معاهدة فرساي

Mark Cartwright
كتبه (a)، ترجمه (t)
نُشر على
Translations
طباعة PDF
Signing the Treaty of Versailles, 1919 (by William Orpen, Public Domain)
توقيع معاهدة فرساي، 1919 م. William Orpen (Public Domain)

كانت معاهدة فرساي، التي وُقِّعَت في يونيو 1919م، اتفاقية بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وهي التي أعادت تقسيم أجزاءً من أوروبا، وفرضت تعويضات، وقيود على التسلح، وتحميل ألمانيا، إحدى الدول الخاسرة في الصراع، المسؤولية الكاملة عن الحرب.

صُممت المعاهدة في الأساس لضمان سلام دائم، إلا أن إلغاء بنودها الأكثر صرامة أصبح هدفًا لرؤساء الوزراء الألمان المتعاقبين، حتي الزعيم النازي أدولف هتلر (1889-1945م) خلال الثلاثينيات، في الواقع، كان الاستياء من المعاهدة أحد الأسباب العدة لظهور الاشتراكية القومية، وفي نهاية المطاف، أحد أسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945م).

أهداف المعاهدة

اندلعت الحرب العالمية الأولى بين دول المحور المتمثلة في ألمانيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية، (وحلفائهم)، والتحالف الثلاثي المتمثل في بريطانيا، وفرنسا، وروسيا (وحلفائهم، ومن بينهم إيطاليا، والولايات المتحدة). خسرت ألمانيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب، ووُقِّعَت هدنة في 11 نوفمبر 1918م. سعى المنتصرون، ولا سيما بريطانيا، وفرنسا، إلى فرض شروط سلام تمنع ألمانيا خصوصًا من تهديد السلام في أوروبا مرة أخرى. يجب ألا تتكرر أبدًا فظائع الحرب العالمية الأولى، التي أسفرت عن مقتل 7 ملايين شخص، وإصابة 21 مليونًا بجروح قاتلة، كما كانت هناك خسائر مادية هائلة، فوفقًا للمؤرخ ف. ماكدونو، "بلغت التكلفة الإجمالية المقدرة للحرب 260 مليار جنيه إسترليني" (43).

لم تُدعَ ألمانيا إلا إلى المراحل الختامية لمؤتمر الصلح في باريس.

أراد المنتصرون أولًا اعترافًا رسميًا من ألمانيا بأنها هي التي بدأت الحرب، ثانيًا، أرادوا الحصول على تعويض مباشر من ألمانيا عن بعض الأثمان المادية للصراع، عن طريق فرض دفع تعويضات باهظة، وإعادة توزيع بعض الأراضي الألمانية، وجميع مستعمراتها. ظلت الصناعة الألمانية سليمة طوال الحرب، وكان المنتصرون قلقين من قدرتها على إعادة البناء، ولضمان عدم قدرة القوات المسلحة الألمانية على شن حرب في المستقبل، فُرضت قيود صارمة على القدرات العسكرية للبلاد. لم يرغب المنتصرون في تدمير ألمانيا تمامًا لأنها يمكن أن تظل سوقًا قيّمة لصادراتهم؛ ومع ذلك، يقر معظم المؤرخين بأن الحلفاء ربما تمادوا في مطالبهم، مما دفع في النهاية نحو الوجهة التي كانوا يأملون في تجنبها، وهي حرب عالمية أخرى، أما الدول الأخرى الخاسرة في الحرب العالمية الأولى، وهي الإمبراطورية النمساوية المجرية، وبلغاريا، وتركيا، سَيُتعامل معها في معاهدات منفصلة، ومثيرة للجدل بالقدر نفسه.

Newspaper Front Page Declaring the Signing of the Treaty of Versailles
صفحة أولى من صحيفة تعلن توقيع معاهدة فرساي. Kallen2021 (CC BY-SA)

مؤتمر الصلح في باريس

وُقِّعَت معاهدة فرساي، في قاعة المرايا، داخل قصر فرساي خارج باريس في 28 يونيو 1919م. اجتمع ممثلو فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، بالإضافة إلى 28 دولة أخرى، في مؤتمر الصلح بباريس، الذي عقد في 12 يناير 1919م. استغرق المندوبون أكثر من خمسة أشهر للتوصل إلى اتفاق بشأن شروطهم، وتحديد الشكل الذي يجب أن تكون عليه أوروبا الجديدة بعد القضاء على العديد من الأسر الملكية، وتُركت إمبراطورياتها في حالة من الفوضى. سيطر على المداولات "مجلس الأربعة": رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج (1863-1945م)، ورئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو (1841-1929م)، والرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (1856-1924م)، ورئيس الوزراء الإيطالي فيتوريو أورلاندو (1860-1952م). هناك أسطورة تقول إن كليمنصو كان المسؤول الأول عن البنود الأكثر قسوة في المعاهدة، ولكنه في الواقع كان يدرك تمامًا أن التسوية القاسية للغاية ستكون ضارة بمصالح فرنسا، وستخلق استياءً دائمًا. وقال: "يجب بذل كل جهد ممكن لكي نكون عادلين تجاه الألمان" (ماكدونو، 54)، وبالطبع، لم تكن تفسيرات الفرنسيين، والألمان للعدالة متطابقة تمامًا.

اعتبر العديد من الألمان ”فقرة الذنب“، كما أصبح معروفًا، وشروط السلام بشكل عام، أمرًا مشينًا للغاية.

لم يُدعَى الاتحاد السوفيتي إلى باريس؛ حيث عدّ آنذاك دولة ثورية مارقة أطاحت بشكل غير قانوني بحاكمها، القيصر نيكولاس الثاني، في ثورة عام 1917م، وانسحبت من الحرب قبل الأوان. لم تُدعَى ألمانيا إلا في المراحل الختامية من المؤتمر، وذلك فقط لقراءة شروط استسلامها، وتوقيع المعاهدة. لم يُمنح المندوبون الألمان سوى ثلاثة أسابيع لمناقشة الموضوع فيما بينهم واقتراح أي تغييرات طفيفة، ثم أسبوع واحد فقط لتوقيع المسودة النهائية، ومع احتلال جيش الحلفاء لمنطقة الراين، وفرض حصار بحري، كانت الحقيقة المرة بالنسبة لألمانيا هي أن استئناف الحرب كان البديل الوحيد لتوقيع المعاهدة.

تشمل النِّقَاط الرئيسية لمعاهدة فرساي ما يلي:

  • على ألمانيا أن تتحمل المسؤولية الكاملة عن الحرب العالمية الأولى.
  • على ألمانيا أن تدفع تعويضات لفرنسا، وبريطانيا، وبلجيكا.
  • أعيدت إلى فرنسا منطقتا الألزاس، واللورين.
  • أُخرجت منطقة سار الألمانية الغنية بالفحم من سيطرة ألمانيا.
  • أُعطيت بولندا منطقة سيليزيا العليا الصناعية، وممرًا إلى بحر البلطيق.
  • أُخرجت دانزيغ (غدانسك) من سيطرة ألمانيا.
  • فقدت ألمانيا جميع مستعمراتها.
  • جُرِّدَت منطقة الراينلاند من السلاح.
  • حُدِّد عدد جنود الجيش الألماني بـ 100,000 جندي.
  • لم يعد بإمكان ألمانيا بناء دبابات، أو طائرات، أو غواصات، أو سفن حربية.
  • أُنشئت هيئة دولية جديدة للتعاون، وهي عصبة الأمم.
The Treaty of Versailles, 1919
معاهدة فرساي 1919م. Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

فِقْرة الذنب

أصرت معاهدة فرساي، تحديدًا في المادة 231، على أن ألمانيا، وحليفتها الإمبراطورية النمساوية المجرية لم تقوما فقط بإشعال صراع عالمي عن عمد، وتصميم، بل قاومتا أيضًا عن عمد جميع الجهود التي بذلها الحلفاء لتجنب ذلك الصراع. عدّ العديد من الألمان هذه "الفقرة المتعلقة بالذنب"، كما أصبحت تُعرف، وشروط السلام عمومًا، أمرًا مشينًا للغاية، في الواقع، بذلت الحكومة الألمانية جهودًا جبارة خلال فترة ما بين الحربين لإقناع الدول الأخرى بأنها لم تكن الطرف المذنب، حيث نشرت ما يقرب من 16000 وثيقة رسمية. نجحت هذه الجهود إلى حد ما، حيث ظهر إجماع عام في الثلاثينيات على أن الحرب العالمية الأولى كانت مسؤولية جماعية لجميع الأطراف المعنية، لكن في وقت توقيع معاهدة فرساي، كانت مادة الذنب مبررًا رئيسيًا للخطوة الثانية وهي: التعويضات.

التعويضات

كانت فرنسا، وبلجيكا حريصتين بشكل خاص على تعويض بعض الثمن الباهظ للحرب وهي: الأضرار التي لحقت بالممتلكات، والبنية التحتية مثل: الطرق، وخطوط السكك الحديد، والزراعة، والآلات، والشحن، والديون المتراكمة من شراء الأسلحة. كانت الولايات المتحدة من بين الدول المنتصرة، وهي الوحيدة التي لم تكن مديونة بعد الصراع. كان الإنتاج الصناعي في أوروبا أقل بنسبة 30٪ مما كان عليه قبل الحرب، وكانت التجارة العالمية راكدة، والتضخم مرتفعًا بجنون، وكان من شأن ضخ أموال ضخمة، ومنتظمة من قبل ألمانيا أن يعطي دفعة مرحب بها لاقتصادات الدول المنتصرة. كان مِزَاج الناس العاديين، وبالتأكيد الصِّحافة الشعبية، في الدول المنتصرة هو جعل ألمانيا تدفع ثمنًا باهظًا للفوضى التي تسببت بها، وكما جاء في عنوان إحدى الصحف البريطانية: :اعصروا الليمونة الألمانية حتى تصرخ البذور" (ماكدونو، 47). كان العصر الأول هو مصادرة جميع الأصول المالية، والعملات الألمانية الموجودة في الخارج، ثم بقي السؤال حول مقدار العصر في السنوات القادمة من حيث دفع التعويضات المنتظمة.

الحقيقة هي أن ألمانيا كان بإمكانها أن تظل سوقًا مهمة للصادرات بالنسبة للمنتصرين، إذا لم تُسحق اقتصاديًا، (من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن من بين أعضاء الوفد البريطاني في باريس كان الاقتصادي جون ماينارد كينز، 1883-1946م، الذي دعا إلى تعويضات متساهلة)، فضلًا على ذلك، كانت الأضرار المادية التي لحقت ببريطانيا خلال الحرب أقل بكثير من تلك التي لحقت بفرنسا، وكانت بريطانيا مهتمة في المقام الأول بالحد من القوة العسكرية لألمانيا، مما جعل فرض تعويضات باهظة أقل أولوية.

Europe after The Treaty of Versailles
أوروبا بعد معاهدة فرساي Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

حددت معاهدة فرساي مبدأ التعويضات الألمانية، ولكنها لم تحدد التفاصيل. أدى عدم الدِّقَّة فيمَا يتعلق بالتعويضات إلى مفاوضات مريرة بعد ذلك، وإلى عدة حالات من التخلف عن السداد. لم تحدد لجنة التعويضات المبلغ في 6600 مليون جنيه إسترليني إلا في عام 1921م. كان يُتوقع أن يُسدد كل عام على مدى الستة عقود التالية، أولاً بدفعة مقدمة كبيرة بالذهب، ثم، في حالة عدم توفر النقد، بسلع مفيدة مثل: الفحم، والماشية، والأخشاب، والسفن، وكثيرًا ما دفعت ألمانيا أقل مما كان عليها أن تدفع. خُفِّضَت تعويضات ألمانيا رسميًا في عام 1929م، مع التفاوض على المزيد من القروض الأمريكية. أُلغيَت التعويضات تمامًا، في عام 1932م. تُسلط مشكلة التعويضات الضوء على الضعف العام لمعاهدة فرساي: حيث اعتمدت معظم بنودها على تطوع ألمانيا بالالتزام بها. أثبتت المهمة العملية لإنفاذ الشروط أنها تتجاوز قدرات المنتصرين.

إعادة ترسيم حدود ألمانيا

أزالت المعاهدة أجزاء مطلوبة بشدة من المناطق الحدودية لألمانيا. استعادت فرنسا الألزاس، واللورين (كانت قد خسرت هاتين المنطقتين الناطقتين بالألمانية في عام 1871م بعد هزيمتها في الحرب الفرنسية البروسية)، في حين حصلت بلجيكا، والدنمارك أيضًا على أجزاء صغيرة من الأراضي الجديدة، وهي أوبين-مالميدي وشليسفيغ الشِّمالية على التوالي. أُعطيت منطقة سار الغنية بالفحم إلى عصبة الأمم لإدارتها مع وعد بإجراء استفتاء في موعد غير محدد في المستقبل (عندما أُجري الاستفتاء أخيرًا في عام 1935م، صوت 90٪ لمصلحة العودة إلى ألمانيا). مُنعت ألمانيا من الاتحاد مع النمسا، في محاولة أخرى لإبقاء الشعوب الجرمانية منفصلة، ربما كان الجزء الأفضل من الغنائم من نصيب بولندا، التي حصلت على منطقة سيليزيا العليا الصناعية (التي اعتبرها المنتصرون مفيدة لتقليل احتمالية إعادة تسليح ألمانيا) و"ممر بولندي" إلى بحر البلطيق. كان الممر ذو أغلبية بولندية، لكن النتيجة المؤسفة لهذا الشريط الساحلي كانت أنه قطع شرق بروسيا تمامًا عن بقية ألمانيا، أما دانزيغ، التي كان 90% من سكانها من الألمان، فقد أصبحت مدينة حرة مستقلة تخضع لسيطرة عصبة الأمم، لكن سياستها الخارجية، وترتيباتها الجمركية تخضع لسيطرة بولندا، ربما كان الممر، ودانزيغ أكثر ما أثار استياء المنتصرين من بين جميع التغييرات الجغرافية التي أجروها.

أما في أماكن أبعد، فقد فقدت ألمانيا جميع مستعمراتها التي كانت تمتلكها قبل الحرب، وأصبحت الآن تحت حكم عصبة الأمم باعتبارها "أقاليم خاضعة للانتداب"، بالرغم من أنها في الواقع استُلِيت عليها من قبل الدول المنتصرة بشكل فردي، أما مستعمرات ألمانيا الأفريقية، مثل: توغولاند، وتنجانيقا، والكاميرون، وجنوب غرب أفريقيا الألمانية، فقد خضعت في الواقع للحكم البريطاني، أو الفرنسي، أو البلجيكي، أو الجَنُوب أفريقي. أما شاندونغ (التي كانت تسمى آنذاك شانتونغ)، الميناء الواقع في شمال شرق الصين، فقد كانت تحت الحكم الألماني، ولكنها أعطيت الآن لليابان، مما تسبب في استياء دائم من قبل الحكومة الصينية، التي كانت ترغب في الحصول عليها أيضًا. وُزّعَ عدد قليل من جزر المحيط الهادئ على اليابان، ونيوزيلندا، وأستراليَا، في المجموع، شكلت هذه الأراضي المفقودة جزءًا كبيرًا من الأراضي الألمانية قبل الحرب، حوالي 13٪. كان في تلك الأراضي المفقودة حوالي 10٪ من سكان ألمانيا قبل الحرب.

Map of Africa after the Treaty of Versailles, c.1920
خريطة القارة الإفريقية بعد معاهدة فرساي 1919م. Simeon Netchev (CC BY-NC-ND)

ضوابط التسلح

نُزِعَ السلاح من منطقة الراينلاند؛ يعني حظر وجود التحصينات، والقوات العسكرية فيها؛ لإنشاء منطقة عازلة آمنة بين فرنسا وألمانيا. كانت بريطانيا حريصة بشكل خاص على تخفيض حجم القوات المسلحة الألمانية قدر الإمكان لتقليل أي تهديد للإمبراطورية البريطانية. فرضت معاهدة فرساي حدًا أقصى قدره 100,000 جندي على الجيش الألماني، في حين لم يُسمح لأسطولها البحري بأكثر من 36 سفينة، كما فُرضت قيود مماثلة على عدد أفراده. لم يُسمح أيضًا بالتجنيد الإجباري، ولم يكن بإمكان ألمانيا امتلاك دبابات، أو مدفعية ثقيلة، أو طائرات، أو سفن حربية، أو غواصات، وبما أن ألمانيا لم يُسمح لها بسوى الحد الأدنى لحماية حدودها، أصبح جيشها الآن مشابهًا لجيش اليونان؛ بمعنى آخر، لم يعد يمثل أي تهديد لبريطانيا، أو فرنسا، أو أي قوة كبرى أخرى.

عصبة الأمم

كان وودرو ويلسون هو أول من طرح فكرة إنشاء هيئة دولية يمكنها بطريقة ما ضمان ألا تؤدي النزاعات الإقليمية، وغيرها من النزاعات بين الدول في المستقبل إلى حرب شاملة. طرح الرئيس الأمريكي 14 مبدأ لبناء عالم جديد في عام 1918م، وحدد الرئيس بعض أسباب الحرب التي لم يرغب في تكرارها أبدًا مثل: الدبلوماسية الأنانية، والسرية، وقمع الأقليات داخل الإمبراطوريات والدول الكبرى، والأنظمة الاستبدادية التي تتجاهل رغبات شعوبها. كان ضروريًا إنشاء منظمة دولية جديدة تقضي على هذه الأمراض الثلاثة التي تعاني منها الدبلوماسية العالمية، وتدافع بدلًا من ذلك عن الديمقراطية، وتقرير المصير والانفتاح (بالرغم من أن تركيزه على تقرير المصير لم ينطبق بوضوح على الخاسرين في الحرب العالمية الأولى). كان مقررًا أن يُطلق على هذا المنارة الجديدة المشرقة بالأمل اسم عصبة الأمم.

لسوء الحظ، تقلصت بشدة أي فرص لامتلاك عصبة الأمم أي سلطة حقيقية ضد الدول المنحرفة؛ بسبب قرار الولايات المتحدة، أقوى دولة في العالم، عدم الانضمام إلى العصبة لسياساتها الانعزالية الداخلية. أصبح الانضمام، والانسحاب سمة مميزة لعصبة الأمم. لم تنضم ألمانيا للعصبة إلا في عام 1926م، ثم انسحبت مرة أخرى في عام 1933م، وليس من قبيل المصادفة أن الاتحاد السوفيتي رأى مناسبًا الانضمام في العام التالي. تحدت إيطاليا، واليابان، اللتان كانتا تنتهجان سياسة استعمارية خارجية عدوانية، عصبة الأمم لاتخاذ إجراءات في فترة ما بين الحربين العالميتين، لكنها لم تتخذ أي إجراء، في الأقل من أي أهمية. لاحظ هتلر عدم رد فعل عصبة الأمم على العدوان الدَّوْليّ.

League of Nations Cartoon
كاريكاتير عن عصبة الأمم Leonard Raven-Hill (Public Domain)

حققت العصبة بعض التقدم في تعزيز الرخاء، وأثبتت فائدة وجود غرفة نقاش لمختلف القضايا الدولية غير العسكرية، ولذلك كانت، بالرغم من الصعوبات التي واجهتها، سَلفًا للأمم المتحدة الحالية.

التأثير والتقييم

تركت معاهدة فرساي خللًا في ميزان القُوَى في أوروبا؛ حيث ظلت ألمانيا، بصفتها دولة مهزومة، "سليمة جغرافيًا، واقتصاديًا إلى حد بعيد، وحافظت على وحدتها السياسية، وقوتها الكامنة كدولة عظمى" (شاير، 58)، على خلاف العديد من المعاهدات التي أعقبت حروبًا أخرى. أدت هذه المعاهدة، وغيرها من المعاهدات المماثلة، إلى إنشاء تسع دول جديدة في أوروبا الشرقية، وكان ذلك سببًا في عدم الاستقرار، حيث كانت جميعها تتنازع على حدودها، وكان العديد منها يضم أقليات كبيرة تدعي أنها جزء من دولة أخرى. نظرت ألمانيا، وإيطاليا، والاتحاد السوفيتي، عندما استعادت قوتها مرة أخرى، إلى هذه الدول الناشئة بحسد استعماري. أُهمِلَت إيطاليا إلى حد بعيد في مؤتمر باريس بالرغم من انتصارها في الحرب. تحطمت طموحات إيطاليا للسيطرة على ميناء فيومي في فرساي، مما تسبب في استياء دائم (انسحب الوفد الإيطالي من المؤتمر بسبب هذه القضية). أصبحت فيومي مسألة شرف وطني استخدمها الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني (1883-1945م) لتعزيز قبضته على السلطة في عام 1922م.

كان الاستياء في ألمانيا، فوريًا ودائمًا. احتج الناس في الشوارع، ولم يقتصر ذلك على اليمين المتطرف فقط. وصف الصحفيون المعاهدة على نطاق واسع بأنها "سلام مفروض"، ووصفوا الموقعين عليها على الفور بـ "مجرمي عام 1919م"، بما في ذلك الممثلون الألمان. وصف الرئيس الألماني الجديد فريدريش إيبرت (1871-1925م) شروط المعاهدة بأنها "غير قابلة للتحقيق ولا يمكن تحملها" (ماكدونو، 2012، 7). تغذى هذا الاستياء بالأسطورة القائلة بأن الشعب الألماني خذلته القيادة العليا لجيشه في الحرب العالمية الأولى، التي "طعنته في الظهر"؛ اعتقد الكثيرون أنه لولا ذلك لربما كانوا قد انتصروا في الحرب، فضلًا على ذلك، لم تكن المعاهدة كما كان يتصورها الناس بناءً على مبادرات وودرو ويلسون بشأن حق تقرير المصير، ونتيجة لذلك، مثلت شروط معاهدة فرساي صدمة كبيرة لكثير من الألمان العاديين.

Adulation of Hitler, Bad Godesberg
تحية هتلر، باد غودسبيرغ Bundesarchiv, Bild 183-H12704 (CC BY-SA)

أُلقيَ باللوم مرارًا، وتكرارًا على المعاهدة في مشكلات الدولة الألمانية الجديدة، جمهورية فايمار (1918-1933م)، باعتبارها عبئًا ثقيلًا على ألمانيا يعيق أي فرص للنمو والازدهار. حاول العديد من المستشارين الألمان إضعاف شروط المعاهدة. استغل أدولف هتلر المعاهدة لإثارة المشاعر القومية باستمرار، ففي كتابه "كفاحي" الذي نُشر عام 1925م، وضع هتلر إلغاء معاهدة فرساي على رأس قائمة أهداف سياسته الخارجية عندما سيحقق حلمه في أن يصبح زعيمًا لألمانيا. وصف هتلر في خطاباته ومقابلاته مع الصِّحافة الأجنبية، المعاهدة بأنها "أداة قمع لا حدود لها" (ماكدونو، 65) و"سجن فرساي" (رانج، 195). كان الإذلال الشائن لمعاهدة فرساي أحد الأسباب العدّة التي أدت إلى اكتساب النازيين شعبية، وتمكنهم من الاستيلاء على السلطة في ألمانيا بشكل شرعي اعتبارًا من عام 1933م. رفض هتلر المعاهدة رسميًا في مارس 1935م، بالرغم من أنه كان قد خرق فعلًا قواعد الحد من القوات المسلحة، والتسلح منذ بعض الوقت. كان هتلر حريصًا بشكل خاص على استعادة الأراضي الألمانية المفقودة، ولذلك بدأ دورة من الاستيلاء على الأراضي حتى أدى غزو بولندا في عام 1939م إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية في 3 سبتمبر.

إن الرؤية المتأخرة أمر رائع، لكن أحد المندوبين البريطانيين الذي حضر مؤتمر الصلح بباريس، كتب في عام 1939م، ولم يكن وحده في إدراكه أن شروط معاهدة فرساي كانت، في النهاية، ذات نتائج عكسية للغاية:

"سيصل المؤرخ، بكل ما يبرره، إلى استنتاج أننا كنا رجالًا أغبياء. أعتقد أننا كنا كذلك... المعاهدات التي فُرضت لم تكن عادلة ولا حكيمة... لقد قبلنا نظامًا للآخرين، وهو نظام، عندما حان وقت تطبيقه، رفضنا تطبيقه على أنفسنا." (ماكدونو)

لم يساعد العالم الكساد الكبير الذي حدث في عام 1929م، والمشاكل الاقتصادية، والاجتماعية الهائلة التي تلت ذلك، والتي مثلت ضغطًا كبيرًا على المؤسسات السياسية التقليدية في كل مكان. بدأت في ضوء هذه الأحداث، نِقَاط الضعف في معاهدة فرساي، التي ربما لم تكن لتصبح بهذه الخطورة لولا ذلك، في إحداث انقسام في أوروبا مرة أخرى. أشار بعض المؤرخين أيضًا إلى أن السبب في الأزمات الدولية التي شهدتها الثلاثينيات من القرن الماضي لم يكن المعاهدة نفسها، بل انعدام الوحدة بين المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، وعدم رغبتهم الواضحة في تنفيذ شروطها. كانت معاهدة فرساي بأي وسيلة، بالتأكيد عاملًا مهمًا، وإن لم يكن الوحيد، في الفوضى، والفظائع التي شهدتها الحرب العالمية الثانية.

أسئلة وأجوبة

كيف أدت معاهدة فرساي إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية؟

أدت معاهدة فرساي إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ لأنها عاملت ألمانيا بقسوة بعد خسارتها الحرب العالمية الأولى. استخدم أدولف هتلر مرارًا وتكرارًا فِقْرة الذنب والالتزامات الواردة في المعاهدة للتخلي عن الأراضي الألمانية والحد من الأسلحة ودفع تعويضات للحصول على دعم للحزب الاشتراكي القومي وكذريعة لغزو عدة دول.

من هم الأربعة الكبار في معاهدة فرساي؟

كان ”الأربعة الكبار“ في مناقشات معاهدة فرساي هم: رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج (1863-1945م)، ورئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو (1841-1929م)، والرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (1856-1924م)، ورئيس الوزراء الإيطالي فيتوريو أورلاندو (1860-1952م).

لماذا فشلت معاهدة فرساي؟

فشلت معاهدة فرساي لأن شروطها كانت قاسية للغاية على ألمانيا، مما تسبب في استياء شعبي دائم، ثم أن الأراضي التي تم انتزاعها من ألمانيا كانت في الغالب ذات أغلبية ألمانية، وكان دفع التعويضات وفرض قيود على التسلح يعتمد على امتثال ألمانيا الطوعي.

نبذة عن المترجم

Mahmoud Ismael
معلم تاريخ، ودراسات اجتماعية، حاصل على ليسانس الأداب، تخصص تاريخ، ومهتم بترجمة المقالات والأبحاث التاريخية.

نبذة عن الكاتب

Mark Cartwright
مارك كاتب وباحث ومؤرخ ومحرر متفرغ. يهتم بالفنون والعمارة وباكتشاف الأفكار والمفاهيم مشتركة بين الحضارات. حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة السياسية ويشغل منصب مدير النشر في موسوعة تاريخ العالم.

استشهد بهذا العمل

نظام التوثيق APA

Cartwright, M. (2026, January 23). معاهدة فرساي. (M. Ismael, المترجم). World History Encyclopedia. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-22828/

نظام التوثيق بنمط Chicago

Cartwright, Mark. "معاهدة فرساي." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, January 23, 2026. https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-22828/.

التوثيق بنمط MLA

Cartwright, Mark. "معاهدة فرساي." تمت ترجمته من قبل Mahmoud Ismael. World History Encyclopedia, 23 Jan 2026, https://www.worldhistory.org/trans/ar/1-22828/.

إزالة الإعلانات