كان يهوذا الإِسْخَرْيُوطِيُّ أحد تلاميذ يسوع الناصري الأصليين (توفي حوالي عام 30 م)، وهو أحد الرسل الاثني عشر، لكنه أصبح رمزًا للخيانة في التقاليد المسيحية، بل ولن يغفر له أبدًا، لتسليمه يسوع إلى السلطات، كما هو موصوف في الأناجيل، لهذا السبب، قلة من الناس يطلقون اسم يهوذا على أبنائهم في العصر الحديث، ومع ذلك، كان هذا الاسم شائعًا جدًا في القرن الأول الميلادي. ”يهوذا“ هو الاسم اليوناني للاسم العبري ’يهوذا‘ (الذي يعني ”الحمد لله“)، في إشارة إلى يهوذا المكابي وثورته المكابية الناجحة ضد الحكم اليوناني (167ق.م). لا يزل لقب ”الإِسْخَرْيُوطِيُّ“ موضع نقاش بين العلماء؛ فقد يشير إلى ”كونه من قريوث“، وهي قرية تقع جَنُوب القدس، أو قد يشير إلى طريقة وفاته: فقد تعني كلمة “iskarioutha” ’الاختناق‘ أو ”الانقباض“.
ظهرت قصة يهوذا أول مرة في إنجيل مرقس (حوالي 70 م)، ولا نجد أي دليل سابق على قصة خيانته أو عليه شخصيًا. قام متى، ولوقا، ويوحنا، بنسخ إنجيل مرقس، ولكن مع إضافة تعديلاتهم وتقاليدهم وتفاصيلهم الخاصة، وهي ليست أربع مصادر مستقلة عن يهوذا، لا يزل مكان وكيفية حصول مرقس على معلوماته مجهولين. يصعب تحليل الأناجيل لأن كُتّابها، مثلهم مثل الطوائف اليهودية الأخرى في القرن الأول الميلادي، لجأوا إلى الكتب المقدسة وقصص وتقاليد إسرائيل لتأكيد صحة حججهم، وكما أثبتوا أن يسوع وخدمته حققا نبوءات الكتب المقدسة، طبقوا المبدأ نفسه على شخصية يهوذا وأعماله.
يهوذا الرسول
سَمًّى يسوع تلاميذه، وأطلق عليهم اسم ”الاثني عشر“، وهذا رمز لاستعادة الإثني عشر سبطًا من إسرائيل عندما يقيم الله ملكوته وفقًا لرسالة يسوع. يأتي يهوذا في المرتبة الأخيرة، في قائمة التلاميذ، مع إضافة ”يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي أَسْلَمَهُ.“ (مرقس 3:19). يعرف القارئ منذ البداية ما سيفعله يهوذا، وبالرغم من ذلك، في إنجيل مرقس، يعمل يهوذا جنبًا إلى جنب مع بقية التلاميذ طوال مدّة الخدمة. يرسلهم يسوع اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ ”وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْوَاحِ النَّجِسَةِ“ ومسح الناس بالزيت لشفائهم (مرقس 7:6). لا نسمع شيئًا محددًا عن يهوذا في إناجيل مرقس ومتى ولوقا، حتى وقوع الأحداث في أورشليم،
ذكر إنجيل يوحنا (حوالي 100 م) دور يهوذا في ”حفظ صندوق المال“، وهو منصب كان يتطلب الثقة. ترد هذه التفاصيل في المقطع الذي يروي وجود يسوع في بيت لعازر وشقيقتيه مريم ومارثا:
”ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ.فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ، وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ.فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ.فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَهُوَ يَهُوذَا سِمْعَانُ الإِسْخَرْيُوطِيُّ، الْمُزْمِعُ أَنْ يُسَلِّمَهُ:«لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟»قَالَ هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ.فَقَالَ يَسُوعُ: «اتْرُكُوهَا! إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ، لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ»“ (يوحنا 1:12-8)
يهوذا والسلطات اليهودية
تظهر قصة الخيانة، أول مرة كما ذُكر أعلاه، في إنجيل مرقس. يذكر بولس في كورنثوس الأولي (11:23)، كيف ”سُلِّمَ“ يسوع إلى السلطات، لكن الكلمة اليونانية هنا لا تعني ”خيانة“ بالرغم من ترجمتها عادةً على هذا النحو، لأن قصة يهوذا متأصلة تمامًا في التقاليد الغربية.
”ثُمَّ إِنَّ يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، وَاحِدًا مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، مَضَى إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ. وَلَمَّا سَمِعُوا فَرِحُوا، وَوَعَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. وَكَانَ يَطْلُبُ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ فِي فُرْصَةٍ مُوافِقَةٍ.“ (مرقس 14: 10-11)
قدم متى حوارًا أيضًا:
”وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُوني وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ.“ (متى 15:26)
كانت الثلاثون قطعة من فضة قيمة التعويض عن عبد مصاب، وفي (زكريا 12:11-13)، تلقى ثلاثون قطعة من الفضة مقابل عمله كراعي، والذي أخفق فيه، فألقى المال إلى فَخَّارِيِّ، فربما استخدم متى هذا الموضوع في وصفه لموت يهوذا.
قدم لوقا (ويوحنا) دافعًا مختلفًا:
”فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِي يَهُوذَا الَّذِي يُدْعَى الإِسْخَرْيُوطِيَّ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الاثْنَيْ عَشَرَ. فَمَضَى وَتَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ. فَفَرِحُوا وَعَاهَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. فَوَاعَدَهُمْ. وَكَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ خِلْوًا مِنْ جَمْعٍ.“ (لوقا 22: 3-6)
العشاء الأخير
”وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ جَاءَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. وَفِيمَا هُمْ مُتَّكِئُونَ يَأْكُلُونَ، قَالَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي. اَلآكِلُ مَعِي!»فَابْتَدَأُوا يَحْزَنُونَ، وَيَقُولُونَ لَهُ وَاحِدًا فَوَاحِدًا: «هَلْ أَنَا؟» وَآخَرُ: «هَلْ أَنَا؟»فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «هُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يَغْمِسُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ.إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!»“ (مرقس 14: 17-21).
أضاف متى: ”فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَالَ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟» قَالَ لَهُ: «أَنْتَ قُلْتَ».“ (25:26)، أما لوقا: ”وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ. وَابْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ!»فَابْتَدَأُوا يَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ: «مَنْ تَرَى مِنْهُمْ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْعَلَ هذَا؟»“(22:21)
هذه المقاطع مربكة إلى حد ما، من الناحية السردية؛ فالقارئ يعرف أن يهوذا هو الفاعل، ولكن يبدو أن التلاميذ لم يعرفوا ذلك، أما من الناحية الكتابية، دُمِجَت عناصر من مزامير الرثاء في سرد آلام يسوع. يرتبط هذه المشهد بمزمور (41: 9): ”أَيْضًا رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!“
يقدم إنجيل يوحنا حبكة بنيوية أكثر مصداقية:
”لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَالَ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي!»فَكَانَ التَّلاَمِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ.وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ.فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ.فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: «يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟»أَجَابَ يَسُوعُ: «هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ!» فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ. فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ».وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِه، لأَنَّ قَوْمًا، إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا، ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ، أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ.فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ اللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ. وَكَانَ لَيْلًا.“ (يوحنا 13: 21-30)
يروي لوقا القصة نفسها، لكن دون أن يذكر اسم يهوذا، فبعد العشاء، ذهب يسوع والتلاميذ إلى بستان جَثْسيماني (”معصرة الزيتون“) عند سفح جبل الزيتون، هذا المشهد له تشابه مثير للاهتمام مع قصة َخِيتُوفَلُ، أحد رجال بلاط داود أثناء تمرد أَبْشَالُومَ:
”وَقَالَ أَخِيتُوفَلُ لأَبْشَالُومَ: «دَعْنِي أَنْتَخِبُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُل وَأَقُومُ وَأَسْعَى وَرَاءَ دَاوُدَ هذِهِ اللَّيْلَةَ، فَآتِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُتْعَبٌ وَمُرْتَخِي الْيَدَيْنِ فَأُزْعِجُهُ، فَيَهْرُبَ كُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي مَعَهُ، وَأَضْرِبُ الْمَلِكَ وَحْدَهُ. وَأَرُدَّ جَمِيعَ الشَّعْبِ إِلَيْكَ. كَرُجُوعِ الْجَمِيعِ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي تَطْلُبُهُ، فَيَكُونُ كُلُّ الشَّعْبِ فِي سَلاَمٍ».“ (2 صموئيل 17: 1-4).
لجأ داود إلى جبل الزيتون نفسه، وهو يبكي، وبعد فشل التمرد، شنق أَخِيتُوفَلُ نفسه.
قُبْلَةُ يهوذا واعتقال يسوع
يقول مرقس عن اعتقال يسوع:
”أَقْبَلَ يَهُوذَا، وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ.وَكَانَ مُسَلِّمُهُ قَدْ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلًا: «الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ، وَامْضُوا بِهِ بِحِرْصٍ».فَجَاءَ لِلْوَقْتِ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَائِلًا: «يَا سَيِّدِي، يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ. فَأَلْقَوْا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ وَأَمْسَكُوهُ.“ (مرقس 14: 43-46)
قد يكون المرجع الكتابي هنا هو سفر الأمثال (27: 6): ”أَمِينَةٌ هِيَ جُرُوحُ الْمُحِبِّ، وَغَاشَّةٌ هِيَ قُبْلاَتُ الْعَدُوِّ“. أصبحت قبلة يهوذا هذه استعارة للخيانة في الفن والأدب.
”حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلًا: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: «لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ». فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. لِهذَا سُمِّيَ ذلِكَ الْحَقْلُ «حَقْلَ الدَّمِ» إِلَى هذَا الْيَوْمِ. حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ الْقَائِلِ: «وَأَخَذُوا الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، ثَمَنَ الْمُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ، كَمَا أَمَرَنِي الرَّبُّ»“ (متى 27: 3-10).
لا توجد مثل هذه النبوءة في سفر إرميا، ومن المرجح أن متى (أو ناسخ لاحق) خلط بينها والاقتباس من سفر زكريا المذكور أعلاه لأن كلا النبيين ذكروا الْفَخَّارِيّ.
يروي لوقا في سفر أعمال الرسل، قصة موت يهوذا مع قصة استبدال متياس ليهوذا، لاستعادة الاثني عشر:
”فَإِنَّ هذَا اقْتَنَى حَقْلًا مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ، وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسْطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. وَصَارَ ذلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، حَتَّى دُعِيَ ذلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ «حَقَلْ دَمَا» أَيْ: حَقْلَ دَمٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ. وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آخَرُ.“ (أعمال الرسل 1:18-20).
يهوذا التاريخي
يقبل العديد من العلماء قصة يهوذا لأنها تتناسب مع معيار ”الإحراج“، بمعنى آخر، لا بد أن التقاليد المحيطة بيهوذا كانت معروفة لأن أيًا من الأناجيل لم يحاول إخفاءها، وهناك حِجَّة إضافية مفادها أن قصة الخيانة لم تكن ضرورية لصلب يسوع؛ ففي القدس خلال عيد الفصح، كان الكهنة، وكذلك الجيش الروماني، يقظين تجاه أي شخص له أتباع، ويبشر بمملكة ليست روما، لذا، تبدو قصة يهوذا كشيء غريب، وبالتالي كان لا بد من تفسيرها.
لم يكن ليموت يسوع كذبيحة كفّارة، لولا يهوذا، يتناقش العلماء واللاهوتيون حول دوافع يهوذا، وغالبًا ما يتضمن ذلك محاولات لتحليل شخصيته نفسيًا. يُوصف يهوذا غالبًا بأنه أحد أعضاء الثوار، المتطرفين، الذي خاب أمله، عندما لم يدعُ يسوع إلى الثورة ضد روما، فسلمه إلى السلطات.
يدور جزء من الجدل حول دوافع يسوع، حيث كان يعلم أنه سيموت؛ لأنه تنبأ بذلك طوال مدّة خدمته. هل اختار يسوع يهوذا عمدًا ليقوم بدور ”المُسَلِّم“؟ هل من العدل في هذا السياق، إلقاء اللوم على يهوذا في حين أن الموت كان محتومًا فعلًا؟ أم أن قصة يهوذا هي تبرير لاحق لفعل خيانة تاريخي؟
هناك رأي أقلية يرى أن يهوذا ليس شخصية تاريخية، بل رمزًا لليهود الذين رفضوا يسوع باعتباره ”المسيح“، ومع ذلك، هناك أشخاص آخرون اسمهم يهوذا في العهد الجديد، ولهم صفات إيجابية: يهوذا أخو يسوع (يوضاس)، الرسول، يهوذا بارساباس (أعمال الرسل 15: 22-33)، كما ذكر يوحنا يهوذا، وليس الإِسْخَرْيُوطِيِّ، في إحدى قصصه (يوحنا 14: 22).
يهوذا المنحول
تراكمت التفاصيل المتعلقة بيهوذا على مر القرون، في الأدب ”المنحول“، الذي لم يدخل في الأناجيل القانونية. ادعى بابياس أسقف فيرجيا (60-130 م) في كتابه ”تفسير أقوال الرب“ أن يهوذا نال غضب الله في جسده المادي؛ حيث أصبح جسده منتفخًا لدرجة أنه لم يستطع المرور في الشوارع دون أن يصطدم بالمباني، وكانت عيناه منتفختين لدرجة أن الطبيب لم يستطع العثور عليهما، وتورمت أعضاؤه التناسلية وامتلأت بالقَيَّحَ والديدان. أخيرًا، قتل يهوذا نفسه، وطُرحت أحشاءه أرضًا، ولم يستطع الناس المرور من هناك دون أن يشموا الرائحة الكريهة، لمدة مئة عام.
عاد يهوذا، الذي كان يشعر بالذنب، إلى منزله وفقًا لإنجيل نيقوديموس المنحول (القرن الرابع الميلادي تقريبًا)، حيث كانت زوجته تطهو دجاجة، وأخبرها أنه ينوي الانتحار لأن يسوع سوف يقوم من بين الأموات ويعاقبه، ضحكت زوجته وقالت إن يسوع لا يستطيع أن يقوم من بين الأموات، تمامًا مثل هذه الدجاجة، فعادت الدجاجة إلى الحياة وبدأت في الصياح، فركض يهوذا وشنق نفسه.
يهوذا في الجحيم
كان العالم القديم يعتنق مفهوم ”الموت النبيل“، حيث كان الانتحار يُكرم باعتباره محاولة للتخلص من العار، لكن القديس أوغسطين (354-430 م) جعل الانتحار خطيئة بالنسبة للمسيحيين، وهو اللاهوتي الذي حبس يهوذا في الجحيم إلى الأبد، فلو لم يشنق يهوذا نفسه، لكان من الممكن أن يُغفر له، لكن انتحاره جعله بعيدًا عن أي أمل في المغفرة.
يوجد يهوذا، في جحيم دانتي، إلى جانب كاسيوس وبروتوس، في وَسْط الجحيم، حيث يلتهمهم الشيطان الوحشي ذو الرؤوس الثلاثة إلى الأبد. يهوذا هو الشخصية المركزية، حيث تمزق ظهره مخالب الملائكة الساقطة.
إنجيل يهوذا
أعلنت الجمعية الجغرافية الوطنية في عام 2006 م، عن اكتشاف وترجمة إنجيل يهوذا. كان المؤرخون على علم بوجود إنجيل يهوذا لأن إيريناوس، أحد آباء الكنيسة في القرن الثاني، كتب ضده في كتابه Adversus Haereses (ضد الهرطقات). يُصنف إنجيل يهوذا على أنه إنجيل غنوصي، حيث يصور يسوع في صورة مختلفة تمامًا عن الأناجيل الكنسية في القرن الثاني الميلادي.
يتكون معظم هذا الإنجيل من حوار بين يسوع ويهوذا، حيث ندرك أن يهوذا هو التلميذ الوحيد الذي يدرك حقيقة يسوع. أُرسل يسوع الغنوصي إلى العالم ليُنير البشر بأن الخلاص يمكن أن يتحقق من خلال احتضان الإله الأبدي داخل أنفسهم. يحدث معظم الحوار بين يسوع ويهوذا أثناء مراقبة الأحد عشر الآخرين، وبطريقة ساخرة تقريبًا، يشير يسوع إلى أن الأحد عشر لا يمكنهم إدراك سوى ما تراه الحواس المادية، مثل الخلاص الذي يوجد في الاستشهاد أو الإيمان بقيامة الجسد. يطلب يسوع من يهوذا في هذا الإنجيل، أن يخونه، حتى يتمكن من العودة إلى الآب.
يهوذا المعاصر
عُرضت أوبرا الروك ”يسوع المسيح سوبرستار“ في عام 1970 م، وهي من تأليف تيم رايس وأندرو لويد ويبر على مسرح برودواي. أدّى بن فيرين دور يهوذا في الطاقم الأصلي، في حين لعب كارل أندرسون هذا الدور في الفيلم (من إخراج نورمان جويسون). أكد اختيار رجل أسود لتأدية دور يهوذا على أنه كان ضحية مثيرة للشفقة في الخُطَّة الإلهية. يخشى يهوذا في هذه النسخة، أن تؤدي تعاليم يسوع إلى مقتلهم جميعًا، وعندما لا تؤتي توسلاته إلى يسوع ثمارها، يذهب إلى الكهنة ليطلب منهم القبض على يسوع، ولكن مع إعفاء الآخرين... ”من أجل الأمة، يجب أن يموت هذا اليسوع“. تنتهي الأوبرا بقيام يهوذا بالنزول من السماء بعد انتحاره برفقة جوقة من الملائكة، وتشير الأغنية الأخيرة ليهوذا إلى استمرار حيرته:
”كلما نظرت إليك لا أفهم
لماذا تركت الأمور تخرج عن السيطرة إلى هذا الحد...
يا يسوع، يا يسوع،
من أنت؟ ماذا ضحيت؟
يا يسوع، يا يسوع،
هل تؤمن بما يقولونه عنك؟“
أنتج مارتن سكورسيزي في عام 1988 م، فيلم ”آخر إغواء للمسيح“، المستوحى من رواية نيكوس كازانتزاكيس المثيرة للجدل التي صدرت عام 1955 م. تُصور الرواية والفيلم على حد سواء صراع يسوع مع الشك ومحاولته مقاومة خُطَّة الله له. أدي هارفي كيتل دور يهوذا. يهوذا في هذه النسخة، هو أحد أعضاء الجماعة المتطرفة التي حاولت مرارًا وتكرارًا حث يسوع على قيادة ثورة. هناك عَلاقة وثيقة بين يهوذا ويسوع، الذي يقنع يهوذا بتسليمه إلى السلطات حتى يتمكن من طاعة خُطَّة الله.
يحدث آخر إغواء ليسوع على الصليب، حيث ظهرت له رؤية لما ستكون عليه حياته إذا لم يمت، حيث تتضمن الحياة المستقبلية الزواج من مريم المجدلية وإنجاب أطفال. يوبخ يهوذا المسن يسوع في الرؤيا، على حقيقة أن يهوذا مدان الآن من قبل الجميع، ولكن لسبب خاطئ، فإذا لم يمت يسوع، فلن يُفهم دور يهوذا في الخلاص. قرر يسوع في النهاية، أن يموت.

