يُعرَّف فلاسفة ما قبل سقراط بأنهم المفكرون اليونانيون الذين طوروا مدارس فكرية مستقلة وأصيلة منذ زمن طاليس الملطي (حوالي ٥٨٥ ق.م) حتى سقراط الأثيني (٤٧٠/٤٦٩-٣٩٩ ق.م)، ويُعرفوا باسم ما قبل سقراط لأنهم سبقوا سقراط.
بدأ طاليس الملطي الحركة الفكرية التي أنتجت الأعمال المعروفة الآن بالفلسفة اليونانية القديمة التي تبحث عن العلّة الأولى للوجود، المادة التي نشأ منها كل شيء، والتي كانت أيضًا العامل المسبب في تكوّنها، واستنتج أن الماء هو السبب الأول؛ لإمكانية اتخاذه أشكالًا مختلفة (بخار عند التسخين، جليد عند التجميد)، ويبدو أنه يكوّن جميع الكائنات الحية.
رفض الفلاسفة اللاحقون هذا الاستنتاج بدءًا من أناكسيماندر (حوالي ٦١٠ - حوالي ٥٤٦ ق.م) الذي جادل بأن السبب الأول يتجاوز المادة، وأنه في الواقع قوة كونية من الطاقة الإبداعية التي تصنع وتدمر وتعيد تشكيل العالم المرئي باستمرار. أسس الفلاسفة الذين جاءوا بعد هذين الاثنين مدارسهم الفكرية الخاصة بمفاهيمهم الخاصة عن العلّة الأولي، وبنوا تدريجيًا على إنجازات من سبقهم حتى وجدت الفلسفة تعبيرها الكامل وعمقها في أعمال أفلاطون (٤٢٤/٤٢٣-٣٤٨/٣٤٧ ق.م)، الذي نسب أفكاره إلى شخصية سقراط.
لم تكن فلسفة فلاسفة ما قبل سقراط موحدة بأي حال من الأحوال. لم يدعم اثنان من هؤلاء الرجال الأفكار نفسها تمامًا (باستثناء برمانيدس وزينون الإيلي)، ومعظمهم انتقد أعمال الآخرين السابقة، حتى وهم يستخدمونها لتطوير مفاهيمهم الخاصة. وأخيرًا، فإن أفلاطون ينتقد معظمهم تقريبًا، لكن يتضح من أعماله أن مدارسهم الفكرية أثرت في فلسفته الخاصة وألهمتها، ولا سيما الرؤية الفلسفية الدينية لفِيثَاغُورَسُ.
ستؤثر أعمال أفلاطون وأستاذه أرسطو (384-322 ق.م) لاحقًا في الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى في العصر الحالي – اليهودية والمسيحية والإسلام – وكذلك في الحضارة الغربية عمومًا، وهذا لم يكن ليتحقق لولا الفلاسفة السابقين لسقراط.
فلاسفة ما قبل سقراط ومساهماتهم
هناك أكثر من 90 فيلسوفًا سابقًا لسقراط، جميعهم قدموا شيئًا للمعرفة العالمية، لكن الباحث فورست إي. بيرد اختصر هذا العدد إلى 15 مفكرًا رئيسيًا أثرت مساهماتهم بشكل مباشر أو غير مباشر في الثقافة اليونانية وفي أعمال أفلاطون وأرسطو اللاحقة.
- طاليس الملطي – حوالي 585 ق.م.
- أناكسيماندر – حوالي 610 - حوالي 546 ق.م.
- أنكسيمانس – حوالي 546 ق.م.
- فِيثَاغُورَسُ – حوالي 571 - حوالي 497 ق.م.
- زينوفانيس الكولوفوني – حوالي 570 - حوالي 478 ق.م.
- هِرَقْليطُس الأفسسي – حوالي 500 ق.م.
- برمانيدس – حوالي 485 ق.م.
- زينون الإيلي – حوالي 465 ق.م.
- أمبادوقليس – حوالي 484-424 ق.م.
- أناكسوغوراس – حوالي 500 - حوالي 428 ق.م.
- ديمُقْريطُس – حوالي 460 - حوالي 370 ق.م.
- ليوكيبوس – حوالي القرن الخامس ق.م.
- بروتاغوراس – حوالي 485-415 ق.م.
- غورغياس – حوالي 427 ق.م.
- كريتياس – حوالي 460-403 ق.م.
طاليس: كان طاليس وفقًا لأرسطو، أول من طرح سؤال "ما العنصر الأساسي للكون؟" (بيرد، 8)، أي ما العلّة الأولى للوجود، ومن أي عنصر أو قوة نشأ كل شيء آخر؟ ادعى طاليس أن العنصر هو الماء لأن السبب الأول يجب أن يكون جزءًا من كل ما يليه، فعندما يُسخن الماء يتحول إلى هواء (بخار)، وعندما يُبرد يصبح صلبًا (ثلج)، وإذا أضيف إلى التربة يصبح طينًا، وعندما يجف يصبح صلبًا مرة أخرى، وتحت الضغط يمكنه تحريك الصخور، وعند السكون يوفر موطنًا للكائنات الحية الأخرى وهو ضروري لحياة الإنسان. بدا لطاليس إذًا أن العنصر الأساسي للخلق يجب أن يكون الماء.
أناكسيماندر: لم يكن الأمر واضحًا بالنسبة إلى أناكسيماندر، الذي وسّع تعريف العلّة الأولى بمفهومه الأعلى للأبيرون – "اللامحدود، اللامتناهي، غير المحدد" (بايرد، 10) –الذي كان قوة إبداعية أبدية تجلب الأشياء إلى الوجود وفق نمط طبيعي محدد، وتدمرها وتعيد خلقها في أشكال جديدة. لا يمكن لأي عنصر طبيعي أن يكون العلّة الأولى، كما ادعى، لأن جميع العناصر الطبيعية يجب أن تكون قد نشأت من مصدر سابق، وبمجرد خلقها، كما قال، تطورت الكائنات لتتكيف مع بيئتها، وهكذا اقترح أول مرة نظرية التطور قبل أكثر من ألفي عام من داروين.
أنكسيمانس: يُعتقد إن أناكسيمينس كان تلميذًا لأناكسيماندر، وعَدّ الهواء هو العلّة الأولى. يعلق بايرد:
"اقترح أنكسيمانس أن الهواء هو المبدأ الأساسي للعالم، وقد تبدو أطروحته، للوهلة الأولى، تراجعًا عن مبدأ أكثر شمولًا ــ مثل اللامحدود عند أناكسيماندر ــ إلى مبدأ أكثر خصوصية، مثل الماء عند طاليس. غير أن أنكسيمانس أضاف فكرة بالغة الأهمية؛ إذ قدّم تفسيرًا للكيفية التي يتحول بها مبدأ الواحد الكامن (الهواء) إلى التعدد المشاهد في العالم؛ فبواسطة التخلخل يتحول الهواء إلى نار، وبواسطة التكاثف يتحول، على التوالي، إلى ريح، ثم ماء، ثم تربة. ومن ثم فإن الاختلافات الكيفية الظاهرة (كالنار والريح والماء والتربة) ليست سوى نتيجة لتغيرات كمية، أي لاختلاف درجة كثافة المبدأ الأساسي أو مدى تراص أجزائه، ويرى كثير من العلماء أن هذا التصور العام، القائم على تفسير اختلاف الخصائص الكيفية من خلال تغيرات كمية، لا يزال يحتفظ بقيمته في الفكر العلمي الحديث." (12)
أشار تعريف أنكسيمانس لـ "الهواء" وتحولاته إلى العلّة الأولى الذي عرّف الحياة بأنها حالة دائمة من التدفق والتغير، فعندما يصبح الهواء مخلخلًا أو مكثفًا أو غير ذلك، يتغير في الشكل؛ لذلك، كان التغير عنصرًا مهمًا في السبب الأول.
فِيثَاغُورَسُ: طُوِّرَ هذا المفهوم بشكل أكبر على يد فِيثَاغُورَسُ الذي اعتبر العدد – الرياضيات – المبدأ الأساسي للحقيقة، وبنفس الطريقة التي لا بداية ولا نهاية لها للعدد، كذلك الخلق. يعد مفهوم التحول جوهري في رؤية فِيثَاغُورَسُ؛ حيث ادعى أن الروح البشرية خالدة، وتمر عبر العديد من التجسدات المختلفة، حياة بعد حياة، في حين تكتسب معرفة جديدة بالعالم كما يُختبر بأشكال مختلفة. طُوِّرَت مفاهيم فِيثَاغُورَسُ – بما في ذلك نظريته الشهيرة "نظرية فِيثَاغُورَسُ" – بالتأكيد من أفكار مصرية، لكنه أعاد صياغتها لتصبح خاصة به بشكل واضح. لم يكتب فِيثَاغُورَسُ شيئًا، ودُوِّنَتْ تعاليمه لاحقًا فقط بواسطة فيلولاوس (حوالي 470-385 ق.م) الذي لا توجد أعماله إلا في شذرات (كما هو الحال مع مؤلفين آخرين)، لذا فقد ضاع الكثير من أفكاره. ومع ذلك، واستنادًا إلى ما هو معروف، فمن الواضح أن مفهومه عن تناسخ الأرواح (التقمص) أثر بشكل كبير في اعتقاد أفلاطون حول الخلود.
زينوفانيس: إن مفهوم الروح الأبدية يشير إلى وجود قوة حاكمة قامت بخلقها، وإن هذه الروح ستعود يومًا ما بعد الموت إلى تلك القوة. ضم فِيثَاغُورَسُ هذا المفهوم إلى تعاليمه التي ركزت على الخلاص الشخصي عن طريق الانضباط الروحي، لكنه لم يحدد ماهية تلك القوة. أكمل زينوفانيس لاحقًا، هذا النقص بمفهومه عن إله واحد. كتب يقول:
"إلهٌ واحد هو الأعظم بين الآلهة والبشر، ولا يشبه الفانين مطلقًا، لا في جسده ولا في عقله. إنه يرى كله، ويفكر كله، ويسمع كله. ومن غير كدٍّ، يحرك كل الأشياء بفكر عقله وحده." (شذرات الفلاسفة السابقين لسقراط 23 – 25، فريمان، 23)
أنكر زينوفانيس صحة الآلهة المجسدة في الأساطير اليونانية، مدافعًا عن وجود كيان روحي واحد خلق كل الأشياء وجعلها تتحرك، وبمجرد أن تبدأ الحركة، يواصل البشر مسارهم حتى الموت، ويبدو أنه يقترح أن أرواحهم تعود لتتحد مع القوة الخالقة. لم يواجه توحيد زينوفانيس أي معارضة من السلطات الدينية في زمنه، لأنه صاغ أفكاره في شكل شعري وأشار إلى إله واحد بين آخرين، كان من الممكن تفسيره على أنه زيوس.
هِرَقْليطُس: رفض هِرَقْليطُس، الذي كان معاصرًا أصغر سنًا، هذا الرأي واستبدل "الإله" بـ "التغير". وهو معروف أكثر بالعبارة بانتا ري "كل شيء يتغير" أو "الحياة في تدفق"، والمثل القائل "لا يمكنك أن تنزل إلى النهر نفسه مرتين"، في إشارة إلى أن كل شيء، دائمًا، في حركة دائمة، وأن ماء النهر يتغير من لحظة إلى أخرى، وكذلك الحياة. إن الوجود بالنسبة لهِرَقْليطُس، جاء إلى حيز الوجود واستمر من خلال صراع الأضداد الذي شجع باستمرار على التحول – مثل الليل والنهار، والفصول، وما إلى ذلك – بحيث إن كل شيء كان دائمًا في حركة مستمرة وحالة تغير دائم. الصراع والحرب، بالنسبة لهِرَقْليطُس، كانا جانبين ضروريين من جوانب الحياة لأنهما يجسدان مفهوم التغير التحولي. مقاومة هذا التغير تعني مقاومة الحياة؛ أما قَبُول التغير فيشجع على حياة هادئة وخالية من الاضطراب.
برمانيدس: رفض برمانيدس هذا التصور للحياة بوصفها تغيّرًا في مدرسته الإيليّة الفكر، التي علّمت مبدأ الواحدية، أي الاعتقاد بأنّ كلّ الواقع الملاحظ يتكوّن من جوهر واحد، غير مخلوقٍ، وغير قابلٍ للهدم. التغيّر مجرّد وهم؛ فالمظاهر هي التي تتغيّر، لا جوهر الواقع الذي يشترك فيه كلّ إنسان. ما يختبره الإنسان ويخشاه بوصفه "تغيّرًا" هو وهميّ، لأنّ جميع الكائنات الحيّة تشترك في الجوهر الأساسيّ نفسه. لا يمكن الوثوق بالحواسّ في تفسير واقعٍ يوحي بالتغيّر، كما قال، لأنّ الحواسّ غير موثوقة. لا بدّ للمرء، بدلًا من ذلك، أن يدرك أنّ "«هناك طريقٌ لما هو كائن، وطريقٌ لما ليس بكائن» (أي: طريق الحقيقة وطريق الرأي)، مع الإقرار بالوحدة الجوهرية للوجود المادي التي لا تميّز بين الكائنات؛ فالإنسان ينمو ويتطور ويموت، شأنه في ذلك شأن الحيوانات والنباتات، وما يراه الناس من "اختلافات" بينهم وبين الآخرين ليس إلا تفاصيل ثانوية. وقد قام ميليسوس من ساموس (القرن الخامس قبل الميلاد) بتوضيح مفاهيمه، وهو الذي يُشار إليه أحيانًا بوصفه "الإيليّ الثالث" بعد برمانيدس وزينون.
زينون الإيلي: دافع زينون الإيلي، تلميذ برمانيدس، عن أفكار أستاذه وعرّفها عن طريق سلسلة من المفارقات المنطقية التي تثبت أن التعددية مجرد وهم للحواس وأن الواقع موحد. أظهر زينون أنه لا يوجد في الحقيقة شيء اسمه التغير، بل هو مجرد وهم. أثبت ذلك من خلال أربعين مفارقة لم يبق منها سوى عدد قليل. أشهر هذه المفارقات تعرف بمفارقة السباق، التي تنص على أنه بين النقطة (أ) والنقطة (ز) في مضمار السباق، يجب أولاً قطع نصف المسافة. وبين النقطة (أ) ونقطة المنتصف توجد نقطة منتصف أخرى، وبين النقطة (أ) وتلك النقطة توجد نقطة منتصف أخرى، وهكذا دواليك. لا يمكن أبداً الوصول إلى النقطة (ز) لأن المرء لا يستطيع منطقياً الوصول إليها دون المرور أولاً بنقطة المنتصف، والتي لا يمكن بلوغها بسبب تعدد نِقَاط المنتصف التي تسبقها. إذن الحركة مجرد وهم، وكذلك التغير، لأنه لكي يتغير أي شيء يجب أن تتغير طبيعة الواقع – أي يجب إزالة جميع نِقَاط المنتصف – وهذا أمر غير منطقي. أثبت زينون رياضيًا وعن طريق هذه المفارقة وغيرها، صحة ادعاءات برمانيدس.
أمبادوقليس: رفض أمبادوقليس تماماً الادعاء بأن التغير مجرد وهم واعتقد أن التعددية هي الطبيعة الأساسية للوجود. كل الأشياء تتميز بطريقتها الفريدة، وعن طريق التقاء الأضداد تنطلق طاقات إبداعية تؤدي إلى التحول. يكتب بيرد:
"سعى أمبادوقليس إلى التوفيق بين إصرار هِرَقْليطُس على واقعية التغير وادعاء المدرسة الايلية بأن النشوء والفناء أمران لا يمكن تصورهما، وبالعودة إلى الاعتقاد التقليدي لدى الإغريق في العناصر الأربعة، وجد مكانًا لماء طاليس، وهواء أنكسيمانس، ونار هِرَقْليطُس، وأضاف الأرض كعنصر رابع، فبالإضافة إلى هذه العناصر الأربعة، والتي سيطلق عليها أرسطو لاحقًا "الأسباب المادية"، افترض أمبادوقليس وجود "سببين فاعلين": الشقاق والمحبة." (31 – 32)
إن الشقاق، بالنسبة لأمبادوقليس، يميز أشياء العالم ويحددها؛ أما المحبة فكانت تجمعها وتوحدها. وهكذا، فإن القوى المتعارضة للشقاق والمحبة عملت معًا نحو وحدة في التصميم والكمال، وهو ما اعتقد أمبادوقليس أن المدرسة الإيلية لبرمانيدس كانت تحاول قوله لكنها فشلت في ذلك.
أناكسوغوراس: أخذ أناكسوغوراس فكرة الأضداد والتعريف وطور مفهومه عن التشابه وعدم التشابه و"البذور". لا يمكن أن يأتي شيء مما لا يشبهه، ويجب أن يأتي كل شيء من شيء آخر؛ وهذا "الشيء" هو الجزيئات ("البذور") التي تشكل طبيعة ذلك الشيء بعينه. فالشعر، على سبيل المثال، لا يمكن أن ينمو من الحجر بل فقط من الجزيئات الملائمة لنمو الشعر. وقال إن جميع الأشياء تنشأ من أسباب طبيعية، حتى وإن لم تكن هذه الأسباب واضحة للناس. رفض الأضداد علنًا مفهوم الآلهة اليونانية، ورفض أيضًا التفسيرات الدينية، وعزا الظواهر إلى أسباب طبيعية، ويعد أول فيلسوف تدينه هيئة قانونية (محكمة أثينا) بسبب معتقداته. وقد أنقذه رجل الدولة بريكليس (495-429 ق.م) من الإعدام، وعاش بقية حياته في المنفى في لامبساكوس، وكان معلمًا لأرخلاوس (القرن الخامس قبل الميلاد تقريبًا)، الذي يُعتبر آخر الفلاسفة قبل سقراط، إذ يُقال إنه علم سقراط.
ليوكيبوس وديمُقْريطُس: أثّرت نظرية "البذور" عند أناكسوغوراس في تطوّر مفهوم الذرة لدى ليوكيبوس وتلميذه ديمُقْريطُس، الذين زعما أن الكون كله مكوَّن من "غير المنقسمات" المعروفة باسم الذرات "ἄτομος". تتجمع الذرات لتكوّن العالم المرئي، فتأخذ تارةً شكل كرسي، وتارةً شكل شجرة، وتارةً شكل إنسان، لكن الذرات نفسها من جوهر واحد، ثابتة وغير قابلة للهدم؛ فعندما يُدمَّر أحد الأشكال التي تتخذها، فإنها ببساطة تتخذ شكلاً آخر. شجعت نظرية الكون الذري تلك فلسفة ليوكيبوس عن سموّ القدر على الإرادة الحرّة.
يُعرَف ليوكيبوس أكثر ما يُعرَف بالجملة الواحدة التي يمكن نسبها إليه بثقة: "لا يحدث شيء مصادفةً؛ بل إن كل شيء يحدث وفقًا للعقل (أو لسبب معقول) وبالضرورة" (بيرد، ص 39). لما كان الكون مكوَّن من ذرات، والذرات غير قابلة للهدم وتغيّر أشكالها باستمرار، والبشر جزء من هذه العملية، فإن حياة الفرد تسوقها قُوَى خارج نطاق سيطرته – إذ لا يمكن للإنسان أن يوقف عملية تغيّر أشكال الذرات – ومن ثم فإن المصير محتوم، والإرادة الحرّة مجرّد وهم. وما يمكن للمرء أن يغيّره بإرادته لا يمكنه بأي حال أن يمنع تحلّله المحتوم.
السفسطائيون، سقراط، وأفلاطون
نشأت مهنة السفسطائي، مع تطوّر التفكير العقلي اليوناني، وهم معلّمو البلاغة الذين كانوا يعلّمون أبناء الطبقة العليا فلسفات ما قبل سقراط، من خلال مفاهيمهم عن فنّ الإقناع وكيفية الانتصار في أيّ جدال. كانت اليونان القديمة، ولا سيما أثينا، شديدة النزوع إلى التقاضي، وكانت الدعاوى القضائية تحدث يوميًا؛ وكان يُنظر إلى معرفة كيفية استمالة هيئة المحلّفين إلى جانب المرء على أنّها مهارة ذات قيمة في ذلك الوقت كما هي اليوم، وكان السفسطائيون يتقاضون أجورًا باهظة.
كان هناك كثير من السفسطائيين المشهورين مثل ثراسيماخوس (ح. 459 - ح. 400 ق.م)، المعروف أكثر بوصفه خَصْم سقراط في الكتاب الأول من جمهورية أفلاطون، وهيبياس الإليسي (القرن الخامس ق.م)، وهو معاصر آخر لسقراط وأحد أعلى السفسطائيين أجرًا في ذلك العصر، أمّا الثلاثة الأبرز فهم بروتاغوراس، غورغياس، وكريتِياس، الذين ستُطوَّر حججهم الرئيسة لاحقًا على يد فلاسفة غربيين آخرين لدعم دعاوى النسبية والشكّ والإلحاد.
بروتاغوراس: يُعرَف بروتاغوراس الأبديري على أفضل وجه بادعائه الذي يُصاغ غالبًا بعبارة "الإنسان مقياس كل الأشياء"، بمعنى أن كل شيءٍ نسبيٌّ ويخضع للتفسير الفردي. فبالنسبة لشخصٍ اعتاد المناخات الحارة ستبدو الغرفة باردة، في حين تبدو دافئة لآخر اعتاد المناخات الباردة؛ ولا يكون أيٌّ منهما، وفقًا لبروتاغوراس، «مصيبًا» أو «مخطئًا» على نحوٍ موضوعي، بل هما معًا مصيبان تبعًا لتجاربهما وتفسيرهما. لم يُنكر بروتاغوراس وجود الآلهة قط، لكنه ادّعى أنه لا يمكن لأيِّ إنسانٍ أن يقول شيئًا حاسمًا عنهم، لأنه ببساطة لا توجد طريقة يمكن بها امتلاك مثل هذه المعرفة. فوجود الآلهة وما قد تكون عليه إرادتهم، ككل شيءٍ آخر في الحياة، متروك لكل فردٍ ليقرره، ومهما قرَّر، كان ذلك هو الحقيقة له.
غورغياس: زعم غورغياس أنه لا وجود لشيء اسمه "معرفة"، وأن ما يُعَدّ "معرفة" ليس سوى رأي، أما المعرفة الحقيقية فهي عصية على الفهم ولا يمكن إيصالها. عرض غورغياس دعواه بالتفصيل ليُبيّن أن ما كان الناس يطلقون عليه اسم "الوجود" لا يمكن أن يوجد حقًا، لأن أي شيء "كائن" لابد أن تكون له بداية، وما كان الناس يسمونه "الوجود" لا يُعرف له سبب أول، بل لا توجد إلا آراء حول ما يمكن أن يكون هذا السبب الأول، ومن ثم فلا يمكن للوجود أن يكون قائمًا منطقيًا، وما كان الناس يدركونه على أنه "واقع" لم يكن هو الوجود ولا اللاوجود، بل مجرد "ما هو كائن"، غير أن ماهية هذا "الما هو كائن" غير معلومة، ولو قدّر لأحد أن يعرفها لما استطاع أن ينقلها إلى الآخرين، لأنهم لن يتمكنوا من فهمها.
كريتِياس: كان كريتِياس من أقرباء أفلاطون (ابن عم أمه) ومن أوائل أتباع سقراط، وواحدًا من "الطغاة الثلاثين" الذين أطاحوا بالديمقراطية الأثينية، ويُعتَقَد أن كونه من تلاميذ سقراط عُدَّ نقطةً سلبية ضده في محاكمته بتهمة التجديف سنة 399 ق.م. يُعرَف كريتِياس على أفضل وجه بحجته القائلة إن الدين من اختراع رجال أقوياء أذكياء لِضبط الآخرين؛ ففي قصيدة طويلة، يصف زمنًا من الفوضى وغياب القانون حاول فيه الرجال العقلاء أن يفرضوا النظام فلم ينجحوا، فقرروا أن يبتكروا خرافةً مفادها وجود كائنات فوق طبيعية تستطيع النفاذ إلى قلوب الناس والحكم عليهم، وتُنزل عقوبات لا حصر لها بمن يتحدّى النظام، وبمرور الزمن تحوّل هذا الخيال إلى شعيرة دينية في صورة دين، لكن في الواقع لم تكن هناك أشياء من قبيل الآلهة، ولا حياة بعد الموت، ولا معنى للشعائر الدينية.
تناول أفلاطون ادّعاءات معظم فلاسفة ما قبل سقراط، كليًا أو جزئيًا، في مؤلفاته كافة، وكان لفكر فيثاغورس، خصوصًا، أثر كبير في تطوير نظرية أفلاطون عن خلود النفس، والحياة الأخرى، والذاكرة بوصفها استرجاعًا لخبرة حياة سابقة، أما نسبية بروتاغوراس، وهي نقيض مثالية أفلاطون، فقد ألهمت وشجّعت الكثير من محاوراته. بل يمكن القول، في الواقع، إن مجمل عمل أفلاطون هو رد مباشر على بروتاغوراس، غير أنّ مفاهيم جميع فلاسفة ما قبل سقراط تسهم بدرجات متفاوتة في تشكيل فكر أفلاطون، وبذلك قدّمت الأساس الكامن لتطوّر الفلسفة الغربية.
