سافر الامبراطور الروماني تيطس (79-81 ميلادي) وحاشيته بعد أقل من سنتين لبداية حكمه للامبراطورية إلي سهول ريف سابين في رحلة استجمام . وبقطعهم مسافة الطريق البري ، شعر تيطس سريعا بأن هناك شئ خطأ . اذ اصابته حمة شديدة خطيرة ، فاسرع به خدمه إلي بيت في مزرعة قريبة من رييت.
الوضع الصحي لتيطس تدهور في الطريق ، وأدرك هو من أن ذاك الداء حتما سيقضي علي حياته ، وهو الامر الذي في ادراكه اختلط عليه . فكان في الواحد والاربعين من عمره وفي اعتقاده انه عاش حياة أرضت الألهة ، ولكن في عز سطوته حقت عليه منيته.
علي شفا الموتان اشرع ستائر حجرته الملكية وحملق بالسماء وصرح " ما اخطأت الا مرة واحدة " ( ديو 66.23.3 ) مات بعدها بفترة قصيرة في يوم 13 سبتمبر من عام 81 ميلاديا في نفس البيت الذي لقي فيه ابوه فزبزيان حتفه (69 - 79) .
سبب الموت
تنازع المؤرخون القدامي في مسألة موت تيطس وخطأه الوحيد اذ قدموا عدد من النظريات محاولين شرح ما تسبب في نهايته وما هو الشئ الوحيد الذي ندم عليه علي الرغم من أن بعض الفرضيات تتراوح ما بين المستحيل والغير محتمل ومع هذا ، وبفضل العمل الدؤوب للباحثين المعاصرين ، خرجت نظريات جديدة للنور التي لم يتم اعتبارها مطلقا من قبل سابقيهم الرومان أو اليونانيين
الذين بطبيعة الحال كان جل تركيزهم علي تشاحن الحاشية فيما بينهم والفضائح .
راود الشك الكثير من الرومان في عام 81 ميلاديا بأن تيطس قد قتل اذ كان موته سريعا وغير متوقع وهو الامبراطور الشاب المحبوب . كتب كاسيوس ديو (164-C. 229/235 CE):
ان الاعتقاد المنتشر بان أخاه قد أزاحه عن الطريق ، اذ تأمر دومتيان عليه من قبل ولكن يسجل بعض الكتاب بانه مات ميتة طبيعية . فالمأخذ أن ، بينما كان مازال يتنفس و لديه فرصة في التعافي ، لكي يعجل دومتيان اخيه بنهايته ، وضعه في صدرية معبأة بكمية من الثلج
مدعيا ان المرض تطلب ان يتناول بعض من رجفة البرد( ديو 66.26.2)
فمن المستحيل ان دومتيان (81- 96) ميلاديا أمر بهكذا علاج بغرض طيب . هو ومعه الاطباء ربما اعتقدوا ان تلك هي الطريقة الوحيدة التي تخفض من درجة حرارة حمة تيطس ، ولكن ادعي كتاب قدامي ان تيطس مات بطرق اخري بالسم علي ايدي دومتيان . حتي ان فلافيوس فيلوستراوس ( القرن الثالث الميلادي ) قطع بأن دومتيان لطخ طعام او شراب تيطس بأرنب البحر ، ولكن الباحثين المعاصرين اعتبروا هكذا استدلال عير محتمل بالمرة . وعلي ما يبدو انه غير المحتمل ايضا ان دومتيان سبب موت تيطس ولو علي الاقل متعمدا لذلك . فالكتاب القدامي كانوا حانقين و كارهين لدومتيان ولذا تمكسوا بالاشاعات دون تثبت لكي ينقصوا من قدر ارث حكمه . وكان من جهته هدف سهل باعتبار أنه لديه غرض واضح ، أن يصير امبراطور
بينما التقليد اليهودي وجد في عطايا جيتين سبب للموت مختلف بالمرة
أتت الجرجسة ، ودخلت من فتحات انف تيطس ، و نقرت مخه لسبع سنين كاملة . عاني تيطس معاناة قاسية مما حدث له ختي ان يوما مر ببوابة محل حدادة . فسمعت الجرجسة صوت المطرقة فتثبتت مكانها . فقال تيطس ، اري بانه هناك علاج لالمي فكانوا يأتون كل يوم بحداد الذي كان مطلوب منه ان يطرق بمطرقته امام تيطس وكان يعطي للحداد الاممي اربعة دنانير كاجرة عمل ، ولليهودي كان يقول بمنتهي البساطة
انه يكفي ان تري عدوك في المه الشديد فعل هذا علي مدار ثلاثين يوما وكان له مفعوله حتي وقت منيته . ومن تلك اللحظة ، منذ ان اصبحت الجرجسة معتادة علي صوت المطرقة ، اصبحت المطرقة غير ذي تأثير عليها
فبدأت بنقر عقل تيطس .(جيتين 56)
وحسب الاسطورة هذا الضيف السئيل هو ما أدي لموته فيكمل جيتين " انه عندما مات تيطس فتحوا رأسه ووجدوا أن الجرجسة نمت وكبرت لتصبح في حجم العصفور " ( جيتين 56 ) بينما يمثل هذا الطرح سردا له ما للاساطير من جاذبية ، ولكن مؤكد انها غير حقيقية فالجرجسة لا تتصرف بتلك الطريقة ولا تنمو لأن تصبح في حجم طئر صغير . علاوة علي ذلك ، لا يوجد اي دليل آخر يشير الي ان الاطباء قاموا بأي تشريح رأس تيطس ، ولم يكن هذا حتي اجراء متبع في الطب الروماني . بينما المح بلوتارخ (45 /50 ، 120/ 125) بأن ولعان تيطس بالاستحمام أدي الي موتانه ، أيضاً هذا الطرح مثار للشك ، إلا إن كان ميكروب قد أصابه في واحدة من إحدي زياراته للحمامات الرومانية .
ما يبدو وظل الطرح الاصيل واضحا في السجلات التاريخية. في ايطاليا اثناء شهر سبتمبر ، اصيب تيطس بحمي شديدة والتي انهت علي حياته سريعا . كما سجل سول باستموسكي , تبدو حالة تيطس علي اقرب احتمال انها كانت اصابة شديدة بداء المالاريا . كان هذا المرض منتشر في زمن تيطس والمنطقة التي يعيش فيها ، وتتزايد الاصابة والعدوي في فصل الصيف الي بداية الخريف. وما هو اكثر ، ذلك الزمن وتلك المنطقة اشتهرت بالحمي الشديدة و من الممكن أن تميت المصابين بيها بسرعة . كتب ديو أن البعض اعتقد ان تيطس مات لاسباب طبيعية ، والحمي الشديدة يمكن أن تكون هي السبب محل الاتهام . لم يكن لتيطس فرصة للنجاة من هذا المرض
الخطأ الوحيد
لو مات تيطس موت طبيعي ، عرف بهذا اولم يعرف - ما كان خطأه الوحيد ؟ اذ سجل ديو :
البعض خمن هذا وآخر خمن ذاك . وجهة النظر السائدة هي لهولاء من يقولوا بانه كان يشير الي اخذه زوجة اخيه دومتيتا . اخرين - وهم ما انا مائل لاتباعهم - يقولون بأن ما عني بالخطأ انه لم يسبق و يقتل دومتيان عندما اوقع به متأمرا عليه في العلن ولكنه فضل ان يختار ان يعاني ملاقاة هذا المصير نفسه علي ايدي غريمه ، وتخلي امبراطورية الرومان لرجل مثل دومتيان . ( ديو 66.26.3-4)
لا يجاوب اي من تلك الاطروحات علي السؤال اجابة مرضية . فلا يوجد دليل علي ان تيطس كان علي علاقة غير شرعية بزوجة دومتيان . حتي أن سويتونيوس - الذي تتلذذ في مشاركة إشاعات لا اساس لها من الصحة علي انها حقائق - أقر بأن هذا الادعاء غير حقيقي
قائلا :
إن دومتيا اقسمت باغلظ الايمان بأن علاقة كتلك لم تكن ، علي الرغم من انها لم تكن لتنكرها إذا كان الادعاء حقيقي حتي ولو بنسبة ضئيلة ، ولكن علي العكس لكانت تفاخرت بتلك العلاقة ، كما كانت مستعدة بأن تتفاخر بكل افعالها المشينة .(حياة تيطس 10.2)
وباعتبار انه من غير المحتمل أن دومتيان قتل تيطس ، علي الأرجح لم يندم الامبراطور السماح لاخيه بأن يظل علي قيد الحياة . من المحتمل ادعاء أن خطأ تيطس الوحيد كان استبقاء دوميتيان يمثل محاولات قديمة للتشهير بدوميتيان ، الذي علي الارجح لم يكن له اي علاقة بموت اخيه المفاجأ وكان علي علم بذلك . حتي انه اظهر القربي بينهما في عملة مصكوكة اثناء حكمه حسب الزعم.
من المستحيل معرفة خطأ تيطس الوحيد علي وجه التاكيد ، ولكن يوجد بعض النظريات المحتملة الاخري . خلال وقته في اليهودية ، اقام تيطس علاقة رومانسية مع الملكة اليهودية برنيس ، حتي انها أتت الي روما وعاشت معه و كأنها زوجته . الامر الذي اثار حفيظة الرومان ،الذين طالبوا بأن تغادر ، تيطس و فزبزيان أمروها بأن ترجع الي المشرق . اطاعت ، ولكن بمجرد ان اصبح تيطس الامبراطور ، رجعت ثانية ، حتي تغادر للمرة الثانية . بدا وكأن تيطس احب برنيس حبا جما ، وغيابها سبب له الام مضنية .
لو لم تكن تلك العلاقة باليهودية التي شغلت عقل تيطس المهموم بنهاية حياته ، ربما انشغل بالحرب اليهودية . اذ اطلق تيطس حملة وحشية ضد االشعب اليهودي بعد الثورة اليهودية العنيفة في 66 ميلاديا حيث دمر مدينة اورشليم العريقة ، احرقها بالنار واحرق ايضا الهيكل المقدس . علي الرغم من زعم فلافيوس يوسيفوس (36- 100) ميلاديا ، رغب تيطس في العفو عن غير المحاربين و الحفاظ علي مديمتهم العظيمة والابقاء خاصة علي الهيكل المقدس ولكن لا يتفق كثير من الكتاب مع تقييم يوسيفوس . ايا تكن النية ، انتهت الامور علي نحو مختلف فحسب يوسيفوس في اورشليم مات اكثر من مليون يهودي من الحرب والمجاعة التي انتشرت بسبب المعارك والحصار ، مع أن تاكتيكوس يقدر الاعداد اقل بكثير . الرومان دمروا المدينة والهيكل المقدس الذي الي يومنا لم يعاد بناؤه . من جهة تيطس فهو في اكثر من مناسبة ، تضرع للالهة ليشهد بأنه لم يكن هو ( صانعها ) محركها لتلك . حصار وتدمير أورشليم علي الحصر ، عديد من تلك "الاخطاء" الممكنة كان هو صانعها كما كذلك احداث عنف اخري في حياته .
عين فزبزيان تيطس كاحد حكام الحرس البريتوري لروما ، أي يعني بالاساس ، قائد الحرس الامبراطوري . اثناء شغله هذا المنصب ، كان يحمي ابيه من اي تهديد محتمل بمنتهي القسوة ، ربما حتي ضد بعض التهديدات الغير جدية التي لا اساس لها غير أدلة هشة . حتي انه بالأخير ،كيسينا و أبريوس وهما اثنان من صفوة المجتمع الروماني تم اتهامهم في مؤامرة لقتل فزبزيان . هؤلاء الرجال كانوا اصدقاء شخصيين لتيطس . حتي انه كان يتدرب علي القتال مع كيسينا . لا يهم أن كانوا اصدقاء أو لو يكونوا ، فقد قرر تيطس بأن يتخذ اجراءاته بمنتهي الحسم . فقتل كيسينا وابريوس بعد ان حكم عليهم ، بقطع رأسه لا يوجد اي مؤشر بما كان شعور تيطس تجاه ذلك ، ولكن أكيد كان لذلك الفعل عظيم الاثر عليه .
من الممكن و تيطس علي فراش الموت وهن ضني ندم علي إبعاد برنيس لإسترضاء رعاياه أو إجلاب الموت والدمار لأورشليم والشعب اليهودي أو أنه من جعل كيسينا وابريوس يموتون موتاً سابق لأوانهم ومن الممكن أيضا أنه كان نادماً علي أنه لم ينجب وريث من أي من محظياته ، حتي ولو أن الامبراطورية الرومانية لم تكن ملكية وراثية .
في الوقت الذي انكر المؤرخون الرومان القدامي في المعظم فكرة ان موت تيطس كان باسباب طبيعية وحاولوا دون جدوي لمعرفة واستبيان خطأه الوحيد ، الحقيقة تترأي بأن تيطس مات من اصابته بمرض ما ، ولديه من الاخطاء المحتملة العديد التي بها يمكننا أن ننشغل . فبعد حياة عنوانها الحرب الضروس ومكائد الحاشية الامبراطورية و القتل القضائي لاصحابه وانكسار القلب المفاجاءة الحقيقية هي أن تيطس كان له خطأ واحد ندم عليه في حياته .

