم من شكوكه في البداية، فإنه مضى قدمًا في الزواج.
كان لوثر وكاترينا مقربين جدًا، وكان زواجهما مصدر إلهام لرجال الدين الآخرين ليحذوا حذوهما. تولت كاترينا إدارة أراضيهما، وأنجبت له ست أطفال، وساعدت لوثر في صياغة ما سيصبح لاحقًا المذهب اللوثري. انشغل لوثر، وكاترينا، وفيليب ملانكتون، وآخرون بين عام 1526م حتى وفات لوثر، بتنظيم وإدارة الكنيسة الجديدة، وركزوا على تثقيف الناس حتى يتمكنوا من تفسير النصوص المقدسة وفقًا لفهمهم الخاص.
كتب لوثر كتابه "التعليم الكبير" لتعليم الكهنة وكتابه "التعليم الصغير" للعلمانيين في عام 1529م، ونشر الكتاب المقدس كاملًا باللغة الألمانية في عام 1534م، كما كتب عددًا من التراتيل التي لا تزل شائعة حتى يومنا هذا (ما سيما نشيد الإصلاح ”A Mighty Fortress is Our God“)، وأعمالًا لاهوتية، وشارك في مناظرة ماربورغ، وهي محاولة لتوحيد الحركات البروتستانتية المختلفة في أوروبا، في هذه المناظرة، اختلف لوثر والمصلح السويسري هولدريخ تسفينغلي (1484-1531م) حول تفسيرهما للقداس، في حين ثبت أن الاختلافات الأخرى بين الطوائف البروتستانتية لا يمكن التغلب عليها، وتركت الطوائف المختلفة لتطور رؤاها الخاصة.
النتائج
توفي لوثر بالسكتة دماغية عن عمر يناهز 62 عامًا في 18 فبراير 1546م في مسقط رأسه إيسليبن، ودُفن أمام منبر كنيسة القلعة في فيتنبرغ، وهي نفس الكنيسة التي كان قد علق عليها الـــ 95 أطروحة قبل سنوات. كان لوثر عند وفاته، بطلًا عالميًا للطوائف البروتستانتية وشيطانًا لا يرحم بالنسبة للكاثوليك، الذين رأوا فيه وكيلًا للشيطان الذي كسر وحدة الكنيسة.
واجه لوثر انتقادات حتى بين معجبيه، حيث وُبِّخ بسبب طريقة تعامله مع فضيحة تورط فيها فيليب الأول ملك هسن، الذي نصحه لوثر بالكذب بشأن زواجه من امرأتين، وبسبب رفضه التوصل إلى تسوية مع قادة بروتستانتيين آخرين في ماربورغ. كان لوثر أيضًا معاديًا للسامية بشدة، حيث نشر عددًا من الأعمال التي تدين اليهود باعتبارهم ”الآخر“ وتكرس صورة اليهود على أنهم ”قتلة المسيح“ وشعب ساقط رفض نعمة الله.
بالرغم من تقديم العديد من العلماء المعاصرين لتبريرات لهذا الجانب من شخصيته، إلا أنه من المستحيل تفسير ذلك ببساطة على أن لوثر كان مجرد ”رجل من عصره“، حيث كان من الواضح أنه استثنائي في العديد من النواحي، ومع ذلك، استمرت بلاغته القوية ومهارته ككاتب في تشجيع معاداة السامية وجرائم الكراهيَة بعد وفاته؛ في الواقع، حظيت أعمال لوثر بإعجاب كبير من قبل الحزب النازي الألماني في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي، واستُخدمت لتبرير الإبادة الجماعية.
لاحظ صديقه ملانكتون عناده الشديد، ويبدو أن موقفه تجاه اليهودية كان من أعراض ذلك، فمتى اتخذ قرارًا ما، كان من غير المرجح أن يتراجع عنه (كما يتضح من رفضه لنظرية كوبرنيكوس حول مركزية الشمس في الكون). لا يوجد دليل على أنه تفاعل بشكل ملموس مع أي شخص يهودي، ومن المرجح أنه طور معاداته للسامية بالطريقة التي لا يزل الكثيرون يتبعونها اليوم، عن طريق عدم التشكيك أبدًا فيمَا يسمعونه عن أشخاص لم يلتقوا بهم قط.
هذا الجانب من شخصيته يتعارض مع رجل لم يخش التشكيك في تعاليم الكنيسة، التي ادعت أنها تمتلك مفاتيح الجنة والنار، ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم روايات عن العديد من النساء والرجال العظماء الذين، على الرغم من إنجازاتهم، كانوا معيبين بدرجات متفاوتة، ومارتن لوثر ليس استثناءً.
