مصر البطلمية

Arienne King
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF
Map of Ptolemaic Egypt c. 240 BCE (by Simeon Netchev, CC BY-NC-ND)
خريطة مصر البطلمية حوالي 240 ق.م Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

أصبحت مصر دولة بطلمية بين عامي (323 و30 ق.م)، تحت حكم البطالمة المقدونيين. تغير المجتمع المصري أثناء عصر البطالمة؛ مع دخول المهاجرين اليونانيين الذين أدخلوا لغة، وآلهة دينية، وأسلوب حياة جديد إلى مصر. أصبحت الإسكندرية، عاصمة البطالمة، المدينة الأولى في العالم الهلنستي، واشتهرت بمكتبتها الكبرى ومنارة فاروس.

من الحكم الفارسي إلى الإسكندر

غزت الإمبراطورية الأخمينية مصر في عام 525 ق.م، مما أدى إلى بَدْء حِقْبَة من الحكم الأجنبي القاسي والقمع الثقافي، ثم استعادت مصر استقلالها لفترة وجيزة من عام 404 ق.م حتى عام 342 ق.م قبل أن تغُزِيَ مرة أخرى. أدى الاستياء من الحكومة الفارسية إلى ترحيب المصريين بالإسكندر الأكبر كمحرر حين غزا البلاد عام 332 ق.م. هزم الإسكندر الجيش الفارسي فعلًا في معركة إسوس (333 ق.م)، واستسلم مازيسيز، حاكم مصر، دون قتال.

أظهر الإسكندر احترامًا عميقًا للثقافة المصرية، واختار أن يتوج فرعونًا وفقًا للعادات التقليدية، بل وقدم القرابين للآلهة المصرية في هليوبوليس ومنف، واستضاف ألعابًا رياضية يونانية للاحتفال بحكمه، بعد ذلك، سافر جنوبًا إلى عرافة آمون، في واحة سيوة، الذي كان اليونانيون يعادلونه بزيوس. كان الإسكندر يعتقد أنه ابن زيوس، وهو ما أكدته له العرافة على ما يبدو. كان لهذه الفكرة سابقة في العقيدة الملكية المصرية، حيث كان يُنظر إلى الملوك على أنهم آلهة حية، أبناء آلهة مثل: رع أو آمون. كان هذا ادعاءً غريب بالنسبة للحكام اليونانيين، لكن سمعة الإسكندر كانت كبيرة بما يكفي لكي يقبله اليونانيون كنصف إله.

"سيشمل تصميم الإسكندر الكبير تدريجيًا فكرة أن جميع الشعوب يجب أن تخضع لتشكيل نظام عالمي جديد؛ ولهذا الغرض، قدم النظام الفرعوني المصري عقيدة مناسبة للغاية كانت راسخة ومقبولة منذ آلاف السنين." (هولبل، 9)

زار الإسكندر عام 331 ق.م، قرية الصيد راقودة، حيث خطط لتأسيس مدينة جديدة، هي الإسكندرية. كان ينوي أن تكون الإسكندرية عاصمة إمبراطوريته، ورابطًا بين مصر والبحر المتوسط. عيّن الإسكندر حاكمين قبل أن يغادر لمواصلة غزواته، هما دولواسبيس وبيتيسيس، وعيّن كليومينيس من نقراطس، وهو يوناني مصري، حاكمًا لمصر، كما ترك جيشًا صغيرًا لحماية مصر والدفاع عنها.

Statue of Alexander the Great as Pharaoh
تمثال الإسكندر الأكبر كفرعون Carole Raddato (CC BY-SA)

أصبح بطليموس الأول - أحد قادة الإسكندر - حاكمًا لمصر، بعد وفاة الإسكندر الأكبر في بابل عام 323 ق.م. كان بطليموس اسميًا خادمًا لخليفة الإسكندر فيليب أرياديوس والإسكندر الرابع ملك مقدونيا، ولكنه في الواقع كان يحكم بمبادرته الخاصة. سرعان ما أعدم بطليموس الأول كليومينيس، غير المحبوب بسبب فرضه لضرائب باهظة، وشرع في وضع سياسات ملكية لتحديث البلاد، وبحلول عام 310 ق.م، توفي آخر ورثة الإسكندر. استولى قادة الإسكندر على أجزاء من إمبراطوريته، خلال حروب ملوك طوائف الإسكندر. تُوج بطليموس الأول ملكًا على مصر في عام 306 ق.م، وأسس حكم البطالمة.

الحكومة

أصبحت اليونانية اللغة الرسمية المستخدمة في الإدارة الملكية.

كان لمصر وقت غزو الإسكندر، نظام حكم فعال يعود إلى آلاف السنين. ترك بطليموس الأول والثاني هذا النظام على حاله تقريبًا، باستثناء بعض التغييرات التي تهدف إلى تحديث البلاد. كانت مصر القديمة تقسم تقليديًا إلى حوالي 40 إقليم تسمى نوم، لكل منها عاصمتها الخاصة. احتفظ حكام الأقاليم المصريون، بمناصبهم تحت الحكم المقدوني، ومع ذلك، كان عليهم أن يقدموا تقاريرهم إلى الإستراتيجوس (بمعنى ”القادة“) الذين عينهم البطالمة للإشراف على الإقليم. كانت المدن والقرى تدار من قبل مسؤولين محليين يتبعون الإستراتيجوس.

أصبحت اليونانية اللغة الرسمية المستخدمة في الإدارة الملكية، نظرًا لأن البطالمة كانوا يتحدثون بها، وظلت اللغة المصرية الديموطيقية هي اللغة الأساسية التي تستخدمها الحكومة المحلية والسكان. كان على الكتبة والمسؤولين المصريين أن يصبحوا ثنائيي اللغة للتفاعل مع أفراد العائلة المالكة الناطقين باليونانية.

"لم تكن الدولة البطلمية، دولة مصرية ولا يونانية، داخل أراضيها الأساسية؛ في الواقع، جمعت البطالمة بين تقاليد الملكية المصرية — النظام الزراعي القديم، والسيطرة السياسية عن طريق تقسيم البلاد إلى أقاليم، والمعابد، والكهنوت القديم — والمؤسسات المالية اليونانية التي نشأت مباشرة منذ القرن الرابع قبل الميلاد." (مانينغ، 3)

كان هناك نظامان قانونيان منفصلان في مصر البطلمية، أحدهما قائم على القانون المصري والآخر على القانون اليوناني، وكان الناس غالبًا ما يختارون المحكمة التي يشعرون أنها ستصدر حكمًا لمصلحتهم. أعلن بطليموس الثامن في عام 118 ق.م، أن القانون المصري ينطبق على جميع العقود المكتوبة باللغة الديموطيقية، وأن القانون اليوناني ينطبق على جميع العقود اليونانية.

Demotic Ostracon Recording Payment of Necropolis Tax
أوستراكا ديموطيقية تسجل دفع ضريبة المقبرة Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

تولت شبكة من المكاتب المترابطة شؤون الحكم والضرائب وإنفاذ القانون في مصر البطلمية. كان الكتبة مسؤولين عن توزيع المراسيم الملكية وغيرها من الاتصالات الحكومية، وتلقي الالتماسات من المدنيين، أما على المستوى الوطني، عيّن البطالمة وزراء للإشراف على الإدارة اليومية للمملكة، وكان من بين هؤلاء الوزراء ديويكيتس (وزير الاقتصاد) وباسيليكوس جراماتيوس (الكتبة الملكيون). كان العديد من كبار المسؤولين اليونانيين، لهم علاقات وثيقة بالعائلة المالكة. كان المستشارون المصريون الأرستقراطيون، المنحدرون من عائلات فرعونية، وكهنوتية، يُستعان بهم لمعرفتهم بالثقافة والمجتمع المصريين.

التنمية الإقليمية

كان عدد سكان مصر البطلمية لا يقل عن 3 ملايين نسمة، وذلك بفضل فائض الغذاء والشراب في مصر القديمة. كان معظم هؤلاء السكان يعيشون على طول نهر النيل، في حين كانت المناطق الصحراوية البعيدة قليلة السكان. كانت الكثافة السكانية في المناطق المأهولة مماثلة لتلك الموجودة في فرنسا الحديثة، مما أدى إلى مستوى عالٍ نسبيًا من التحضر.

"بدا الريف المصري بالنسبة للزائر الأجنبي، وكأنه سلسلة متصلة من القرى المكتظة بالسكان، التي لا تبعد عن بعضها أكثر من 2-2.5 ميل، وتضم أحيانًا أكثر من ألف شخص." (شوفو، 35)

كانت مصر مقسمة بشكل تقريبي إلى منطقتين متميزتين: مصر السفلى (المنطقة الشِّمالية التي تشمل دلتا النيل) ومصر العليا (المنطقة الجنوبية المحيطة بوادي النيل). كان سكان مصر السفلى أكثر كثافة وتمدنًا حضريًا، ويعتمدون في معيشتهم على سهول دلتا النيل الخصبة، ونظرًا لقربها من الإسكندرية والبحر المتوسط، استقر معظم اليونانيين هناك. أسس البطالمة عدة مدن ساحلية على ساحل البحر الأحمر في مصر السفلى.

كانت هناك ثلاث دويلات مدن يونانية في مصر البطلمية هم: الإسكندرية، نقراطيس، وبطلميس بهرمياس. كانت نقراطيس مدينة ساحلية تأسست في القرن السابع قبل الميلاد كمستعمرة للتجار والمرتزقة اليونانيين في مصر. تأسست بطلميس بهرمياس على يد بطليموس الأول، لتحل محل طيبة كعاصمة للصعيد، وكانت المستوطنة الهلنستية الرئيسة في صعيد مصر. كانت لهذه المدن دساتير ومجالس منتخبة، بالرغم من أنها كانت لا تزل خاضعة للحكم البطلمي. كان لمواطنيها حقوق وامتيازات إضافية، بسبب طبيعتها الأكثر ديمقراطية، وكما هو الحال في معظم المدن القديمة، كانت الغالبية العظمى من السكان من غير المواطنين.

Aerial View of Ancient Alexandria
منظر جوي لمدينة الإسكندرية القديمة Ancient History Magazine / Karwansaray Publishers (Copyright)

كان صعيد مصر أكثر ريفية، ولم تتأثر ثقافته بشدة بالهلنسة. كانت طيبة ومنف، اللتان كانتا في السابق عواصم مصر، المدينتين الأبرز في صعيد مصر. ازدهرت منف في عهد البطالمة كمركز صناعي وتجاري. فقدت طيبة مكانتها كعاصمة إقليمية عندما أسس بطليموس الأول بديلًا لها، وهي بطلميس بهرمياس. تراجعت أهمية طيبة بعد ذلك، وكثيراً ما كانت مركزًا للتمرد ضد البطالمة.

اكتسبت الفيوم، وهي منطقة سبخات في صعيد مصر، شهرة في هذا العصر. قامت الأسرة البطلمية ببرنامج ضخم لاستصلاح الأراضي، حيث جففت المسطحات المائية مثل: بحيرة قارون لإنشاء أراضٍ زراعية إضافية، وأصبحت هذه المنطقة واحدة من المستوطنات الرئيسة للمستعمرون البطالمة، أو المستوطنين العسكريين، وفر نظام متطور من القنوات، وسدود الري، للمستوطنين اليونانيين بزراعة العنب والزيتون.

الدين

كان للكهنة والمعابد نفوذ سياسي، كما في الفترات السابقة من تاريخ مصر، بالإضافة إلى أداء الشعائر الدينية التقليدية، كانت المعابد تؤدي أيضًا دور الحكومة الإقليمية، حيث كانت توجه زراعة المحاصيل وحصادها، وتجمع الضرائب، وتطبق القانون. كان الكهنة في العصر البطلمي، من جميع أنحاء مصر يجتمعون في مجامع سنوية لمناقشة الشؤون الدينية والسياسية.

اعتمدت البطالمة على دعم الكهنة لتبرير شرعيتهم كفراعنة شرعيين في أعين الشعب، في المقابل، قدمت العائلة المالكة للكهنة التمويل اللازم لبناء المعابد والآثار المرموقة. كانت للأسرة البطلمية عَلاقة وثيقة بشكل خاص مع كهنة بتاح في منف، الذين كوفئوا على ولائهم للبطالمة بنفوذ سياسي، أحيانًا ما عارضت معابد أخرى الحكم البطلمي، مما ألهم المتمردين ومغتصبي السلطة.

Ptolemy II Before Arsinoe II
بطليموس الثاني مقابل لأرسينوي الثاني British Museum (CC BY-NC-SA)

أسس بطليموس الأول عبادة للإسكندر، حيث كان يُعبد باعتباره مؤسسًا وإلهًا راعيًا، كما حظي بطليموس الأول نفسه بتكريم إلهي من شعب رودس شكرًا له على الدفاع عنهم ضد ديمتريوس الأول ملك مقدونيا، ثم بدأ لاحقًا في تقديم نفسه على أنه ملك إله يضاهي الإسكندر. أسس بطليموس الثاني المحب لأخيه، وأرسينوي الثانية، في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، عبادة ملكية، كانت تقدس أفراد الأسرة البطلمية الأحياء منهم والأموات.

قام المهاجرون اليونانيون بمساواة الآلهة المصرية بالآلهة اليونانية عن طريق عملية تسمى "التفسير بالنماذج الإغريقية"، على سبيل المثال، قُورِنَ أنوبيس بهرميس، وإيزيس بأفروديت، وأوزوريس بديونيسوس. اختلطت التأثيرات اليونانية بالديانة المصرية، مما أدى إلى ظهور آلهة هجينة. ابتكر البطالمة بعض الآلهة الجديدة، مثل: سيرابيس، لتوحيد رعاياهم اليونانيين والمصريين. في حين البعض الآخر نتيجة للتفاعلات الطبيعية بين اليونانيين والمصريين.

الهجرة والهَلْيَنَة

هاجر مئات الآلاف من اليونانيين إلى مصر البطلمية، بين القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، كما هاجر اليهود، والتراقيون، والكاريون، والسوريون بأعداد كبيرة. كان معظم هؤلاء المهاجرين من "حاملو القرعة"، وهم جنود حصلوا على قطع أرض مقابل خدمتهم. يقدر المؤرخون أن ما بين 5 إلى 10٪ من إجمالي سكان مصر كانوا يونانيين بحلول نهاية القرن الثالث قبل الميلاد. تباطأت الهجرة إلى مستويات ضَئِيلة بعد هذ الفترة، حيث استقرت أعداد السكان اليونانيين في مصر.

تمتع الأشخاص اليونانيين بامتيازات في مجال الأعمال والسياسة.

كان معظم السكان اليونانيين يتركزون في الفيوم والدلتا. أسس بعض المهاجرين قرى جديدة ومدن عسكرية، في حين انتقل آخرون إلى مستوطنات موجودة مسبقًا. وُضعت أسس جديدة مثل: المدن اليونانية المبنية وفق مخطط شوارع شبكي. كانت الصالة الرياضية (الجيمناسيون) تقع عادةً في نقطة مركزية في المدينة. كانت الصالات الرياضية اليونانية القديمة أماكن للمشاركة المدنية والرياضية، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالهُوِيَّة اليونانية. كان التسجيل في الصالة الرياضية علامة على الهُوِيَّة اليونانية والمواطنة المدنية. كان الذكور المؤهلون يسجلون عادةً في سن 14 عامًا. ساعدت مؤسسات ثقافية أخرى مثل: البوليتوما (جماعة منظمة ذات طابع إثني أو ديني داخل مدينة أكبر)، والأخويات الدينية المهاجرين على خلق شعور بالانتماء المجتمعي.

"ظل اليونانيون أقلية في مصر، حتى مع إعادة تعريف ”اليونانية“ ببطء على أنها ظاهرة ثقافية ولغوية أكثر منها عرقية، وبعد قرن من الحكم البطلمي، بدأ المصريون المتأثرون بالثقافة اليونانية في شغل مناصب في الجيش والبيروقراطية." (راثبون، 24)

جاء المهاجرون إلى مصر من مناطق مختلفة مثل: مقدونيا، وأثينا، وساموس، وإسبرطة، وثِسّاليا، وبمرور الوقت، تضاءلت الفروق الثقافية بين هذه المجموعات مع تبنيهم لهُوِيَّة ”يونانية“ أكثر عالمية، كما تأثر بعض المصريين بالثقافة اليونانية عن طريق تبني اللغة والثقافة، حتى الأسماء اليونانية. كان الأشخاص الذين عُدّو يونانيين يتمتعون بامتيازات في مجال الأعمال والسياسة، كما كان اليونانيون والفرس معفيين من بعض الضرائب، وغالبًا ما كان المصريون المتأثرون بالثقافة اليونانية يخدمون في الجيش أو الحكومة، حيث كان التحدث باللغة اليونانية أمرًا ضروريًا. أدى التزاوج بين اليونانيين والمصريين إلى تسريع عملية التأثر بالثقافة اليونانية.

الإسكندرية

ازدهرت الإسكندرية كعاصمة لمصر البطلمية، حيث كانت مركزًا تجاريًا مزدحمًا، وتقع في موقع استراتيجي على سلسلة من الموانئ الطبيعية على ساحل البحر المتوسط. وصل عدد سكان المدينة إلى 300,000 نسمة، منهم ربما 10,000 مواطن. كانت المجموعات العرقية الثلاث الأكبر هم: اليونانيون، والمصريون، واليهود. كان المصريون على الأرجح أكبر مجموعة سكانية، لكن الثقافة اليونانية هي التي هيمنت على المدينة. توافد المهاجرون من أوروبا، والشرق الأدنى، وشرق إفريقيَا، والهند إلى الإسكندرية كتجار، وبحارة، وعلماء، ومرتزقة. عُدّت الإسكندرية في العصور القديمة، أحيانًا منفصلة عن بقية البلاد، ويشار إليها باسم ”الإسكندرية المجاورة لمصر“.

"ترك الإسكندر وراءه جيش احتلال يوناني-مقدوني ومدينة جديدة، الإسكندرية، التي كان مقدرًا لها أن تنمو بشكل يفوق كل التوقعات – الإسكندرية، مدينة سيرابيس، التي عاشت منذ البداية وعلى مدى ألف عام قادمة بمصير مزدوج: الهلينية وحكم مصر." (بينجن، 215)

كانت الإسكندرية مركز الثقافة اليونانية في مصر والعاصمة الثقافية للعالم اليوناني، بُنيت وفقًا لمخطط شبكي للطرق وضعه الإسكندر الأكبر، وسرعان ما قام البطالمة بتطويرها. كانت المدينة مقسمة إلى ثلاثة أقسام: الحي الملكي أو اليوناني، والحي المصري، والحي اليهودي. سيطرت العمارة الهلنستية على مبانيها وآثارها، وإن كان ذلك مع تأثيرات معمارية مصرية. أشرف بطليموس الأول والثاني على بناء فاروس، المنارة الشهيرة في الإسكندرية، إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. زينت الأجيال اللاحقة من البطالمة المدينة بمعابد رخامية، وقصور، ومقابر ضخمة، في الوقت نفسه، كان معظم سكان المدينة يعيشون في مساكن ضيقة وخطرة.

Harbour & Lighthouse of Alexandria
ميناء ومنارة الإسكندرية Mohawk Games (Copyright)

اشتهرت الإسكندرية في العصور القديمة، بمجتمعها الفكري الذي كانت ترعاه العائلة المالكة. بُني متحف الإسكندرية، أو مكتبة الإسكندرية الكبرى، تحت إشراف ديميتريوس الفاليروني، أحد تلاميذ أرسطو. اجتذب المتحف عقولًا مثل: إقليدس، وإراتوستينيس القوريني، وثاوفرسطس، وهيرو الإسكندري. تضمنت مجموعتها من الأدب مئات الآلاف من المخطوطات المصرية، والشرق أوسطية، واليونانية. ساعد الأدب الإسكندري في تشكيل الهُوِيَّة الوطنية البطلمية عن طريق وضع الأساطير اليونانية والروايات الملحمية في مصر، كما طورت الجالية اليهودية في الإسكندرية ثقافة أدبية فريدة من نوعها، أثرت على تطور الأدب اليهودي، والمسيحي في الفترات اللاحقة.

المجتمع والإقتصاد

تغير اقتصاد مصر البطلمية جذريًا عن عصر الفراعنة؛ حيث أدخل البطالمة نظامًا للعملات المعدنية، الذي كان مجهولًا تقريبًا في مصر قبل ذلك. كانت العملة البطلمية على غرار العملة اليونانية القديمة، استخدم البطالمة عملات من فئات الأوبول، والدراخما. سمح ذلك لمصر بالمشاركة في الاقتصاد المتوسطي، وللأسرة البطلمية بدفع رواتب الجنود، والتجار، بالعملة المعدنية. كانت كل جوانب الإنتاج، وملكية الممتلكات تخضع للضرائب، وكان على الأفراد دفع ضريبة الرأس. أجرى البطالمة تعدادات سكانية لتتبع الأشخاص والممتلكات الخاضعة للضرائب.

كان معظم السكان كما هو الحال في جميع المجتمعات ما قبل الصناعية، من المزارعين. كانت مصر تصدر الحبوب والفواكه ومحاصيل الألياف. كان النظام الغذائي في مصر القديمة يعتمد على الخبز والجعة، لكن بدأت مصر بإنتاج منتجات البحر المتوسط مثل: النبيذ بكميات أكبر للتصدير أو لاستهلاك المهاجرين اليونانيين. كانت الحكومة الملكية تمتلك شخصيًا ما يصل إلى نصف الأراضي الزراعية في مصر، في حين كانت المعابد تمتلك جزءًا كبيرًا من الأراضي الزراعية المتبقية، أما الأفراد فكانوا يمتلكون جزءًا صغيرًا فقط من الأراضي الزراعية.

Stater of Ptolemy Keraunos
تمثال بطليموس كيراونوس Classical Numismatics Group (CC BY-SA)

دعم عمل هؤلاء المزارعين نظامًا بيئيًا صغيرًا من الحرفيين مثل: الخزافين، ومنتجي المنسوجات، والنجارين، والبنائين. كانت الحياة في الريف بسيطة، حيث كان الناس يعيشون عادة في أبراج متعددة الطوابق مبنية من الطوب اللبن أو في مساكن صغيرة من طابق واحد، أما السكان الأكثر ثراءً بنوا قصور فسيحة من الرخام والجرانيت. كانت البلدات والمدن الكبيرة مليئة بالحانات، والحمامات، والمتاجر، والشقق السكنية.

كانت النساء في مصر القديمة يتمتعن بدرجة أكبر من الحرية الاقتصادية والاجتماعية مقارنةً بالعديد من المجتمعات المعاصرة. كان بإمكانهن امتلاك أعمال تجارية، والعيش بشكل مستقل، وتمثيل أنفسهن في المسائل القانونية. نتج ذلك عن التقاء المجتمع المصري الذي كان يتسم بالمساواة نسبيًا مع الثقافة الهلنستية الناشئة، حيث كانت النساء اليونانيات أكثر تحررًا بكثير من أسلافهن، ومع ذلك، لم يكنّ متساويات تمامًا مع الرجال، وكانت فرصهن في الحصول على تعليم رسمي أقل بكثير.

الحرب والثورة

كان الجيش والبحرية البطلمية قوة عسكرية هلنستية تأسست في الأصل على أساس المحاربين القدامى من جيش الإسكندر الأكبر. جاء هؤلاء الجنود إلى مصر بحثًا عن الثروة والأراضي الزراعية. واصل العديد من حفدتهم الخدمة في الجيش البطلمي، مدعومين بمرتزقة، وفي الفترات اللاحقة، جند البطالمة المزيد من الجنود المصريين الأصليين، الذين كانوا يتقاضون رواتب أقل من الجنود اليونانيين أو البربر، لكنهم أثبتوا فعاليتهم بنفس القدر، وخلال القرن الأول من حكم البطالمة، لم تتأثر مصر بالحرب في الغالب. شن البطالمة في ذلك الوقت غزوات لتوسيع نفوذهم في آسيا، واليونان، والنوبة.

تغير هذا الوضع في نهاية القرن الثالث قبل الميلاد مع اندلاع التمرد. بدأت المملكة البطلمية بفقد مكاسبها في الحروب السورية ضد الإمبراطورية السلوقية، التي حاولت مرارًا وتكرارًا غزو البلاد، وأدت الحروب الأهلية بين الأعضاء المتنافسين من الأسرة البطلمية إلى تعطيل التجارة، والبنية التحتية، مما أدى إلى انهيار القانون والنظام. كانت آثار الحرب مدمرة بشكل خاص خلال الصراع بين بطليموس الثامن وكليوباترا الثانية وكليوباترا الثالثة حوالي 141 إلى 124 ق.م.

Roman Mosaic of Ptolemaic Soldiers
فسفيساء رومانية لجندي بطلمي Camelia.boban (CC BY-SA)

اندلعت ثورات شارك فيها الجيش والحرس الملكي طوال تاريخ البطالمة، مما أجبر الأسرة الحاكمة على الرضوخ لإرادة جنودها. جاءت الثورة الأكثر درامية بعد أن درب بطليموس الرابع 30,000 جندي مصري ساعدوه في هزيمة السلوقيين في معركة رفح عام 217 ق.م. قام هؤلاء الجنود لاحقًا بتمرد في صعيد مصر، وأعلنوا حكم اثنين من الحكام المصريين الأصليين: حور ون نفر (205-197 ق.م) وعنخ ون نفر (197-185 ق.م). هُزم هذان الملكان المتمردان في النهاية على يد بطليموس الخامس.

الغزو الروماني وما بعده

تضاءلت القوة العسكرية لمصر البطلمية في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، وأصبحت تعتمد بشكل متزايد على الدعم الروماني. اعتمد بطليموس الثاني عشر وابنته كليوباترا السابعة على الجيش الروماني للبقاء في السلطة. مكنت عَلاقة كليوباترا مع أحد أعضاء التحالف الثلاثي الروماني مارك أنطوني من توسيع نفوذ البطالمة في جميع أنحاء شرق البحر المتوسط، أدى ذلك أيضًا إلى اندلاع حرب بين السناتو وأنطوني، التي شهدت هزيمة قوات أنطوني وكليوباترا على يد أغسطس في معركة أكتيوم البحرية عام 30 ق.م.

ضُمت مصر إلى الإمبراطورية الرومانية وأعيد تنظيمها لتصبح مقاطعة مصر الرومانية. استمرت الثقافة اليونانية والمصرية في السيطرة على المجتمع، في حين تلاشت سلطة الكهنوت بسرعة دون رعاية ملكية. حافظ الرومان على العديد من السياسات الاقتصادية للبطالمة، وأدى الانضمام إلى العالم الروماني إلى خلق المزيد من الفرص التجارية. أصبحت الإسكندرية، التي كانت لا تزل عاصمة مصر الرومانية، ثاني مدينة بعد روما من حيث الثروة والنفوذ.

أسئلة وأجوبة

بماذا تشتهر مصر البطلمية؟

تشتهر الحقبة البطلمية بالتغيرات الاجتماعية التي طرأت على مصر، حيث أدخل المهاجرون اليونانيون لغة جديدة وآلهة دينية وثقافة جديدة. وأصبحت الإسكندرية، عاصمة البطالمة، المدينة الأولى في العالم الهلنستي، واشتهرت بمكتبتها الكبرى ومنارة فاروس.

لماذا سقطت مصر البطلمية؟

بسبب الثورات المناهضة لليونان، وتراجع القوة العسكرية، والمشاكل الاقتصادية، أصبحت مصر البطلمية تعتمد بشكل متزايد على الدعم الروماني، مما أدى في النهاية إلى غزو الرومان لمصر.

نبذة عن المترجم

Mahmoud Ismael
معلم تاريخ، ودراسات اجتماعية، حاصل على ليسانس الأداب، تخصص تاريخ، ومهتم بترجمة المقالات والأبحاث التاريخية.

نبذة عن الكاتب

Arienne King
Arienne King is a writer and historical consultant specializing in Ptolemaic Egypt and classical antiquity. She has written for publications such as BBC's HistoryExtra and Ancient History Magazine.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

King, A. (2025, September 02). مصر البطلمية. (M. Ismael, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-16367/

نظام التوثيق بنمط Chicago

King, Arienne. "مصر البطلمية." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, September 02, 2025. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-16367/.

التوثيق بنمط MLA

King, Arienne. "مصر البطلمية." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, 02 Sep 2025, https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-16367/.

إزالة الإعلانات