أسباب الحرب العالمية الأولي

Mark Cartwright
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF

تعددت، وتنوعت أسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، فبعضها يعود إلى عدة عقود مضت، لكن حادثة الاغتيال السياسي في البلقان في صيف عام 1914م كانت الشرارة التي أشعلت فتيل البارود السياسي في أوروبا، ميز هذا المزيج شديد التقلب من الحكومات الإمبريالية، والقوميات الصاعدة، والتزامات تلك الشبكة المعقدة من التحالفات الدولية، الدبلوماسية الأوروبية في أوائل القرن العشرين.

يتفق معظم المؤرخين اليوم على أن الحرب العالمية الأولى لم تبدأها دولة واحدة، بل إن اندلاع الحرب كان في النهاية مسؤولية جميع الأطراف المعنية، أي الدول المشاركة في نظام التحالفات قبل الحرب العالمية الأولى مثل: التحالف الثلاثي بين ألمانيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية، وإيطاليا، والتحالف الثلاثي (المعروف أيضًا باسم الحلفاء) بين بريطانيا العظمى، وفرنسا، وروسيا، وأيضًا الدول الأخرى التي انضمت إلى الصراع في مراحل مختلفة مثل: بلجيكا، واليابان، والإمبراطورية العثمانية، وبلغاريا، واليونان، والبرتغال، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى مستعمرات القوى الأوروبية المختلفة في إفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا. أنتهت هذه الحرب المروعة، التي كانت أول حرب عالمية، وأول حرب آلية بالكامل وأول حرب شاملة، في عام 1918م، بعد ما أودت بحياة أكثر من 9 ملايين مقاتل.

Map of Europe on the Eve of World War I, Early 1914
أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى، 1914 Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

الأسباب الرئيسة للحرب العالمية الأولى:

  • صعود ألمانيا الموحدة.
  • اختلال توازن القوي الأوروبية في القرن العشرين.
  • سباق التسلح بين القوى العظمى.
  • صعود الإمبريالية الأوروبية، والتنافس في أفريقيا وآسيا.
  • زيادة التحالفات الدولية المتعارضة.
  • صعود القوميات في أوروبا الوسطى.
  • اغتيال الأرشيدوق فرديناند.

ساهمت جميع العوامل المذكورة أعلاه في اندلاع صراع كان "في الحقيقة تتويجًا لأزمة طويلة الأمد داخل النظام الأوروبي" (ماكدونو، 3). لا يزل الحجم الحقيقي لكل سبب من الأسباب المذكورة أعلاه موضع نقاش بين المؤرخين.

صعود ألمانيا

تأسست ألمانيا كدولة في عام 1871م؛ عقب انتصار بروسيا على فرنسا في الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871م)، وتوحيد الولايات الألمانية. تمتعت ألمانيا الموحدة بجيش كبير، ومنضبط، ومدرب تدريباً عالياً، وبأسطول بحري سريع النمو (كان سيصبح ثاني أكبر أسطول في العالم بعد بريطانيا بحلول عام 1914م)، وقاعدة اقتصادية قوية (في الواقع، كانت أسرع اقتصاد نمواً في أوروبا)، وسكان متزايدون (ارتفع عددهم من 49 إلى 66 مليون نسمة بين عامي 1890 و 1914م)، وفجأة، ظهرت قوة جديدة في أوروبا الوسطى يمكنها تحدي القوى الأخرى الراسخة، ولا سيما بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية. ظهرت الآن "المسألة الألمانية"، أي النقاش حول ما قد تكون عليه السياسة الخارجية الألمانية في المستقبل، وكيف سيؤثر ذلك على توازن القوى في أوروبا.

سيطر أوتو فون بسمارك (1815-1898م)، وهو أول مستشار لألمانيا الذي تولى السلطة في ألمانيا من عام 1871 إلى عام 1890م، على السياسة الألمانية. كان نهج بسمارك في السياسة الخارجية هو طمأنة القوى الأخرى بأن ألمانيا راضية عن موقعها، ومكانتها الحاليين في أوروبا، ومع ذلك، تشكلت سلسلة من التحالفات الدولية مع ألمانيا، وضدها مع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر.

SMS Rheinland Battleship
السفينة الحربية SMS Rheinland Bundesarchiv, DVM 10 Bild-23-61-23 (CC BY-SA)

التوازن الدقيق للقوى في أوروبا

وقِّعَت ألمانيا، وروسيا، الإمبراطورية النمساوية المجرية في عام 1872م، تحالفًا أصبح يعرف باسم تحالف الأباطرة الثلاثة، بينمَا في عام 1879م، وقِّعَت ألمانيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية معاهدة أخرى، وهو التحالف المزدوج، الذي ألزم كل طرف بالدفاع عن الطرف الآخر في حالة تعرضه لهجوم من روسيا. كان للتحالف الثنائي المزدوج عواقب وخيمة، حيث أصبحت الإمبراطورية النمساوية المجرية واثقة بما يكفي لاتخاذ نهج أكثر صرامة تجاه الحركات القومية المزعجة في البلقان، في غضون ذلك، واصلت دبلوماسية بسمارك براعتها بتوقيع معاهدة أخرى في عام 1882م، وهي التحالف الثلاثي بين ألمانيا، وإيطاليا، والنمسا، والمجر. كان بسمارك في الواقع يلعب لعبة مزدوجة، حيث وقع أيضًا اتفاقًا سريًا مع روسيا، وعد فيه القيصر بعدم التدخل إذا هاجمت ألمانيا فرنسا، علي الناحية الآخري، وعدت ألمانيا بالبقاء على الحياد إذا هاجمت روسيا الإمبراطورية النمساوية المجرية، كما تضمنت معاهدة إعادة التأمين مع روسيا، كما كانت تُعرف، وعدًا بأن تدعم ألمانيا مصالح روسيا في البلقان.

أزمة البلقان في القرن التاسع عشر

ربما سعى بسمارك إلى تحقيق السلام من خلال الدبلوماسية، لكن خلفائه كانوا مستعدين لتجربة تدابير أكثر دراماتيكية لزيادة قوة ألمانيا.

أدى صعود الجماعات القومية، ودعواتها إلى تقرير المصير، لا سيما في أوروبا الوسطى، إلى تهديد استقرار الدول الأوروبية الكبرى منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كان هذا واضحًا بشكل خاص في منطقة البلقان، حيث أدت المشاعر القومية إلى أزمة في بلغاريا عام 1876م. كانت مختلف الجماعات القومية في بلغاريا، التي كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية المتداعية، تدعو إلى مزيد من التسامح الديني، وحتى إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي. اندلعت ثورة، حظيت بدعم القوميين في صربيا، والجبل الأسود، كما دعمت روسيا القوميين البلغاريين، على أمل زعزعة استقرار المنطقة لتحقيق مكاسب مستقبلية لها. اندلعت الحرب بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية في عام 1877م، وانتهت بانتصار الأولى بعد عام واحد.

كان لمعاهدة سان ستيفانو عام 1878م، التي أنهت الصراع في البلقان، بعض التداعيات المهمة؛ حيث حصلت بلغاريا على استقلالها بشكل شبه كامل، وأعيد توزيع الأراضي لصالح روسيا، وصربيا، ورومانيا، ووعدت البوسنة والهرسك بإجراء إصلاحات سياسية، ومع ذلك، اعتبرت كل من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وبريطانيا، إن المعاهدة تمنح روسيا نفوذاً كبيراً في المنطقة، ولتخفيف هذه المخاوف بين جميع الأطراف المعنية، نظم بسمارك مؤتمرًا في برلين، للتوقيع على معاهدة برلين في عام 1878م، التي ضمنت استقلال صربيا، والجبل الأسود، ورومانيا، وسمحت لروسيا بالاحتفاظ بمكاسبها الإقليمية، وسمحت أيضًا الإمبراطورية النمساوية المجرية بإدارة البوسنة والهرسك. أصبحت بلغاريا إمارة مستقلة يحكمها مسيحيون داخل الإمبراطورية العثمانية. احتفظ العثمانيون بجزء من بلغاريا تحت سيطرتهم، لكن هذه المناطق سرعان ما طالبت بالانضمام إلى بقية الإمارة. حاولت روسيا الاستيلاء على المزيد من الأراضي في ظل الفوضى الدبلوماسية، وهي خطوة أوقفها بسمارك بدعمه للإمبراطورية النمساوية المجرية. أدى موقف ألمانيا إلى إنهاء المعاهدات الموقعة سابقًا مع روسيا بشكل فعال.

ربما سعى بسمارك إلى تحقيق السلام من خلال الدبلوماسية، ولكن منذ عام 1890م، كان خلفاؤه مستعدين لتجربة تدابير أكثر دراماتيكية لزيادة قوة ألمانيا. أصبحت منطقة البلقان مرة أخرى مركز اهتمام العالم مع أزمة دبلوماسية أخرى في صيف عام 1914م، ولكن قبل ذلك، بدأت القوى العظمى تتنافس على الأراضي في قارة مختلفة تمامًا.

Map of the Scramble for Africa after the Berlin Conference
خريطة التنافس على أفريقيا بعد مؤتمر برلين Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

الإستعمار في إفريقيا

استولت مختلف القوى الأوروبية منذ حوالي عام 1880 إلى عام 1914م، على كل الأراضي التي استطاعت الاستيلاء عليها في أفريقيا، في عملية استعمار عُرفت باسم "التنافس على أفريقيا". كان الهدف من بعض عمليات الاستيلاء على الأراضي هو حماية طرق التجارة، بينما كان الهدف من بعضها الآخر هو ضمان عدم اقتراب المنافسين من الموارد الطبيعية الثمينة أو الاستيلاء عليها، ثم كانت هناك مغامرات لمجرد كسب الهيبة حيث يمكن للقادة زيادة شعبيتهم في بلدانهم، وبحلول أوائل القرن العشرين، كان 90٪ من القارة تحت سيطرة أوروبية من نوع ما، كما كان لبريطانيا، وفرنسا مصالح استعمارية في آسيا، وهي ساحة معركة أخرى جذبت مشاركين إستعماريين جدد مثل: الولايات المتحدة، وروسيا، واليابان. لم تؤثر أي من هذه الأحداث بشكل مباشر على اندلاع الحرب العالمية الأولى، لكنها ساهمت بشكل كبير في خلق جو من التنافس بين القوى العظمى، كما أن التنافس على المستعمرات عزز بالتأكيد الموقف السائد بين القادة الأوروبيين، والشعوب على حد سواء بأن الدول الصغيرة يمكن أن تبتلعها الدول الكبرى دون عقاب.

سياسة القيصر العالمية

بدأت الدول في تشكيل تحالفات لمواجهة القوة الاقتصادية، والعسكرية المتنامية لألمانيا.

تولى القيصر فيلهلم الثاني (1859-1941م) الحكم كإمبراطور لألمانيا في عام 1888م (وحكم حتى عام 1918م)، وسعى إلى المزيد من التوسع الإقليمي، والعسكري من أجل تأمين الموارد الطبيعية التي تطلبها الاقتصاد الألماني المزدهر. سُميت هذه السياسة الجديدة بـ "السياسة العالمية" أو Weltpolitik. كان مستشار فيلهلم الثاني برنارت فون بولوف (1849-1929م)، ووزير البحرية الأدميرال ألفريد فون تيربيتز (1849-1930م) متفقين تمامًا على هذه السياسة، التي كان لها ميزة إضافية تتمثل في صرف انتباه السكان عن المشاكل الداخلية (مثل إضعاف سلطة ملاك الأراضي البروسيين من طبقة اليونْكَرْز في عملية التصنيع، والديمقراطية الجارية). حفزت الصحافة المتعصبة الدعم الشعبي لهذه السياسة. لم تؤد سياسة Weltpolitik إلا إلى تفاقم عدم الاستقرار السائد في العلاقات الدولية، وكما يقول المؤرخ ف. ماكدونو: "أحدثت هذه السياسة توتراً كبيراً، ولم تحقق سوى القليل، وأدت إلى توتر العلاقات الدولية"(9). يضيف المؤرخ د. خان: "منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، كانت ألمانيا الإمبراطورية قوة غير راضية بشكل أساسي، حريصة على زعزعة الوضع الراهن، وتحقيق أهدافها التوسعية، عن طريق الترهيب إن أمكن، والحرب إذا لزم الأمر" (209)، عُدت ألمانيا باختصار، الآن وعلى نطاق واسع العدو الأول عندما يتعلق الأمر بالسلام العالمي.

بدأت الدول في تشكيل تحالفات لمواجهة القوة الصاعدة لألمانيا، ولا سيما التحالف العسكري الفرنسي الروسي لعام 1894م، الذي وعد بالمساعدة المتبادلة في حالة تعرضها لهجوم من ألمانيا، أو إيطاليا، أو الإمبراطورية النمساوية المجرية. لم يكن هذا التهديد افتراضيًا؛ ففي عام 1905م، وضع القائد الألماني ألفريد فون شليفن (1833-1913م) خطة لتجنب القتال على جبهتين عن طريق مهاجمة فرنسا أولاً، ثم التوجه إلى روسيا، في الوقت نفسه، وضع القادة الروس خططًا حول أفضل طريقة لمهاجمة الإمبراطورية النمساوية المجرية، وألمانيا. وضع القادة الفرنسيون خططًا هجومية لحملة ضد ألمانيا. كانت بريطانيا أيضًا تشك في التسلح الألماني، كما كانت أيضًا متورطة في منافسة مع فرنسا في إفريقيا، ومع روسيا، حول المصالح في آسيا الوسطى، والحدود الشمالية الغربية للهند البريطانية، في ما أصبح يعرف باسم "اللعبة الكبرى". وقِّعَت بريطانيا، وفرنسا الاتفاق الودّي، عام 1904، الذي أزال تضارب المصالح في إفريقيا، وآسيا، لكنه لم يشمل المساعدة المتبادلة في حالة نشوب حرب في أوروبا. وُقعت الاتفاقية الأنجلو-روسية، في عام 1907م، التي خففت التوترات حول المطالب الإمبراطورية في أفغانستان، والتبت، وبلاد فارس (إيران الحديثة)، ثم بدأت القوى العظمى الثلاث، بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، التي غالبًا ما تسمى التحالف الثلاثي، في التناوب لتشكيل جبهة موحدة ضد ألمانيا، ومع ذلك، واصل القيصر سياسته العالمية (Weltpolitik)، مهددًا شمال إفريقيا الفرنسي، ومكثفًا سباق التسلح البحري مع بريطانيا، وهو سباق لم تتراجع عنه الأخيرة لأنها رأت في البوارج الألمانية تهديدًا واضحًا لإمبراطوريتها في جميع أنحاء العالم.

European Division of Africa Cartoon
كاريكاتير عن تقسيم أفريقيا بين الدول الأوروبية Unknown Artist (Public Domain)

أزمة البلقان عام 1914م

توجهت أنظار الدبلوماسيين الأوروبيين، مرة أخرى بقلق إلى منطقة البلقان، في عام 1908م؛ حيث ضمت الإمبراطورية النمساوية المجرية البوسنة والهرسك في أكتوبر 1908م، لخشيتها من النفوذ المتزايد للإصلاحيين. احتج القيصر الروسي على ذلك، في حين أوضح القيصر الألماني أنه مستعد للقتال لدعم الإمبراطورية النمساوية المجرية. أدى المزيد من التدخل الألماني في المغرب الفرنسي، في عام 1911م، إلي حادثة عُرفت باسم "أزمة أغادير" (وهي في الواقع الثانية من أزمتين مغربيتين)، إلى زيادة التوترات بين القوى الأوروبية. دعمت بريطانيا فرنسا، تراجعت ألمانيا لكنها حصلت على جزء من الكونغو كتعويض. عززت بريطانيا، وفرنسا تحالفهما، في عام 1912م، حيث وعدت الأولى بتشكيل قوة عسكرية لإرسالها إلى فرنسا، كما وقعت بريطانيا، وفرنسا، وروسيا اتفاقيات بحرية فيما بينها. بدأ القيصر، والصحافة الألمانية يتحدثون الآن عن أن ألمانيا محاطة بالأعداء.

كانت صربيا هي اللاعب الرئيس، في البلقان، عندما سعت الدول إلى التحرر من الإمبراطورية العثمانية المتداعية. هنا، كانت الملكية الحاكمة تعارض تدخل الإمبراطوريتين العثمانية، والنمساوية المجرية، ولكنها كانت مؤيدة لروسيا، بل إن الحكومة الصربية أرادت إنشاء تحالف جديد للدول السلافية، وكان سلف هذا الطموح هو رابطة البلقان، التي تشكلت في عام 1912م. أعلنت الرابطة، التي كانت تتألف من صربيا، وبلغاريا، والجبل الأسود، واليونان، الحرب على الإمبراطورية العثمانية في أكتوبر 1912م، ونجحت في طرد الأتراك من المنطقة. كانت هذه هي حرب البلقان الأولى، لكنها انتهت بخيبة أمل مريرة للصرب؛ حيث حرمتهم معاهدة لندن لعام 1913م من ألبانيا، والوصول إلى البحر الأدرياتيكي، كما شعرت اليونان، وبلغاريا بالإحباط لعدم حصولهما على مكاسب إقليمية كبيرة، وربما كان محتمًا اندلاع حرب البلقان الثانية في يونيو 1913م. غزت بلغاريا صربيا، ثم أعلنت اليونان، ورومانيا، وتركيا الحرب على بلغاريا. خسرت بلغاريا الحرب، وأعادت معاهدة بوخارست لعام 1913م ترتيب حدود البلقان مرة أخرى، لكن من المؤشرات السيئة أن صربيا لم تحصل بعد على الميناء الذي كانت ترغب فيه على البحر الأدرياتيكي، وهي دولة بجيش قوامه 200 ألف جندي، مما شكل تهديدًا مباشرًا للإمبراطورية النمساوية المجرية، التي كانت تعتمد على ألمانيا لحماية الوضع الراهن نظرًا لضعفها العسكري.

اغتيال فرانز فرديناند

اتخذ الأرشيدوق فرانز فرديناند (1863-1914م)، وريث عرش هابسبورغ الذي حكم الإمبراطورية النمساوية المجرية، القرار المصيري بزيارة العاصمة البوسنية سراييفو في صيف عام 1914م. كانت سراييفو بؤرة للنزعة القومية المحلية، ولم تكن على الإطلاق أفضل خيار للوجهة، ولكن الجولة تمت كجزء من واجبات فرانز فرديناند بصفته المفتش العام لجيش الإمبراطورية النمساوية المجرية. اختار الأرشيدوق بشكل غير حكيم، أن يتجول في المدينة بسيارة مكشوفة في 28 يونيو، عندما أبطأت السيارة لتلتقي بحشد من الناس، خرج شاب قومي صربي بوسني، غافريلو برينسيب (1894-1918م)، وأطلق النار على الأرشيدوق، وزوجته، الكونتيسة صوفي تشوتيك، مما أدى إلى مقتلهما. زودت جماعة قومية صربية، هي "اليد السوداء"، برينسيب بمسدسه. كان الإمبراطور النمساوي المجري فرانز جوزيف الأول (حكم من 1848 إلى 1916م)، عم الأرشيدوق، غاضبًا بشكل مفهوم، وسرعان ما أُلقيَ اللوم على الحكومة الصربية في الاغتيال. سعى فرانز جوزيف للحصول على دعم ألمانيا لخطته للاستيلاء على صربيا؛ ومنحه القيصر هذا الدعم في 6 يوليو في ما وصف بـ "شيك على بياض" يمنحه حرية التصرف، حدث كل هذا بالرغم من التهديد الواضح بأن روسيا لن تسمح بخوض حرب ضد صربيا، ومن المرجح أن تتدخل، مما قد يؤدي بدوره إلى تورط بريطانيا، وفرنسا بموجب التزاماتهما بموجب المعاهدة.

Archduke Franz Ferdinand Prior to His Assassination
الأرشيدوق فرانتس فيرديناند قبل اغتياله Unknown Photographer (CC BY-NC-SA)

كانت روسيا في هذه الحالة، عازمة فعلًا على حماية استقلال صربيا، وحصل القيصر على دعم الحكومة الفرنسية، ومع ذلك، أصدرت الحكومة النمساوية المجرية إنذارًا نهائيًا إلى حكومة صربيا في 23 يوليو، متهمة إياها بالتورط في الاغتيال، مطالبةً بقمع الحركة القومية. نظرت الحكومة الصربية في الإنذار النهائي، ووافقت على إجراء مزيد من المفاوضات. أصرت الإمبراطورية النمساوية المجرية على القبول الفوري بمطالب الإنذار النهائي. رفضت كل من الإمبراطرورية النمساوية المجرية، وألمانيا اقتراحًا من بريطانيا بعقد مؤتمر سلام لمناقشة القضية. أعلنت الإمبراطرورية النمساوية المجرية في 28 يوليو، الحرب رسميًا على صربيا. أصرت روسيا على أنها ستدخل الحرب إذا لم تنسحب قوات هابسبورغ من صربيا، ولذلك أرسل القيصر نيكولاس الثاني (حكم من 1894 إلى 1917م) برقية إلى القيصر فيلهلم يقول فيها: "للحيلولة دون وقوع كارثة مثل الحرب الأوروبية، أرجوك باسم صداقتنا القديمة أن تفعل ما في وسعك لمنع حلفائك من الذهاب بعيدًا" (ماكدونو، 20). رفضت الإمبراطورية النمساوية المجرية التراجع، وهددت روسيا بتعبئة جيشها، وهددت ألمانيا بالقيام بالشيء نفسه انتقامًا. لم يتراجع أحد. قام القيصر بتعبئة جيشه في 30 يوليو، لكنه طالب في اليوم التالي، بإنهاء تعبئة روسيا، علي أمل إن جميع الأطراف لا تزل تأمل في إبقاء الأزمة محلية، ولكن في الأول من أغسطس 1914م، أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا، في نفس اليوم، قامت كل من ألمانيا، وفرنسا بتعبئة جيوشهما. أعلنت إيطاليا أنها ستبقى على الحياد في الصراع القادم، على الأقل في الوقت الحالي. غزت ألمانيا لوكسمبورغ في 2 أغسطس، وحشدت بريطانيا أسطولها البحري.

اندلاع الحرب

كان القيصر وقادته حريصين للغاية على تنفيذ خطة شليفن فورًا: مهاجمة فرنسا بسرعة، وبقوة ساحقة، ثم التوجه إلى روسيا بدلاً من مواجهة كلا العدوين في وقت واحد. كان مفتاح الخطة هو تحرك القوات الألمانية عبر بلجيكا المحايدة، وبالتالي التحايل على التحصينات الدفاعية الفرنسية على الحدود الفرنسية الألمانية. طُلب الإذن بذلك في 2 أغسطس؛ لكن بلجيكا رفضت. كانت بريطانيا تأمل في البقاء على الحياد في حرب قارية، لكنها اضطرت إلى دعم حياد بلجيكا بموجب معاهدة سبق أن وقعتها الدولتان، على أي حال، لم تستطع بريطانيا الوقوف مكتوفة الأيدي، وهي تشاهد فرنسا تُسحق، وتشكل أوروبا جديدة تهيمن عليها ألمانيا بالكامل. أبلغت بريطانيا الحكومة الألمانية أن التعبئة عبر بلجيكا ستؤدي إلى إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا، لكن في 3 أغسطس، زحفت القوات الألمانية عبر بلجيكا، وأعلنت ألمانيا الحرب رسميًا على فرنسا (والعكس صحيح)، في 4 أغسطس، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا. في 6 أغسطس، أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب على روسيا، وأعلنت صربيا الحرب على ألمانيا، وفي 10 أغسطس، أعلنت فرنسا الحرب على الإمبراطورية النمساوية المجرية؛ وحذت بريطانيا حذوها في 12 أغسطس. أشعل قاتل مراهق سلسلة معقدة من الأحداث التي بلغت ذروتها في الحرب العالمية الأولى، أول صراع عالمي حقيقي، وأول حرب شاملة في التاريخ.

Kaiser Wilhelm II
القيصر فيلهلم الثاني T. H. Voigt (CC BY-NC-SA)

لقي حوالي 9 ملايين مقاتل حتفهم في الحرب العالمية الأولى. انتهى الصراع، الذي عُرف في ذلك الوقت باسم الحرب العظمى، بانتصار بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وأسفر عن تدمير أربع إمبراطوريات: الإمبراطورية النمساوية المجرية، والإمبراطورية الروسية، والإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية الألمانية. ألقت معاهدة فرساي، التي أبرمت السلام رسميًا، باللوم بشكل خاص على ألمانيا، وحلفائها لبدء الحرب، بالرغم من أن المؤرخين يفضلون اليوم توزيع المسؤولية الجماعية على جميع الأطراف بسبب قوميتهم المفرطة، وسياساتهم الخارجية العدوانية للغاية، والفرص الدبلوماسية الضائعة.

بالرغم من أن الحرب العالمية الأولى وُصفت بأنها "الحرب التي ستنهي جميع الحروب"، إلا أن العالم سرعان ما عانى من صراع أكبر في عام 1939م مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. يعتبر العديد من المؤرخين أن النزاعات الإقليمية التي لم تُحل في الحرب العالمية الأولى، والشروط القاسية لمعاهدة فرساي، هي الأسباب الرئيس للحرب العالمية الثانية، التي تسببت، بحلول عام 1945م، في مقتل حوالي 50 مليون شخص، ونهاية الإمبراطوريات، وظهور نظام عالمي جديد تهيمن عليه الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي.

أسئلة وأجوبة

ما هي الأسباب الثلاثة الرئيسة للحرب العالمية الأولى؟

كانت الأسباب الثلاثة الرئيسية للحرب العالمية الأولى هي الطموحات الإستعمارية لألمانيا، وظهور حركات الاستقلال القومية في البلقان، وشبكة معقدة من التحالفات الدولية التي قسمت القوى العظمى إلى مجموعتين متعارضتين.

ما هو الحدث الذي أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى؟

الحدث الذي أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى كان اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، وريث عرش هابسبورغ، على يد قومي صربي بوسني في سراييفو في 28 يونيو 1914. كانت كل من روسيا والإمبراطورية النمساوية المجرية تسعيان إلى بسط نفوذهما في البلقان، وكانت كل منهما مستعدة لخوض الحرب، وهي سياسة جرت معها حلفاء مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.

قائمة المصادر والمراجع

موسوعة التاريخ العالمي هي شركة تابعة لشركة أمازون وتحصل على عمولة على مشتريات الكتب المؤهلة.

نبذة عن المترجم

Mahmoud Ismael
معلم تاريخ، ودراسات اجتماعية، حاصل على ليسانس الأداب، تخصص تاريخ، ومهتم بترجمة المقالات والأبحاث التاريخية.

نبذة عن الكاتب

Mark Cartwright
مارك كاتب وباحث ومؤرخ ومحرر متفرغ. يهتم بالفنون والعمارة وباكتشاف الأفكار والمفاهيم مشتركة بين الحضارات. حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة السياسية ويشغل منصب مدير النشر في موسوعة تاريخ العالم.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Cartwright, M. (2026, January 05). أسباب الحرب العالمية الأولي. (M. Ismael, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2723/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Cartwright, Mark. "أسباب الحرب العالمية الأولي." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, January 05, 2026. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2723/.

التوثيق بنمط MLA

Cartwright, Mark. "أسباب الحرب العالمية الأولي." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, 05 Jan 2026, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-2723/.

إزالة الإعلانات