المتحف العراقي: منارة في الظلام

Osama Shukir Muhammed Amin
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF

لِمَن تعبت؟

لِمَن سافرت؟

لِمَن عانيت؟

لم أجنِ شيئًا لنفسي،

لقد جنيتُ كل شيءٍ للثعبان، للأسد الأرضي!

– ملحمة جلجامش، اللوح الحادي عشر

هكذا تختتم ملحمة جلجامش؛ لا وجود للخلود. لقد كان جلجامش مخطئًا! لكن صدى ملاحمه ظل يتردّد في أرجاء الكون طوال خمسة آلاف عام، ولن يتوقف يومًا، حاملاً معه عبير بلاد ما بين النهرين وروحها التي لا تموت.

Assyrian Eunuch from Khorsabad at the Iraq Museum
تمثال لمسؤول من البلاط الملكي الآشوري من خورساباد (دور شروكين)، معروض في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

البدايات

في العاشر من آذار عام 1917 م، دخل الجيش البريطاني بغداد بعد أن هزم العثمانيين. وتم تعيين الآنسة غيرترود بيل (Gertrude Bell) سكرتيرةً شرقيةً لدى اللواء السير برسي كوكس، المفوّض السامي في العراق آنذاك. كانت بيل سياسية وكاتبة ورحّالة إنكليزية، أظهرت شغفًا استثنائيًا بعلم الآثار، وكرّست حياتها لخدمة هذا الشغف. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، بدأت بعثاتٌ أثرية كثيرة من أوروبا وأمريكا بالتنقيب في أرض بلاد ما بين النهرين. وفي الثاني والعشرين من تشرين الأول عام 1921 م، عُيّنت بيل مديرةً فخرية مؤقتة لـ مديرية الآثار في العراق، حيث أشرفت بنفسها على أعمال التنقيب في مختلف مناطق البلاد، وتعاونت مع العديد من الفرق الغربية. كان عدد اللُقى الأثرية يتزايد بوتيرة مدهشة نتيجة عمليات التنقيب القانونية تلك، حتى إن بيل أقامت معرضًا مؤقتًا لعرض هذه الكنوز، افتُتح في الحادي عشر من آذار عام 1921 م.

Statue of a Minor Deity & Tributary Scenes Khorsabad
تمثال لإلهٍ ثانويّ ومشاهد تقديم الجزية من خورساباد (دور شروكين) Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

من أجل الحفاظ على تراث بلاد الرافدين وآثارها، بدأت بيل في عام 1922 م بتخزين القطع الأثرية المكتشفة في الطابق السفلي من مبنى القشلة في بغداد. عرفت تلك الغرفة لاحقًا باسم “قاعة الصخور البابلية”، وكانت النواة التي ستتحول فيما بعد إلى المتحف العراقي. لقد شكّلت مجموعتها الشخصية المتواضعة من القطع الأثرية الأساس الأول للمتحف، لكنها لم تكتفِ بذلك؛ فقد أسهمت أيضًا في تأسيس المدرسة البريطانية للآثار في العراق، ومع ازدياد أعداد المكتشفات، أصبح من الضروري إيجاد مبنى أكبر وأكثر ملاءمة. تفاوضت بيل مع الحكومة العراقية للحصول على مبنى جديد يستوعب هذه الكنوز الآخذة بالتزايد، وفي النهاية تم اختيار دار الطباعة الحكومية لهذا الغرض. ورغم أن المبنى المؤلف من طابقين كان حديث الإنشاء، فقد أعادت بيل ترميمه بالكامل ليصبح متحفًا عصريًا آنذاك.

وصفت بيل المتحف بأنه “متحف بريطاني مصغّر”، حيث يمكن للجمهور أن يشاهد مجموعة واسعة من القطع الأثرية المرتّبة تسلسليًا بحسب العصور التاريخية.

افتُتح المتحف الأثري في بغداد رسميًا عند الساعة الثامنة صباحًا من يوم 14 حزيران 1926 م، وعُيّنت بيل مديرة له. كان كل معروض في المتحف يحمل شرحًا باللغتين العربية والإنكليزية، ليكون المتحف صرحًا للتبادل الثقافي والمعرفي. لكن القدر لم يمهلها طويلًا؛ ففي 12 تموز 1926 م توفيت بجرعة زائدة من الحبوب المنوّمة، وخلفها مديرون بريطانيون كُثر، منهم ريتشارد كوك ثم سيدني سميث، غير أن كليهما فُصل لاحقًا بسبب تهريب قطع أثرية نُبشت بطرق غير قانونية. وفي عام 1931 م تولّى الألماني يوليوس جوردان إدارة المتحف حتى تشرين الأول 1934 م، وكان أحد أبرز الشخصيات في ما عُرف بـ فضيحة تل أركيبه (Arpachiyah Scandal) سنة 1933 م، حين تجاهل تعليمات الحكومة العراقية بخصوص تقسيم المكتشفات الأثرية بين العراق والبعثات الغربية. وبعد عزله، عُيّن ساطع الحصري مديرًا للمتحف؛ وكان أول عراقي يتولى إدارة المتحف العراقي، وذلك بعد عامين فقط من استقلال المملكة العراقية عن الانتداب البريطاني.

Lamassu from Khorsabad at the Iraq Museum
لاماسو من خورساباد، معروض في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

المبنى الجديد

أسهم الاستقرار النسبي في الوضعين السياسي والاقتصادي الذي عاشته المملكة العراقية في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين في تحقيق ازدهار عام، شمل كذلك ميدان علم الآثار. فقد نشطت البعثات الغربية، وتزايدت أعمال التنقيب التي كشفت عن مزيد من الكنوز واللقى الأثرية. استوعب المتحف الأثري في بغداد جميع القطع التي كانت محفوظة في مبنى القشلة، كما ضمَّ المقتنيات الجديدة التي لم تتوقف عن التدفق، لكن المبنى لم يعد قادرًا على استيعاب هذا النمو المتزايد، وامتلأت غرفه وصناديق تخزينه حتى فاضت، ولم يبقَ متسع للمزيد. كان لا بد إذن من إنشاء مبنى جديد أكبر مساحة وأكثر ملاءمة لاستيعاب هذا الثراء الأثري المتنامي.

The National Museum of Iraq at Al-Salihyyia District, Baghdad
المتحف العراقي، الواقع في منطقة الصالحية في بغداد Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

كان من أوائل من اقترحوا بناء متحف جديد وساهموا في تمويله المدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية، وذلك في تموز 1929 م، إلا أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك أجهضت المشروع في مهده. وفي كانون الثاني 1934 م، حاولت مديرية الآثار العامة إطلاق مشروع جديد لبناء متحف وطني، لكنها لم تُوفق. وأخيرًا، في 26 أيار 1938 م، تمكّنت مديرية الآثار من الحصول على التمويل اللازم من وزارة المالية، كما حصلت على قطعة أرض من مديرية السكك الحديدية في منطقة الصالحية، بلغت مساحتها نحو 63,730 مترًا مربعًا، ثم تقلصت لاحقًا إلى 45,000 متر مربع، وهي المساحة الحالية.

صمّم المبنى الجديد المهندس المعماري الألماني فيرنر مارش (Werner March)، الذي وضع تصوّرًا لمجمع متحفي متكامل في موقع بارز بالقرب من محطة السكك الدولية ومحطة العلاوي في قلب بغداد، بحيث يسهل على الزائرين والسياح القادمين من مطار بغداد الدولي الوصول إليه بسهولة. بدأت أعمال البناء قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، لكنها توقفت في عام 1940 م بسبب ظروف الحرب. ولم تُستأنف إلا في 28 كانون الأول 1955 م، بعد تجاوز عقباتٍ تقنيةٍ وإداريةٍ وماليةٍ كانت تعيق تنفيذ العقود.

Glazed Wall Panel from Fort Shalmaneser
لوحة جدارية مزخرفة ومطلية بالمينا، مستخرجة من قلعة شلمنصر، وتمثل مثالاً على الفن الزخرفي في تلك الفترة Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

وفي احتفال مهيب، وضع الملك فيصل الثاني حجر الأساس للمبنى الجديد في منطقة الصالحية ببغداد في 24 آذار 1957 م. اكتمل بناء المجمع الذي ضم المتحف العراقي والمديرية العامة للآثار في عام 1963 م، غير أن عملية نقل محتويات المتحف لم تجرِ إلا بعد ذلك بوقتٍ قصير، وافتُتح رسميًا في 9 تشرين الثاني 1966 م. أصبح المتحف العراقي الوطني مفتوحًا للزوار من الساعة الثامنة صباحًا حتى الخامسة مساءً، حتى في أيام الجمعة، وضمَّ ثلاث عشرة قاعة عرض تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى أواخر العصور الإسلامية.

المسمار الأول في النعش

امتدّت الحرب العراقية – الإيرانية لثماني سنوات، من أيلول 1980 م حتى آب 1988 م، وأرهقت موارد البلاد وأتعبت شعبها. ومع ذلك، ظل المتحف العراقي مفتوحًا أمام الجمهور، إذ تنص القوانين العراقية على إبقاء المتاحف مفتوحة حتى في أوقات الحرب. ورغم ذلك، فإن معظم فرق التنقيب الأجنبية أصبحت مترددة في القدوم إلى العراق، فالحرب جعلت البلاد منطقة خطر يصعب الوصول إليها. وبعد توقف القتال، تمتعت البلاد بفترة سلام قصيرة امتدت لعامين، تنفّس خلالها الباحثون الصعداء واستطاعوا زيارة المواقع الأثرية مجددًا.

The Golden Lyre of Ur at the Iraq Museum
القيثارة الذهبية المأخوذة من مدينة أور، المعروضة في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

غير أن الحدث المفصلي في تاريخ الشرق الأوسط الحديث جاء مع غزو صدام للكويت في الثاني من آب 1990 م، الذي تبعته العقوبات الاقتصادية الدولية ثم عملية عاصفة الصحراء في 17 كانون الثاني 1991 م، وما رافقها من اضطرابات وانتفاضات شعبية في آذار 1991 م ضد النظام الحاكم. كانت تلك الضربة قاصمة لقطاع الآثار، إذ تلقّى المتحف العراقي ومؤسساته العلمية ضربة موجعة ذات آثار طويلة الأمد. فقد أُغلقت العديد من المتاحف الإقليمية في مختلف أنحاء العراق، ونُقلت بعض مقتنياتها إلى بغداد لحمايتها، لكن عددًا كبيرًا منها أُحرق أو نُهب أثناء اضطرابات عام 1991 م.

Detail of Statue of Abu Bint Deimon, Hatra
تفصيل من تمثال يُعرف باسم أبو بنت ديمون، من مدينة الحضر Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

كما أصبحت المواقع الأثرية في جميع أنحاء الجمهورية العراقية صيدًا سهلًا للّصوص، وشهد عقد التسعينيات ازدهارًا غير مسبوق في تهريب الآثار خارج البلاد. أما المتحف العراقي نفسه فظل مغلقًا أمام الجمهور، إلى أن فُتح لفترة وجيزة بمناسبة عيد ميلاد صدام حسين في 28 نيسان 1999 م، في احتفال حضره مسؤولون رفيعو المستوى وعدد من البعثات الدبلوماسية والجمهور العام. كان ذلك الافتتاح المؤقت أقرب إلى محاولة رمزية لإظهار استمرارية الدولة الثقافية، لكن خلف جدران المتحف كانت الروح العلمية تكاد تخبو تحت ثقل الحروب والعزلة الدولية.

تسونامي

نظّمت الولايات المتحدة الأمريكية وقادت تحالفًا دوليًا للإطاحة بـ صدام حسين في عام 2002 م، ومع قرع طبول الحرب واقتراب شبحها، بدأت سلسلة من الأحداث تتسارع بشكلٍ درامي، تنذر بعاصفة قادمة ستغيّر وجه بغداد وذاكرة المتحف العراقي إلى الأبد:

في 24 كانون الثاني 2003 م، أصدرت المعهد الأمريكي للآثار (Archaeological Institute of America) بيانًا عاجلًا يدعو إلى حماية التراث الأثري في العراق. وفي اليوم نفسه، وخلال اجتماع في البنتاغون مع مسؤولين من وزارة الخارجية الأمريكية، حذّرت مجموعات عديدة من خطر نهب المواقع الأثرية.

The Mask of Warka
قناع الوركاء Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

وفي 27 شباط 2003 م، أُغلق المتحف العراقي رسميًا. أنهى موظفوه أعمالهم اليومية، باستثناء لجنة خاصة تولّت عملية تعبئة ونقل القطع الأثرية الحساسة بين 20 و23 شباط 2003 م. أُفرغت معظم قاعات المتحف من معروضاتها، وأُخفيت القطع والوثائق في أماكن سرّية وملاجئ محصّنة. أما التماثيل الضخمة والنُصُب البارزة فقد تُركت في القاعات العامة، محاطةً بالأكياس الرملية والرغوة الواقية. وفي اليوم نفسه، وجّهت جمعية علم الآثار الأمريكية (Society for American Archaeology) رسالة إلى وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد تطالب فيها بحماية الآثار العراقية.

A Pair of Lions from Tell Harmal at the Iraq Museum
زوج من تماثيل الأسود المستخرجة من موقع تل حرمل، والمعروضة في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

في 6 آذار 2003 م، دعا المجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS) الحكومات كافة إلى المساعدة في حماية التراث الثقافي للعراق.

وفي 17 آذار 2003 م، منح الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش صدام ونجليه مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد، وإلا فالحرب قادمة لا محالة.

وفي 19 آذار 2003 م، أصدر المجلس الدولي للدرع الأزرق (Blue Shield) بيانًا عاجلًا يطالب بمنع تدمير التراث الثقافي في العراق.

Facade of Inanna Temple from Uruk at the Iraq Museum
واجهة معبد الإلهة إنانا المستخرجة من مدينة أوروك والمعروضة في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

وفي 20 آذار 2003 م، بدأت الحرب بهجوم واسع النطاق.

وفي 27 آذار 2003 م، ناشد المدير العام لـ اليونسكو كويشيرو ماتسورا الولايات المتحدة لحماية التراث الثقافي العراقي.

وفي 5 نيسان 2003 م، دخلت القوات الأمريكية بغداد واشتَبكت مع الحرس الجمهوري والجيش العراقي وعدد من الميليشيات شبه العسكرية.

وفي 8 نيسان 2003 م، غادر موظفو المتحف العراقي المبنى مع اقتراب القتال، بعد اشتباكات عنيفة دارت بين القوات الأمريكية والجنود العراقيين في محيط المتحف، بل وأطلق أحد الدبابات الأمريكية قذيفة على واجهة المبنى.

Sumerian Worshipers from Tell Asmar at the Iraq Museum
تماثيل العبّاد السومريين المستخرجة من موقع تل أسمر، والمعروضة حالياً في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

وفي 9 نيسان 2003 م، انهار نظام صدام حسين وسقطت بغداد بالكامل تحت الاحتلال الأمريكي.

وفي 10 و11 نيسان 2003 م، بدأت عمليات النهب والتخريب.

وفي 12 نيسان 2003 م، توجّه موظفو المتحف وعدد من المواطنين لحماية المبنى بأنفسهم مستخدمين أسلحتهم الشخصية، في محاولةٍ يائسةٍ لردع اللصوص. انتشرت الصور والفيديوهات الصادمة لنهب المتحف بسرعة مذهلة عبر وسائل الإعلام العالمية، وأثارت موجة غضبٍ دوليةٍ عارمة.

وفي 13 نيسان 2003 م، طلبت إدارة المتحف العراقي رسميًا من الجيش الأمريكي التدخل ووقف أعمال النهب.

وفي اليوم التالي 14 نيسان 2003 م، تعهد وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بحماية المتحف وإصلاح ما لحق به من ضرر.

Two Statues of Shalmaneser III at the Iraq Museum
تماثلان للملك شلمنصر الثالث، المعروضان حالياً في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

لكن حتى 15 نيسان 2003 م، ظل المتحف غارقًا في الفوضى وانعدام الأمن.

وفي 16 نيسان 2003 م، وبعد ستة أيام من التفرج دون أي تدخل، دخلت القوات الأمريكية أخيرًا المبنى وأمّنت محيطه.

وفي 17 نيسان 2003 م، بدأ موظفو المتحف بتنظيف القاعات وتسجيل الموجودات، وفي اليوم ذاته عقدت اليونسكو اجتماعًا طارئًا في فرنسا لبحث كارثة نهب المتحف.

وفي 21 نيسان 2003 م، وصلت بعثة من المحققين الأمريكيين برئاسة العقيد البحري ماثيو بوغدانوس (Matthew Bogdanos) لتقييم حجم النهب والخسائر.

Bust of a Priest from Uruk
تمثال نصفي لكاهن، مأخوذ من مدينة أوروك، ويُعرض حالياً في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

تبيّن لاحقًا أن عمليات النهب يمكن تصنيفها إلى أربعة أنواع رئيسية:

  1. ١. نهبٌ عشوائي غير منظّم، شمل بعض القطع المقلّدة بينما تُركت قطع أصلية مجاورة دون مساس، إضافةً إلى سرقة الأثاث، وأجهزة الحاسوب، والتلفزيونات، والمعدات المخبرية والسيارات، ويُعتقد أن الفاعلين كانوا من سكان الأحياء الفقيرة المحيطة بالمتحف.
  2. ٢. نهبٌ موجّه استهدف القاعات العامة، حيث أخذ اللصوص قطعًا بعينها؛ منها إناء الوركاء، وقناع الوركاء، وتمثال باساتكي، وقيثارة أور الذهبية العظمى. وكان تمثال الملك السومري إنتيمينا (Entemena) الأثقل وزنًا بين القطع المنهوبة.
    The Bassetki Statue at the Iraq Museum
    تمثال باسيتيكي، المعروض حالياً في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)
  3. ٣. نهب مخازن الطابق العلوي، التي لم تُظهر أبوابها أي علامات كسر أو اقتحام قسري، إذ سُرقت منها أوانٍ فخارية وجرار وأدوات مختلفة، ورُجّح أن العملية كانت من داخل المتحف نفسه.
  4. ٤. نهب مخازن الطابق السفلي، حيث كانت تُحفَظ أثمن القطع الصغيرة والخفيفة الوزن — كالأختام الأسطوانية، والخرز، والمجوهرات — داخل خزائن وصناديق في أماكن بعيدة وسرية. واتضح أن هذه العملية أيضًا كانت داخلية، إذ استخدم اللصوص مفاتيح الخزائن وكانوا على دراية تامة بمحتوياتها.

قُدّر عدد القطع المسروقة بنحو 15,000 قطعة، رغم أن بعض وسائل الإعلام بالغت بالأرقام حتى تحدثت عن 170,000 بل و600,000 قطعة، لكن التحقيقات أكدت أن الرقم الواقعي أقل بكثير. وقد أُعيد حتى الآن نحو 6,000 قطعة أثرية فقط.

إعادة التأهيل

بدأ المتحف العراقي يستعيد عافيته تدريجيًا، رغم بقائه مغلقًا أمام الزوار. وفي الثالث من تموز 2003 م، فُتح المتحف لساعتين فقط لعرض كنز نمرود، الذي تم العثور عليه في قبو غارق بمياه البنك المركزي العراقي في الأول من حزيران 2003 م. حضر المعرض الحاكم المدني للعراق آنذاك، بول بريمر، إلى جانب سياسيين وصحفيين — دون السماح بدخول الجمهور العام. أُغلق المتحف بعد ذلك مباشرة، وفي اليوم التالي نُقل كنز نمرود مجددًا إلى مكانٍ آمن. ومع مرور الوقت، بدأت بين الحين والآخر بعض القطع المسروقة بالعودة إلى المتحف.

Ivory Horse Frontlets from Nimrud
قطع أمامية على شكل حصان مصنوعة من العاج، مستخرجة من موقع نمرود، والمعروضة حالياً في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

انطلقت أعمال الترميم والتجديد في عام 2004 م، وشملت تحديث أنظمة الحماية والمراقبة بالكاميرات، إضافةً إلى إنشاء مختبرات حديثة للفحص والترميم. وفي كانون الأول 2008 م، فُتح المتحف مجددًا لوسائل الإعلام لبضع ساعات فقط، وخلال المناسبة تمكّن السياسي أحمد الجلبي من استعادة عدد من القطع الأثرية المسروقة. ثم في 23 شباط 2009 م، افتتح رئيس الوزراء نوري المالكي المتحف ليومٍ واحد، في رسالةٍ رمزيةٍ إلى العالم مفادها أن العراق بدأ يستعيد استقراره. وفي التاسع من حزيران 2009 م، ظهرت روائع المتحف العراقي للمرة الأولى على الإنترنت، من خلال المشروع الإيطالي «المتحف الافتراضي للعراق» (Virtual Museum of Iraq)، الذي أتاح للعالم الاطلاع على مقتنيات المتحف بصيغة رقمية ثلاثية الأبعاد. وفي تشرين الثاني 2011 م، استخدمت شركة غوغل (Google) تقنية Street View لتصميم جولةٍ افتراضيةٍ مجانية داخل أروقة المتحف.

القيامة

في السنوات اللاحقة، أخذ المتحف العراقي يتعافى ببطءٍ ولكن بثبات، حيث خضعت كل قاعة من قاعاته لعمليات ترميمٍ شاملةٍ وإعادة تأهيلٍ دقيقة. أعيدت القطع الأثرية إلى واجهات عرضٍ حديثة من الزجاج المقاوم، وصارت القاعات تفيض بالحياة مجددًا كما لو أن حضارات بلاد ما بين النهرين نفسها قد نهضت من تحت الركام. افتُتح المتحف رسميًا أمام الجمهور في 28 شباط 2015 م، على يد رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي. ومنذ ذلك اليوم، عاد صرح الذاكرة العراقية ليحتضن زواره، يُذكّرهم بأن ما انكسر يمكن أن يُرمَّم، وأن التاريخ لا يموت.

The Warka Vase at the Iraq Museum
مزهرية وركاء، المعروضة حالياً في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

أصبح المتحف مفتوحًا من السبت إلى الخميس، من الساعة التاسعة صباحًا حتى الواحدة والنصف ظهرًا. ثمن التذكرة 3,000 دينار عراقي (حوالي 2.5 دولار أمريكي) للمواطنين العراقيين، و25,000 دينار عراقي (نحو 20 دولارًا) للزوار الأجانب. تُسمح بالصورة الفوتوغرافية دون فلاش، ويتوفر مكانٌ مخصصٌ لحفظ الأمتعة. أما طاقم العمل فيُعرف بلُطفه ودماثة أخلاقه، ويُضفي على المكان جوًّا من الودّ والبهجة. في أروقة المتحف مصوّر محترف يلتقط صور الزوار — بموافقتهم — ويقوم بنشرها لاحقًا على صفحة «أصدقاء المتحف العراقي» على فيسبوك، التي تُحدّث يوميًا تقريبًا. يضم المتحف اليوم ثلاثًا وعشرين قاعة عرض تمتد عبر مختلف الحقب التاريخية، وقد أضيفت إليه مؤخرًا قاعة جديدة تُعرف باسم «قاعة المرجان». آخر مرة زرت فيها المتحف العراقي كانت على الأرجح في عام 1978 م أو 1979 م، وكانت أيضًا أول زيارة لي إلى بغداد منذ عام 2009 م. لم أملك سوى ثلاثة أيام في المدينة، لكنني خصّصت نصف يوم منها لزيارة هذا الصرح الذي يحمل ذاكرة العراق وروحه. عندما وصلت إلى البوابة في 14 آذار 2019 م، تملّكتني مشاعر متناقضة: فرحٌ ممزوجٌ بالحزن، وحنينٌ تعتصره الدموع، وغضبٌ يوشك أن يتحوّل إلى صمتٍ عميق. استقبلني موظفو المتحف بترحابٍ كبير، وكانت القاعات تضجّ بضحكات الأطفال القادمين من المدارس، يتجولون بين المعروضات بدهشةٍ بريئةٍ تُنعش القلب.

Stele of Dadusha at the Iraq Museum (detail)
تفصيل من اللوح النصبي للملك دادوشا، المعروض حالياً في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)

رؤية آثار بلاد الرافدين في المتحف العراقي تختلف تمامًا عن رؤيتها في المتاحف خارج العراق؛ فهنا، تشعر أن الأرض تتكلم بلغتها الأولى، وأن كل حجرٍ يُعيد سرد قصةٍ من أوروك أو نينوى أو بابل. في تلك الساعات القليلة، التقطت نحو 10,000 صورة. ثم زرت صديقتي العالمة الآثارية الدكتورة جنان منصور وصديقي نوفل محمد، وهما يعملان في المديرية العامة للآثار المجاورة للمتحف. جلسنا نحتسي الشاي ونتحدث عن التاريخ، عن العراق الذي لا يزال ينهض من بين الرماد مثل طائر الفينيق. وعندما هممت بالمغادرة، ألقيت نظرة أخيرة على المبنى، وسألت نفسي بصمت: “هل سأستطيع زيارة المتحف مرة أخرى؟” أرجو ذلك بكل قلبي.

لقد جعل التاريخ من العراق الوريث الشرعي لإرث بلاد ما بين النهرين، وجعل من بغداد مركزًا نابضًا بتاريخ الإنسانية جمعاء. كانت المدينة، وما تزال، بوتقة انصهرت فيها الأعراق والأديان والثقافات، لتشكّل جسدًا واحدًا نابضًا بالحياة — جسد الحضارة نفسها.

Ivory Statue from Nimrud at the Iraq Museum
تمثال مصنوع من العاج، مستخرج من موقع نمرود، والمعروض حالياً في المتحف العراقي Osama Shukir Muhammed Amin (Copyright)
شكر وتقدير:

أتوجّه بأعمق الشكر إلى المتحف العراقي وطاقمه، فلولا جهودهم لما تمكّن العالم من رؤية إرثه الإنساني المشترك. وأخصّ بالشكر نوفل محمد والدكتورة جنان منصور على كرم ضيافتهما النبيل.

قائمة المصادر والمراجع

موسوعة التاريخ العالمي هي شركة تابعة لشركة أمازون وتحصل على عمولة على مشتريات الكتب المؤهلة.

نبذة عن المترجم

Alhasan Firas Aljanabi
طالب هندسة طاقة شغوف بالمعرفة والتاريخ الإنساني، أؤمن بأن الماضي هو النور الذي يهدي الحاضر. أجد في الترجمة وسيلة لإحياء التراث وتوصيل الأفكار بين الثقافات بروح من التأمل والفهم العميق

نبذة عن الكاتب

Osama Shukir Muhammed Amin
أستاذٌ مشارك في علم الأعصاب، وعاشقٌ لـ مهد الحضارة – بلاد ما بين النهرين. يهتم اهتمامًا عميقًا بتاريخ بلاد الرافدين، ويسعى دومًا إلى توثيق المواقع الأثرية والقطع التاريخية بالتصوير في المتاحف داخل العراق وخارجه

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Amin, O. S. M. (2025, November 02). المتحف العراقي: منارة في الظلام. (A. F. Aljanabi, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1355/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Amin, Osama Shukir Muhammed. "المتحف العراقي: منارة في الظلام." تمت ترجمته من قبل Alhasan Firas Aljanabi. World History Encyclopedia, November 02, 2025. https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1355/.

التوثيق بنمط MLA

Amin, Osama Shukir Muhammed. "المتحف العراقي: منارة في الظلام." تمت ترجمته من قبل Alhasan Firas Aljanabi. World History Encyclopedia, 02 Nov 2025, https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-1355/.

إزالة الإعلانات